علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
عمرو صابح
عمرو صابح

كاتب وباحث

عمرو صابح يكتب:دماء المصريين المهدورة في حروب أسرة محمد علي (1-3)

أرسل محمد علي جيشه إلى بلاد الشام مطالبًا بضمها مكافأة على خدماته في المورة، لكن السلطان العثماني رفض، فبدأت الحرب.

مشاركة:
حجم الخط:

تولّى محمد علي حكم مصر عام 1805 بعد أن بايعه العلماء وزعماء الشعب حاكمًا للبلاد، ليبدأ بذلك عهد الأسرة العلوية الذي امتدّ لما يقرب من قرن ونصف، وافتُتحت معه صفحة من تاريخٍ لم يكن للمصريين فيه إلا أن يدفعوا الثمن، إذ فرضت عليهم أسرة وافدة من ألبانيا سطوتها واستبدادها، لتشيّد مجدها على كدّهم ودمهم.

لم يكن مشروع محمد علي مشروعًا وطنيًا بقدر ما كان مشروعًا أسريًا توسعيًا، هدفه تكوين دولة كبرى تُدار لحساب البيت العلوي لا لحساب مصر.

فباسم “التحديث” كوَّن جيشًا حديثًا وأطلق حملاتٍ عسكرية تجاوزت حدود البلاد من الحجاز إلى السودان ومن المورة إلى الشام، فصنع مجدًا عسكريًا لنفسه، دفع ثمنه الفلاح المصري ضرائبًا وسخرةً وأبناءً.

لقد قاتل المصريون في حروبٍ لم تكن من أجلهم، بل من أجل سلطانٍ عثمانيٍ بعيدٍ حينًا، وطموحِ باشاٍ ألبانيٍ غريبٍ حينًا آخر، بينما كانت مصر تنزف قوتها لتبقى رهينة النهب الأجنبي حتى منتصف القرن العشرين.

ولنفهم كيف زُجّت مصر في معارك لم تكن دائمًا معاركها، علينا أن نعود إلى بدايات حكم الأسرة العلوية، لنتتبع سجلّ حروبها من محمد علي إلى فاروق، حيث اختلط المجد بالطموح، والدم المصري بمصالح الحكّام.

أولاً: عهد محمد علي باشا (1805–1848)

1– حروب الوهابيين (1811–1818)

كانت هذه الحرب أول اختبار حقيقي لجيش محمد علي النظامي، وأولى المواجهات الكبرى التي خاضتها مصر الحديثة ضد حركة دينية مسلحة رفعت راية العقيدة بحثًا عن الاستقلال عن الدولة العثمانية.

بدأ الصراع حين تمددت الدولة السعودية الأولى بقيادة محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب، فسيطرت على الحجاز ودخلت المدينة المنورة ومكة المكرمة عام 1803، وقطعت طريق الحج وهاجمت القوافل القادمة من مصر والشام.

كلّف السلطان العثماني محمود الثاني محمد علي باستعادة الحجاز “نيابة عن الخلافة”، فوجد في ذلك فرصة لإثبات قوته أمام الباب العالي، فأرسل جيشًا مصريًا حديثًا مزودًا بالمدفعية والتنظيم الأوروبي، معتمدًا لأول مرة على أبناء الفلاحين في الخدمة العسكرية.

–  حملة الحجاز الأولى (1811–1815)

قادها طوسون باشا ابن محمد علي بجيش قوامه 10 آلاف جندي عبر البحر الأحمر إلى ينبع، ثم المدينة. استعاد السيطرة على المدينة ومكة، لكنه مُني بهزيمة في الطائف عام 1813، فاضطر للانسحاب إلى جدة، وتدخل محمد علي بنفسه لإعادة تنظيم الصفوف والسيطرة على الحجاز.

– حملة الحجاز الثانية (1816–1818)

قادها إبراهيم باشا ابن محمد علي بجيش يبلغ 25 ألف جندي عبر صحراء نجد، وانتصر في الرس وعنيزة والخرمة، ثم حاصر الدرعية ستة أشهر حتى سقطت عام 1818.

أُسر الإمام عبد الله بن سعود وأُعدم في إسطنبول، وسقطت الدولة السعودية الأولى، خسر الوهابيون نحو 20 ألف مقاتل، وفقد المصريون 10 آلاف جندي بين قتيل ومصاب.

أثبتت الحملة عبقرية إبراهيم باشا العسكرية وانضباط الجيش المصري الذي خاض حربًا طويلة في بيئة معادية.

لكن هذا النصر الباهر لم يكن لمصر، بل كان خدمة للسلطان العثماني الذي استعاد نفوذه دون أن يدفع الثمن، بينما تكفّل المصريون بالدماء والمال.

 الحملات السودانية (1820–1824)

كان هدف محمد علي من غزو السودان السيطرة على مناجم الذهب وتجنيد السودانيين في جيشه.

قاد الحملة ابنه إسماعيل كامل باشا، ومعه محمد بك الدفتردار، فاستولت القوات المصرية على دنقلا وسنار وكردفان.

قُتل إسماعيل حرقًا على يد الملك نمر حاكم شندي، فقام الدفتردار بحملة انتقامية أبادت القرى السودانية وخلّفت آلاف القتلى.

أسس المصريون بعد ذلك مدينة الخرطوم كمركز إداري عام 1824، لكن الثمن كان فادحًا؛ فقد مات آلاف المصريين بسبب المناخ والأمراض، حتى لقّبها الجنود بـ«مقبرة الجيش المصري»

 حرب المورة (اليونان) 1824–1828

بعد نجاح محمد علي في الجزيرة العربية، استدعاه السلطان العثماني لمساعدته ضد ثورة اليونانيين في المورة (جنوب اليونان).

أرسل محمد علي جيشًا بقيادة إبراهيم باشا قوامه 17 ألف جندي مدعومًا بأسطول مصري قوي.

حقق الجيش المصري انتصارات كبيرة، وسيطر على مدن كالاماتا وميسولونجي، وأخضع المورة كلها تقريبًا.

لكن تدخّل الأساطيل البريطانية والفرنسية والروسية أنهى الأمر بمأساة: في معركة ناڤارين البحرية عام 1827، دُمر الأسطول المصري – العثماني بالكامل، وخسر المصريون أكثر من 7 آلاف قتيل وجريح، وضاع جهد أربع سنوات من القتال.

 حرب الشام الأولى (1831–1833)

كانت حرب الشام ذروة صعود الدولة المصرية الحديثة، وبرز فيها إبراهيم باشا كأعظم قائد عسكري في الشرق.
أرسل محمد علي جيشه إلى بلاد الشام مطالبًا بضمها مكافأة على خدماته في المورة، لكن السلطان العثماني رفض، فبدأت الحرب.

زحف إبراهيم بجيش من 30 ألف مقاتل، فسيطر على عكا بعد حصار دام ستة أشهر، ثم هزم الجيش العثماني في حمص وقونية عام 1832، ووصل حتى كوتاهية في الأناضول.

أجبر السلطان العثماني على توقيع اتفاق كوتاهية (1833) الذي منح مصر حكم الشام وأدنه.

بلغت خسائر المصريين نحو 10 آلاف جندي، وخسائر العثمانيين قرابة 20 ألفًا.

كان الجيش المصري حينها هو الأقوى في الشرق الأوسط.

 حرب الشام الثانية (1839–1840)

رفض السلطان العثماني محمود الثاني بقاء مصر في الشام، فاستعد للحرب مجددًا. وفي معركة نزيب عام 1839، سحق إبراهيم باشا الجيش العثماني مرة أخرى.

لكن الدول الأوروبية تدخلت خشية انهيار الدولة العثمانية، ففرضت على محمد علي معاهدة لندن 1840 التي أجبرته على الانسحاب من الشام والاكتفاء بحكم مصر وراثيًا.

خلال حرب الشام الثانية بين مصر والدولة العثمانية، تكبد الجيش المصري خسائر بشرية كبيرة، إذ فقد 30,000 جندي خلال انسحابه من الشام في عام 1840، وتشمل هذه الخسائر القتلى والجرحى والمفقودين.

ثانيًا: عهد عباس حلمي الأول (1848–1854)

– حرب القرم (1853- 1855)

شارك الجيش المصري في حرب القرم دعمًا للدولة العثمانية ضد روسيا، بناءً على أوامر السلطان العثماني.
أرسل عباس حلمي الأول 20 ألف جندي مصري إلى الميدان، واستمرت المشاركة خلال عهد سعيد باشا.

تميّزت القوات المصرية بشجاعتها وانضباطها في ميادين القتال، خاصة في سباستوبول، حيث سقط منهم أكثر من 4000 شهيد و6000 جريح.

كانت الحرب بعيدة عن مصالح مصر تمامًا، وذهبت أرواح المصريين خدمة للباب العالي دون مكسب وطني يذكر.

ثالثًا: عهد سعيد باشا (1854–1863)

واصل سعيد سياسة الخضوع للسلطان، وشارك في استكمال العمليات العسكرية التي بدأت في القرم.

كما أرسل فيلقًا من العمال المصريين للمساعدة في مشروعات عثمانية في الحجاز والشام.

لكن في عهده بدأت مظاهر الإنهاك العسكري والمالي تظهر بوضوح، خاصة مع التوسع في نظام السخرة وتجريف القرى من الشباب للخدمة في الجيش.

في المقال القادم نستكمل الحروب في عهد الخديوي إسماعيل وما بعده

شارك المقال:

شاركنا برأيك