علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

أغلقوا المكاتب، سحبوا السفراء،  أطفئوا الجزيرة! كيف تحوّلت الشاشة إلى أزمة قطر الكبرى؟

م يكن القرار متعلقاً بالجزيرة وحدها، فقد ارتبط بخلافات أوسع حول السياسة الخارجية القطرية، والملف المصري، وعلاقات الدوحة بقوى سياسية في المنطقة، والالتزامات الخليجية المشتركة.

مشاركة:
حجم الخط:

لم تكن الجزيرة مجرد قناة تلفزيونية تزعج الحكومات بنشرة أخبار أو برنامج حواري ساخن.

لقد أصبحت، في أقل من عقد، لاعباً سياسياً وإعلامياً يتجاوز حدود الشاشة، ويطرق أبواب القصور الرئاسية، ويضع العواصم العربية أمام معادلة لم تعتدها:

كيف تتعامل السلطة مع قناة لا تستطيع التحكم في ضيوفها، ولا في الأسئلة التي يطرحها مذيعوها، ولا في الصور التي تنقلها إلى ملايين المشاهدين؟

الرياض تستدعي سفيرها.. حلقة تلفزيونية تتحول إلى أزمة بين دولتين!

في يونيو 2002، بث برنامج «الاتجاه المعاكس» حلقة أثارت غضباً سعودياً واسعاً، تناولت مبادرة السلام التي طرحها ولي العهد السعودي آنذاك الأمير عبد الله بن عبد العزيز، وامتدت الانتقادات إلى مؤسس المملكة الملك عبد العزيز آل سعود.

وبعد أشهر، وتحديداً في 29 سبتمبر 2002، استدعت الرياض سفيرها في الدوحة للتشاور.

لم يكن ذلك مجرد احتجاج دبلوماسي عابر. فقد كانت العلاقات بين البلدين تعيش توتراً على خلفية ملفات سياسية واستراتيجية أخرى، لكن الجزيرة أصبحت واحدة من أبرز نقاط الاشتباك بين العاصمتين.

والأكثر دلالة أن عودة السفير السعودي إلى الدوحة بعد سنوات، عام 2007، ارتبطت بحسب تقارير وتحليلات سياسية بتعهد قطري بتهدئة التغطيات النقدية للقناة تجاه المملكة.

هنا ظهرت أولى المفارقات الكبرى: هل يمكن أن تصبح السياسة الخارجية للدولة رهينة حلقة تلفزيونية؟

وهل تستطيع قناة ممولة من دولة أن تحافظ على استقلالها عندما تصبح تغطيتها جزءاً من مفاوضات المصالحة؟

الأردن والكويت والبحرين.. قائمة الغاضبين تتسع! لم تكن السعودية وحدها في المواجهة

في الأردن، أُغلق مكتب الجزيرة في عمان عام 2002 بعد حلقة حوارية تضمنت انتقادات لعلاقة المملكة بإسرائيل، وتعليقات ساخرة من معرفة الملك عبد الله الثاني باللغة العربية.

واستدعت عمان سفيرها من الدوحة لأربعة أشهر احتجاجاً على ما بثته القناة.

في البحرين، مُنع مراسلو الجزيرة من تغطية الانتخابات البلدية في مايو من العام نفسه، بينما أغلقت الكويت مكتب القناة بعد تقارير اعتُبرت مسيئة لأحد أفراد الأسرة الحاكمة.

كانت الرسالة تتكرر بأشكال مختلفة: إذا لم تستطع السلطة ضبط الشاشة، فبإمكانها إغلاق الباب في وجهها.

لكن المفارقة أن كل إغلاق كان يمنح الجزيرة مادة جديدة لتأكيد صورتها بوصفها قناة تصطدم بالمحظورات، ويزيد من حضورها في النقاش العام.

من دارفور إلى الجزائر وبغداد.. المكاتب تتحول إلى أهداف!

وفي عام 2004 اتسعت دائرة المواجهة بصورة لافتة، أغلقت السلطات السودانية مكتب الجزيرة في الخرطوم بعد اعتراضها على تغطية أحداث دارفور.

وجمدت الجزائر نشاط مكتب القناة بعد بث حلقة من «الاتجاه المعاكس» تناولت الأوضاع السياسية والعسكرية في البلاد.

وفي أغسطس من العام نفسه، أغلقت الحكومة العراقية المؤقتة مكتب الجزيرة في بغداد لمدة شهر، واتهمت القناة بتشويه الحقائق من خلال تغطيتها.

لم تكن تلك مجرد قرارات إدارية، كانت معركة على من يملك حق رواية الأحداث: الحكومة التي تصدر بيانها الرسمي، أم المراسل الذي ينقل ما يجري على الأرض؟

الربيع العربي.. الجزيرة تنتقل من مراقبة العاصفة إلى قلبها!

ثم جاء عام 2011 ليغير قواعد اللعبة في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، أصبحت الجزيرة حاضرة بقوة في تغطية الاحتجاجات والتحولات السياسية.

كانت تنقل أصوات المتظاهرين، وتبث مشاهد المواجهات، وتمنح شخصيات معارضة مساحة لم تكن تجدها في الإعلام الرسمي.

وبينما رأى قطاع واسع من الجمهور في ذلك نقلة إعلامية تاريخية، اتهمتها حكومات وخصوم سياسيون بالانحياز والتأثير في مسار الأحداث.
وهنا تداخلت معادلتان لم يعد من السهل الفصل بينهما: سياسة قطر الإقليمية، وخط الجزيرة التحريري.

فقد تبنت الدوحة مواقف داعمة لقوى سياسية معارضة في عدد من دول المنطقة، وهو ما جعل القناة في نظر خصومها أكثر من مؤسسة إعلامية، وجعلها في نظر مؤيديها نافذة لكسر احتكار الرواية الرسمية.

القاهرة.. حين انتقلت المعركة من إغلاق المكتب إلى سجن الصحفيين!

كانت مصر إحدى أكثر المحطات قسوة، في 29 ديسمبر 2013، اعتقلت السلطات المصرية مجموعة من صحفيي الجزيرة في القاهرة، بينهم بيتر غريست، ومحمد فهمي، وباهر محمد، ومحمد فوزي وايمن جاب الله وربيع شاهين وغيرهم.

تحولت القضية إلى أزمة إعلامية وحقوقية دولية، وأصبحت صور الصحفيين خلف القضبان عنواناً لمعركة حرية الصحافة في مصر.

لم يعد الخلاف متعلقاً ببرنامج حواري أو تقرير مثير للجدل، بل وصل إلى حرمان صحفيين من حريتهم بسبب عملهم الإعلامي، في أجواء استقطاب سياسي حاد أعقبت عزل الرئيس محمد مرسي.

كانت هذه واحدة من اللحظات التي دفعت الجزيرة إلى تقديم نفسها بوصفها ضحية استهداف سياسي، بينما ظل خصومها يتهمونها بالانحياز إلى طرف في الصراع المصري.

2014.. ثلاثة سفراء يغادرون الدوحة في مشهد غير مسبوق!

في مارس 2014، اتخذت الأزمة منعطفاً خليجياً خطيراً، عندما سحبت السعودية والإمارات والبحرين سفراءها من قطر.

لم يكن القرار متعلقاً بالجزيرة وحدها، فقد ارتبط بخلافات أوسع حول السياسة الخارجية القطرية، والملف المصري، وعلاقات الدوحة بقوى سياسية في المنطقة، والالتزامات الخليجية المشتركة.

لكن الإعلام كان حاضراً بقوة في خلفية المشهد، باعتباره أحد أبرز أدوات النفوذ والتأثير التي أثارت اعتراضات تلك العواصم.

وهكذا وجدت قطر نفسها في مواجهة أزمة سياسية مع ثلاث دول خليجية، بعدما كانت الجزيرة التي انطلقت من الدوحة قد تحولت إلى أحد أبرز رموز استقلال القرار القطري عن محيطه.

2017.. المفاجأة الكبرى: أغلقوا الجزيرة أو لا مصالحة!

وصلت الحكاية إلى ذروتها في يونيو 2017، قطعت السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها مع قطر، وأغلقت المنافذ البرية والبحرية والجوية، وبدأت واحدة من أخطر الأزمات الخليجية في التاريخ الحديث.

ثم ظهرت قائمة المطالب الثلاثة عشر التي قُدمت إلى الدوحة لإنهاء الأزمة.

وفي البند السادس جاء الطلب الأكثر إثارة: إغلاق شبكة الجزيرة وجميع محطاتها التابعة.

لم يكن المطلوب هذه المرة تعديل برنامج أو الاعتذار عن تقرير أو تغيير مذيع. كان المطلوب إطفاء الشاشة بالكامل!

وضمت القائمة مطالب أخرى تتعلق بالعلاقات مع إيران وتركيا، والسياسة القطرية تجاه عدد من القوى السياسية، والتعويضات، والرقابة على تنفيذ الالتزامات.

رفضت الدوحة المطالب، واعتبرت أن إغلاق الجزيرة مساس بسيادتها، وأن حرية التعبير ليست ورقة تفاوضية.

وكانت الكلفة على قطر ملموسة: إغلاق طرق التجارة والمنافذ، وتعطيل خطوط الطيران، واضطراب سلاسل الإمداد، وضرورة البحث عن مسارات بديلة للتجارة والاستيراد.

ولذلك ينبغي ألا نختزل الحصار في الجزيرة وحدها؛ فقد كانت القناة أحد أبرز رموز الخلاف، لا تفسيره الوحيد.

كانت الطريقة المثلى للتعامل مع قناة الجزيرة الحصار
كانت الطريقة المثلى للتعامل مع قناة الجزيرة الحصار

من الحصار إلى المصالحة.. هل انتهت المعركة أم تغيرت قواعدها؟

في يناير 2021، جاء إعلان العلا ليطوي صفحة المقاطعة الخليجية، وتعود العلاقات الدبلوماسية والاتصالات بين الدوحة والعواصم التي خاصمتها.

لكن المصالحة السياسية تفتح سؤالاً إعلامياً أكبر: ماذا يحدث عندما تتصالح الدول التي كانت تتبادل الاتهامات عبر الشاشات؟
هل تستطيع الجزيرة أن تحتفظ بذاكرة المواجهة، وبالجرأة التي صنعت اسمها، أم أن عودة العلاقات تفرض عليها حسابات جديدة؟

إنها المفارقة التي تقودنا مباشرة إلى الحلقة الثالثة 

فالقناة التي كانت تطالب الحكومات بفتح أبوابها للنقد، أصبحت مطالبة اليوم بأن تثبت أن أبوابها التحريرية لم تُغلق هي الأخرى.

في الحلقة الثالثة: الجزيرة بعد ثلاثين عاماً.. أين ذهب نجوم التمرد؟

وكيف تغيرت الشاشة من مدرسة للمواجهة إلى مؤسسة تحكمها حسابات السياسة والمال والمصالح؟

شارك المقال:

شاركنا برأيك