هكذا، بين وعدٍ دراميٍّ كبير وخيبةٍ فنيةٍ مؤلمة، تظل الدراما مرآةً لوعينا الجمعي ومسؤوليةً لا تقبل التهاون، فحين تُروى الحكايات الكبرى بأدواتٍ صغيرة
مشاركة:
حجم الخط:
بقلم: خالد علي
بكيتُ بكاءً حارّاً على المنسى، وفرحتُ بكل حلقةٍ من حلقات الاختيار وثّقت استشهاد الجنود واستبسالهم في الدفاع عن الوطن في مواجهة الإرهاب، وأشعل في الوقت ذاته مساحات واسعة من الجدل والحوار، فقد اختلفتُ مع بعض حلقاته، واتّفقتُ مع أخرى، لكنه ظلّ عملاً درامياً جاداً يثير الأسئلة ولا يكتفي بالإجابات الجاهزة. كنتُ أهيمُ حيناً مع بعض رؤاه، وأصطدم حيناً آخر بجدلية أطروحاته، وبين الاتفاق والاختلاف ظلّت الحقيقة ماثلة: الاختيار درامي نقش في الوجدان أسئلةً عميقة تستقر في روح الهوية المصرية.
حين تناهى إلى مسامعنا فحيح “رأس الأفعى”، خُيّل إلينا أننا على أعتاب زلزالٍ يهزّ وجدان الدراما، وتستفيق على وقع خطاه حكايةٌ متجذّرة في صلب التاريخ، فنحن أمام سيرةٍ لم تكن يوماً مجرد شاهدةٍ على الأحداث، بل كانت محرّكاً خفياً لمسارات جماعةٍ نسجت خيوط السياسة في بلادنا منذ خمسينيات القرن الماضي، إنها شخصيةٌ لم تولد وفي فمها ملعقة من رصاص، بل وُلدت وفي جعبتها إرثٌ تنظيميٌّ ثقيل، وعقلٌ مشبعٌ بأسرارٍ تراكمت عبر عقود، شهدت منحنيات الصعود والانكسار، وخبرت صراعات ودهاليز العمل السري والعلني في أدق مفاصلها المشروعة وغير المشروعة.
أمير كرارة بطل مسلسل رأس الأفعى
أطلّ علينا رأس الأفعى غير أنّ فحيح تلك الأفعى لم يكن سوى صدى خواءٍ استوطن الحلقات، ولم تكن الأفعى سوى جسدٍ من ورق، يفتقر إلى السمّ الذي يشعل الصراع، أو الترياق الذي يشفي فضول المشاهد.
سار النصّ الهوينا، كمن يمشي في نومه، غارقاً في رتابةٍ قتلت شغف الحكاية. الحوارات تُلقى كأحجارٍ صمّاء في بئرٍ عميقة، بلا صدى ولا أثر. غاب الجوهر خلف ستار المظهر، فبدت الشخصيات كدمىً تتحرّك بخيوط مهترئة، تائهة في فضاءٍ من التكرار، تبحث عن مبرّر لبقائها على قيد الشاشة. لم تكن هناك ذروة نترقّبها، بل انحدارات متتابعة انتهت بالعمل حتى الآن إلى قاع الملل.
بدا نجوم العمل كأنهم يؤدّون طقساً إجبارياً، غابت اللمعة من العيون، وجفّت الدموع في المآقي قبل أن تصل إلى القلوب. افتقر الأداء إلى تلك الروح الإبداعية التي تحوّل الممثل إلى كائنٍ من لحمٍ ودم، فصرنا أمام وجوهٍ جامدة تعجز عن نقل حرارة الصراع؛ صرخاتٌ صارت همساً باهتاً، وهمساتٌ تحوّلت إلى ضجيجٍ بلا معنى.
وسرنا أمام عملٍ أجوف، شُيِّد على شظايا من مقاطع تاريخية بالغة الأهمية والخطورة، لكنه قدمها وكأنها عظامٌ متناثرة بلا روح تجمعها. فضلًا قصور الرؤية الإخراجية ورداءة السرد، وآلية الأداء التي جعلت الممثلين أقرب إلى ظلالٍ متحركة، كل ذلك نزع عن الأفعى سمّها وخطرها، فغدت بلا فحيحٍ يُرهب، ولا جسدٍ يُقنع. وحتى أولئك الذين حاولوا محاصرتها والوقوف في وجهها، لم ينجحوا في استدرار تعاطفنا، فبدوا كحراسٍ بلا قضية، يقاتلون شبحاً لا حياة فيه.
وأظن أن حلقات رأس الأفعى كانت تحتاج إلى فريقٍ يمتلك ميزتين: الأولى أن يختلف عن فريق عمل الاختيار حتى لا يقع في فخ التكرار خاصة في الكتابة وبطولة العمل، والثانية أن يمتلك رؤيةً فلسفية ومبضع الجرّاح لتشريح تلك الشخصية المركّبة، والغوص في محيط أفكارها، وتفكّك شفرات قراراتها ومحدداتها النفسية. لكن، و يا للأسف، بدل أن نشاهد عملاً يلامس جوهر الحقيقة، وجدنا أنفسنا أمام رداءٍ دراميٍّ لا يليق بجدية الحكاية ولا بوعي المشاهد.
إن جوهر الحقيقة والعمل ليس «رأس الأفعى»، بل الإنسان؛ فعودوا إلى الإنسان، إلى نبضه المرتجف بين الخوف والرجاء، وقدّموا لنا ما يليق بثقل تلك اللحظات التاريخية التي لا تُختزل في شعاراتٍ جوفاء. كفّوا عن الدوران في حلقة التكرار الممل، وعن السقوط في فخاخ الغرور الدرامي الذي لن تنقذه حملاتٌ دعائية تُنفق عليها الأموال ببذخ في وسائل التواصل وصفحات ومواقع الصحف، لدفع الناس إلى مشاهدة عملٍ لا يستحق أن يُرى، ولا أن يُحفظ في ذاكرة الزمن.
هكذا، بين وعدٍ دراميٍّ كبير وخيبةٍ فنيةٍ مؤلمة، تظل الدراما مرآةً لوعينا الجمعي ومسؤوليةً لا تقبل التهاون، فحين تُروى الحكايات الكبرى بأدواتٍ صغيرة، تضيع الحقيقة بين الزخرف والفراغ، وتتحوّل الأفعى إلى ظلّ، والظلّ إلى سراب. وربما كانت الخسارة الأكبر ليست في مسلسلٍ لم يرقَ إلى طموح المشاهد، بل في فرصةٍ أُهدرت لفتح نافذةٍ صادقة على تاريخٍ يستحق أن يُروى بجرأةٍ وعمق.
نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وعرض إعلانات مناسبة وتحليل الزيارات.
سياسة ملفات تعريف الارتباط
تخصيص تفضيلات الكوكيز
ملفات ضرورية مفعّلة دائمًا˅
مطلوبة لتشغيل الموقع الأساسي ولا يمكن إيقافها؛ تشمل كوكي حفظ قرار موافقتك نفسه، وكوكيز ووردبريس القياسية لحفظ اسمك وبريدك عند كتابة تعليق، والحماية الأساسية من الرسائل المزعجة. لا تُخزّن هذه الملفات أي معلومات شخصية.
تحليل الأداء ˅
نستخدم Google Analytics لفهم كيفية تفاعلك مع الموقع (الصفحات الأكثر مشاهدة، متوسط وقت التصفح) بشكل مجمّع ومجهول المصدر، لمساعدتنا على تحسين المحتوى والتصميم.
الإعلانات ˅
تُستخدم بواسطة Google AdSense لعرض إعلانات أكثر ملاءمة لاهتماماتك بناءً على تصفحك. الجهات المعلنة لا تخزّن معلومات شخصية مباشرة، لكنها تستخدم معرّفات فريدة خاصة بمتصفحك أو جهازك.
جهات خارجية / وسائط اجتماعية ˅
تُفعّل عرض فيديوهات ومنشورات مضمّنة من يوتيوب وفيسبوك وX (تويتر)؛ هذه المنصات لا يتم تحميلها إلا بعد موافقتك على هذه الفئة تحديدًا، وقد تضع ملفات تعريف ارتباط خاصة بها خارجة عن سيطرتنا المباشرة.
ملفات وظيفية قريبًا˅
فئة محجوزة لميزات قادمة (مثل حفظ تفضيلات قراءة/استماع المقالات بصوت مسموع). غير مُفعّلة حاليًا ولا تُستخدم لأي غرض بعد؛ سيتم تفعيلها فقط عند إطلاق تلك الميزة فعليًا مع تحديث هذه الصفحة.
شاركنا برأيك