علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. فاروق شرف
د. فاروق شرف

إستشاري وخبير ترميم الاثار والمنشآت التاريخية.

د. فاروق شرف يكتب : مصر… حيث يصنع الإنسانُ أثرًا لا يموت (10) الدكتور أحمد قدري

تبنى قدري، في أعمال هيئة الآثار، رؤية أكثر شمولًا للحفاظ على مجموعات ومناطق أثرية كاملة، وهي فلسفة انعكست بوضوح في مشروعات القاهرة التاريخية.

مشاركة:
حجم الخط:

 الرجل الذي أراد أن تعود الآثار إلى المصريين.

أحمد قدري رجل ارتبط اسمه بواحدة من أكثر مراحل العمل الأثري المصري حركةً وجرأةً في النصف الثاني من القرن العشرين.

رجل تولى رئاسة هيئة الآثار المصرية من 1978 إلى 1988، وهي فترة شهدت مشروعات واسعة في القاهرة التاريخية، والقلاع، والمتاحف، والآثار الإسلامية والقبطية، إلى جانب مشروعات علمية دولية كبرى.

لكن قصة أحمد قدري تبدأ قبل أن يجلس على مقعد رئيس هيئة الآثار.

من الطيران… إلى الآثار

وُلد أحمد قدري في 18 مارس 1931 في كفر الحمام بالزقازيق، وفق السير المنشورة عنه.
واللافت في مسيرته التعليمية أنه لم يكن أثريًا تقليديًا منذ البداية.
فقد حصل على بكالوريوس العلوم العسكرية من الكلية الحربية عام 1950، ثم حصل على بكالوريوس العلوم الجوية عام 1951.

ثم اتجه إلى دراسة القانون بجامعة القاهرة، وحصل على ليسانس الحقوق عام 1964.
لكن شغفه بالتاريخ والآثار دفعه إلى مسار آخر تمامًا.
فحصل على:
– دبلوم الدراسات العليا في الآثار المصرية عام 1973،
ثم:
– دبلوم الدراسات العليا في الآثار الإسلامية عام 1976،
ثم:
– دكتوراه الفلسفة في الآثار المصرية من أكاديمية العلوم المجرية عام 1978.

وهنا تظهر شخصية مختلفة.
رجل بدأ من:
العسكرية… ثم:الطيران…ثم:القانون…
ثم انتهى إلى: الآثار.
وكأن كل محطة من حياته كانت تضيف إليه أداة جديدة لفهم التراث وإدارته.

 الرجل الذي جاء إلى هيئة الآثار

في عام 1978 تولى أحمد قدري رئاسة هيئة الآثار المصرية، واستمر في المنصب حتى 1988.

وهنا بدأت المرحلة الأهم.
فقد كانت مصر تواجه تحديًا هائلًا:
مئات وآلاف الآثار…
في القاهرة وحدها مئات المباني التاريخية…
تلوث… مياه جوفية وأملاح… توسع عمراني…
مرور سيارات… إهمال متراكم… وضغط سياحي متزايد.
وكان السؤال:
هل نكتفي بترميم مبنى هنا ومبنى هناك؟
أم ننظر إلى المنطقة التاريخية كلها باعتبارها نسيجًا واحدًا؟
وقد تبنى قدري، في أعمال هيئة الآثار، رؤية أكثر شمولًا للحفاظ على مجموعات ومناطق أثرية كاملة، وهي فلسفة انعكست بوضوح في مشروعات القاهرة التاريخية.

 قلعة صلاح الدين… واحدة من أهم بصماته

إذا أردنا أن نختار مشروعًا واحدًا يشرح شخصية أحمد قدري، فسأختار:

قلعة صلاح الدين بالقاهرة، لم تكن القضية مجرد ترميم جدران، كانت القلعة موقعًا تاريخيًا ضخمًا، متعدد الطبقات والمنشآت، يحتاج إلى رؤية تجمع بين:
الترميم… التنظيف… التطوير… إعادة تنظيم الحركة…وإتاحة المكان للزائر.

تشير مصادر معاصرة إلى أن قدري قاد أعمالًا واسعة في القلعة، واستعان أيضًا بجهود شباب الجامعات والمتطوعين في أعمال التطوير والتنظيف.

كما أشارت الصحافة الأمريكية في ذلك الوقت إلى مشاركته في مشروع القلعة وإلى استخدام متطوعين من الجامعات.
وهذه الفكرة تستحق التوقف، لأنه لم يرَ الأثر مجرد مسؤولية موظفي الآثار، بل حاول أن يجعل المجتمع نفسه شريكًا في حماية التراث.

من «سجن» إلى فضاء للزيارة

ارتبطت أعمال تطوير القلعة أيضًا بإعادة توظيف بعض عناصرها وفتحها أمام الجمهور بصورة أفضل.
فقد قام بتحويل أحد مباني السجن في القلعة إلى متحف/فضاء مفتوح للجمهور.

وهنا نرى مفهومًا مهمًا: الأثر لا يكفي أن يبقى قائمًا، يجب أن: يُفهم… ويُرى… ويُزار…
ويصبح جزءًا من الوعي العام.

السلطان حسن والرفاعي

وهنا تأتي واحدة من أكثر الصور التي تستحق أن تبقى في ذاكرتنا، جامعان من أعظم آثار القاهرة: السلطان حسن… والرفاعي.

وبينهما طريق تمر فيه السيارات، كان المشهد التاريخي مختنقًا بالحركة الحديثة، فجاء قرار بإغلاق الطريق أمام السيارات وتحويله إلى مساحة للمشاة والزائرين.

وتوثق مصادر صحفية معاصرة أن هذا القرار جاء ضمن أعمال قدري، وأن الطريق بين المسجدين تحول إلى مساحة للمشاة. 
وهذا ليس مجرد قرار مروري.
إنه في جوهره: قرار أثري، لأن حماية الأثر لا تتعلق بالحجر وحده، بل بالبيئة المحيطة به أيضًا.

وهنا تظهر فلسفة مهمة جدًا، لو وضعت أعظم أثر في العالم ثم تركت بجواره، عوادم سيارات… وضوضاء… اهتزازات…تشوهًا بصريًا… وحركة مرورية كثيفة، فأنت لم تحافظ على الأثر بصورة كاملة.

وهذا المفهوم يبدو اليوم بديهيًا في علم الحفاظ على المناطق التراثية.
لكن تطبيقه عمليًا يحتاج إلى قرار وشجاعة، وقد كان مشروع المنطقة بين السلطان حسن والرفاعي مثالًا واضحًا على هذا الاتجاه.

المتحف الإسلامي

ومن مشروعاته كذلك أعمال مرتبطة بتطوير وترميم متحف الفن الإسلامي، إلى جانب المتحف القبطي، اثناء فترة فترة رئاسته.

واللافت هنا أن اهتمامه لم يكن محصورًا في الآثار الفرعونية.
بل امتد إلى: المصري القديم…الإسلامي…القبطي، والقلاع والمتاحف والمناطق التاريخية.

أي أنه كان ينظر إلى التراث المصري كوحدة حضارية متعددة الطبقات.

رشيد… مدينة كاملة في ذاكرة الحجر

ومن الملفات التي تحمل اسم أحمد قدري: مشروعات ترميم آثار رشيد.

فكان مشروع ترميم آثار رشيد عام 1985 في عهده، ثم توالت بعد ذلك أعمال ترميم عدد من المباني والمساجد والمآذن على مدار سنوات.

وهنا ندرك شيئًا مهمًا، رشيد ليست مبنى واحدًا، إنها: مدينة تاريخية.

ولذلك فإن الحفاظ عليها يحتاج إلى التعامل مع:
النسيج العمراني… المنازل… المساجد… المآذن، والعلاقة بين المبنى والشارع.
وهذا يتفق مع فكرة الحفاظ الشامل التي ارتبطت بتجربته في القاهرة.

طابا… الأثر والوثيقة والسيادة

من الملفات المهمة التي ارتبطت بعهد أحمد قدري قلعة صلاح الدين بجزيرة فرعون في طابا.

وقد أُجريت أعمال ترميم وتطوير للقلعة، كما صدر في عهده كتاب عن قلعة صلاح الدين بجزيرة فرعون، وأصبح توثيق الموقع جزءًا من ملف تاريخي مهم في قضية طابا.

وهنا يتحول الأثر من مجرد مبنى تاريخي إلى وثيقة من وثائق التاريخ والجغرافيا والسيادة.

وهذه نقطة بالغة الأهمية، فالأثر أحيانًا لا يتحدث فقط عن الماضين بل يستطيع أن يتحدث عن حق الدولة في الحاضر.

لكن هناك مشروعًا عالميًا، إذا أردنا أن نثبت أن أحمد قدري لم يكن يعمل محليًا فقط، فعلينا أن نذهب إلى الأقصر، إلى وادي الملكات  واحدة من أجمل مقابر العالم:

مقبرة نفرتاري

نفرتاري… عندما أصبحت مصر قضية علمية عالمية
كانت مقبرة نفرتاري تعاني من مشكلات معقدة في الرسوم الجدارية.
أملاح… رطوبة… تدهور…
ومخاطر تهدد واحدة من أهم مجموعات التصوير الجداري في مصر القديمة.
وفي عام 1985 بدأت منظمة الآثار المصرية ومعهد Getty Conservation Institute مباحثات للتعاون في إنقاذ المقبرة.
ثم بدأ المشروع فعليًا عام 1986 تحت قيادة الدكتور أحمد قدري من الجانب المصري، وبالتعاون مع لويس مونريال من معهد جيتي.

وهنا تظهر نقطة علمية مهمة جدًا.
لم يبدأ المشروع بالقول:
«هيا نرمم.»
بل بدأ بـ:
هيا نفهم أولًا لماذا تتلف الرسوم.
وهذا فارق جوهري بين الترميم العشوائي والترميم العلمي.

العلم قبل التدخل:
اعتمد مشروع نفرتاري على برنامج متعدد التخصصات شمل:
الدراسة العلمية… التحاليل… دراسة الجيولوجيا والهيدرولوجيا… المناخ… الميكروبيولوجيا…
الميكروفلورا… ودراسة حالة الرسوم وموادها.
وقد وثق Getty أن البرنامج اتبع ثلاث مراحل أساسية:
-الدراسة والتحليل العلمي.
– التثبيت الطارئ.
– المعالجة والحفظ.

وهذا المشروع تحديدًا من أقوى الأدلة على أهمية دور أحمد قدري في مرحلة انتقال العمل الأثري المصري نحو التعاون العلمي الدولي.
وقد كان موقفه واضحًا
كان يرى أن مصر مسؤولة عن الحفاظ على تراثها.
وقد نقل Getty عن قدري وصفه الحفاظ على مقبرة نفرتاري بأنه:
«واجب وطني»
تجاه واحدة من أجمل روائع التراث المصري.

وهنا نرى شخصيته:
لا رفض للتعاون الدولي…
ولا تسليم للأثر للآخرين.
بل:
تعاون علمي دولي… مع مسؤولية مصرية أصيلة.
وماذا حدث في النهاية؟
أصبحت تجربة نفرتاري واحدة من أهم مشروعات حفظ الجداريات الأثرية في مصر خلال القرن العشرين، وأصبحت نموذجًا للتعاون بين مؤسسة الآثار المصرية ومؤسسة علمية دولية متخصصة في الحفظ.

بل إن Getty نفسه قدم المشروع باعتباره تجربة ذات أهمية معيارية في مجال الحفاظ.

إنقاذ آثار النوبة

ارتبط أحمد قدري أيضًا بجهود إنقاذ آثار النوبة، في سياق الحقبة التي شهدت نقل وإنقاذ عدد كبير من الآثار النوبية نتيجة مشروع السد العالي.
فقد أشرف على أعمال مرتبطة بإنقاذ آثار النوبة والحفاظ عليها.

وهنا يجب أن نكون دقيقين:
لا ينبغي أن ننسب إليه وحده «إنقاذ آثار النوبة».
فهذا كان مشروعًا قوميًّا ودوليًا ضخمًا شارك فيه عدد كبير من العلماء والمهندسين والأثريين والمؤسسات.
لكن من الإنصاف القول إنه كان أحد المسؤولين البارزين في مرحلة لاحقة من مسيرة حماية التراث المصري، وشارك في استمرار هذا النهج.
مركز إحياء الفن.
ومن أفكاره المهمة إنشاء:
مركز إحياء الفن والذي ارتبط به معهد للحرف الأثرية منذ عام 1982 وفق المصادر المنشورة عنه.
وهذا المشروع له معنى عميق.
لأن المبنى الأثري لا يحافظ عليه الحجر وحده.
نحتاج إلى:
نجار يعرف الخشب التاريخي… نقاش…حرفي…
فني معادن…ةمرمم…صانع زخارف…ومتخصص يفهم المواد التقليدية.
أي:
إحياء الحرفة جزء من إحياء الأثر.
وهذه فكرة أراها شديدة الأهمية بالنسبة لنا نحن العاملين في مجال الترميم.

أحمد قدري… والإنسان قبل الأثر

من القصص التي تتكرر في المصادر عنه اهتمامه بشباب الجامعات وإشراكهم في أعمال مرتبطة بتطوير القلعة.
قد تبدو الفكرة بسيطة، لكنها في الحقيقة تحمل فلسفة: إذا أردت حماية الأثر لعشرات السنين فلا يكفي أن تضع عليه حارسًا.
بل يجب أن تجعل: المصري يحب الأثر، فمن يحب التراث يحميه.

 «المائة كتاب»

وترتبط باسمه كذلك فكرة مشروع ثقافي تحت عنوان:
نحو وعي حضاري معاصر، ومشروع «المائة كتاب» في الثقافة التاريخية والأثرية، وفق المصادر المنشورة عنه.

وهنا يظهر وجه آخر من الرجل، فقد كان يرى أن الترميم وحده لا يكفي إذا لم يعرف الناس قيمة ما نُرممه، فقد يعود الإهمال مرة أخرى.

إذن: الوعي جزء من الحماية الرجل الذي لم يكن يخشى القرار
تصفه مصادر صحفية معاصرة بأنه كان صاحب قرارات جريئة في مجال الترميم والحفاظ.

وقد نقلت Washington Post في عام 1988 عن مدير Chicago House لاني بيل وصفه بأنه كان نشطًا وجريئًا في أعمال الترميم، وأنه أعطى دفعة قوية لهيئة الآثار.
وهذا الجانب مهم في شخصيته.
لأن حماية التراث أحيانًا تحتاج إلى قرار غير شعبي.
إغلاق شارع… إزالة مصدر تلوث…إعادة تنظيم منطقة…ةتغيير طريقة زيارة أثر…أو مواجهة مصالح مرتبطة بالمكان.

وهنا لا يكفي أن تكون عالمًا، يجب أن تكون قادرًا على اتخاذ القرار.

لكن… والإنصاف العلمي واجب لا يمكن أن نتحدث عن أحمد قدري بأمانة علمية ونذكر إنجازاته فقط، ففترة رئاسته شهدت أيضًا جدلًا كبيرًا حول بعض أعمال ترميم أبي الهول.

وكان هناك خلاف علني حول منهج الترميم وبعض المواد والتدخلات، ووصل الأمر إلى صدام مع السيد وزير الثقافة فاروق حسني انتهى بإقالة قدري من منصبه عام 1988.

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك