مقالات
د. أيمن خالد
د. أيمن خالد

باحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي

تشكيل الشرق الأوسط تحت النار؟ (1-2)

أخطر ما تغير في مسار الحرب هو أن الخليج لم يعد مجرد خلفية جغرافية للأحداث، بل أصبح جزءًا من مسرح العمليات. فقد تعرضت دول خليجية خلال الأيام الماضية لهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة

مشاركة:
حجم الخط:

في غضون أيام قليلة فقط، انتقلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، من إطار الضربات المحدودة إلى مشهد حرب إقليمية مفتوحة تتفاعل فيها الجغرافيا والسياسة والطاقة والممرات الاستراتيجية. ومع دخول الحرب أسبوعها الثاني، لم تعد القضية مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل أصبحت لحظة اختبار كبرى لميزان القوة في الشرق الأوسط، ولشكل النظام الإقليمي الذي سيتشكل بعد انتهاء هذه الحرب.

أولاً: الحرب الميدانية… من الضربة إلى الحملة

ميدانيًا، بات واضحًا أن العمليات العسكرية الأميركية–الإسرائيلية دخلت مرحلة جديدة. ففي الأيام الأولى ركزت الضربات على استهداف القيادة العسكرية والأمنية الإيرانية والمنشآت النووية والبنية العسكرية الحساسة، لكن التطورات الأخيرة تشير إلى انتقال العمليات إلى مرحلة ثانية أكثر عمقًا، تتمثل في ضرب البنية الصاروخية الإيرانية، خصوصًا المواقع المدفونة تحت الأرض.

هذه المرحلة تعكس تحولًا مهمًا في الهدف العسكري للحملة. فلم تعد الضربات تهدف فقط إلى توجيه رسالة ردع، بل إلى إضعاف قدرة إيران على الرد والاستمرار في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة. وقد شهدت الساعات الأخيرة غارات جوية مكثفة على طهران ومناطق في وسط إيران، شاركت فيها عشرات الطائرات المقاتلة، واستهدفت مواقع للحرس الثوري ومنشآت عسكرية ومنظومات قيادة وسيطرة.

في المقابل، لم يتوقف الرد الإيراني. فإيران ما زالت تطلق موجات من الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل، وإن كانت كثافة هذه الضربات قد تراجعت مقارنة بالأيام الأولى من الحرب. ويُفسَّر هذا التراجع جزئيًا بتأثير الضربات الجوية على مخازن الصواريخ ومنصات الإطلاق والبنية العسكرية المرتبطة بها. ومع ذلك، لا تزال إيران قادرة على تنفيذ ضربات مؤثرة، وهو ما يؤكد أن الحرب لم تصل بعد إلى مرحلة الشلل العسكري الكامل لطهران.

ثانيًا: الخليج يدخل المعادلة

غير أن أخطر ما تغير في مسار الحرب هو أن الخليج لم يعد مجرد خلفية جغرافية للأحداث، بل أصبح جزءًا من مسرح العمليات. فقد تعرضت دول خليجية خلال الأيام الماضية لهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة مرتبطة بالصراع، ما أدخل المنطقة في قلب المواجهة.

وقد دفعت هذه التطورات دول الخليج إلى رفع مستوى الاستنفار الدفاعي، خصوصًا مع استهداف مناطق مدنية وبنى اقتصادية حساسة. كما كشفت الحرب هشاشة التوازن الأمني في المنطقة، إذ أصبحت المراكز المالية والسياحية والبنية التحتية الاقتصادية تحت تهديد مباشر.

وفي تطور لافت، حاولت إيران لاحقًا احتواء تداعيات هذا التصعيد عبر إرسال إشارات تهدئة لجيرانها الخليجيين، مؤكدة أنها لا ترغب في توسيع الحرب مع دول الخليج، وأن ضرباتها جاءت في سياق المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. هذه الرسائل تعكس إدراك طهران لحساسية فتح جبهة واسعة مع الخليج، لما يحمله ذلك من مخاطر استراتيجية واقتصادية عليها.

ثالثًا: التحرك السعودي ورفع مستوى الردع

في هذا السياق، جاء اللقاء الذي جمع وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في الرياض ليحمل دلالات استراتيجية واضحة. فقد ناقش الجانبان الاعتداءات الإيرانية على المملكة في إطار اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك بين البلدين، وبحثا سبل وقف هذه الاعتداءات.

هذا التحرك يعكس محاولة سعودية لرفع مستوى الردع من دون الانجرار إلى الحرب مباشرة. فالسعودية تدرك أن الانخراط الكامل في المواجهة قد يحول الخليج إلى ساحة حرب مفتوحة، ولذلك تسعى إلى الجمع بين تعزيز الدفاعات وفتح قنوات سياسية لمنع اتساع الصراع.

وفي الوقت ذاته، يرسل التنسيق مع باكستان رسالة واضحة بأن الرياض تمتلك شبكة علاقات أمنية واستراتيجية واسعة، وأن أمنها لا يعتمد فقط على التحالف مع الولايات المتحدة، بل يمتد إلى شراكات إقليمية ودولية أخرى.

رابعًا: إيران بعد مقتل خامنئي

أما داخل إيران، فإن التطور الأكثر حساسية يتمثل في مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي خلال الضربات الأولى للحرب. ورغم أن هذه الضربة تمثل صدمة سياسية وأمنية للنظام الإيراني، فإن المؤشرات حتى الآن لا تشير إلى انهيار فوري للدولة.

فالنظام الإيراني صُمم منذ البداية ليعمل عبر شبكة مؤسسات دينية وأمنية وعسكرية، وليس عبر شخص واحد فقط. ولهذا ما زالت مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الحرس الثوري، تمسك بمفاصل القوة الأساسية، بينما يجري الحديث عن ترتيبات قيادية مؤقتة لإدارة المرحلة الانتقالية.

هذا الوضع يضع إيران أمام ثلاثة احتمالات رئيسية: انتقال منضبط للسلطة تقوده المؤسسة الأمنية، أو تشدد أكبر في سياسات النظام باعتبار الحرب معركة وجود، أو دخول النظام في صراع أجنحة إذا تصاعدت الضغوط العسكرية والاقتصادية بشكل أكبر.

حتى الآن، تبدو المؤشرات أقرب إلى الاحتمالين الأول والثاني، حيث تحاول القيادة الإيرانية الحفاظ على تماسك الدولة وإظهار القدرة على مواصلة القتال رغم الضربة التي تعرضت لها.

وفي المقال غدا : ماذا تريد أمريكا من الحرب؟ 

 

شارك المقال: