حوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان.. بين المقاربة الأمنية واستحقاقات الحقوق وحق العودة
يرى الأكاديمي والباحث المتخصص في الشأن الفلسطيني محمد أبو طربوش أن نجاح مسار التشاور الحالي يرتبط بقدرته على الانتقال من مرحلة المبادرات والتصورات إلى وضع آليات تنفيذية واضحة.
حوكمة المخيمات الفلسطينية
تتجاوز قضية حوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان حدود تنظيم إدارتها وشؤونها اليومية،
لتطرح أسئلة أوسع تتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة اللبنانية واللاجئين الفلسطينيين، وحدود المسؤوليات الأمنية والإدارية والخدماتية، ومدى ارتباط أي ترتيبات جديدة بضمان الحقوق المدنية والاجتماعية والحفاظ على حق العودة.
ومع إطلاق مسار التشاور بشأن خطة حوكمة المخيمات، يعود هذا الملف إلى واجهة النقاش اللبناني والفلسطيني.
في ظل ظروف سياسية وأمنية واقتصادية معقدة، تتصدرها مسألة بسط سلطة الدولة وحصرية السلاح، بالتزامن مع تراجع خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، وتفاقم الأزمات المعيشية داخل المخيمات.
وتضع هذه التطورات المبادرة أمام تحديات تتجاوز الجوانب التنظيمية، خصوصاً مع تباين المواقف الفلسطينية بشأن أهدافها وآليات تنفيذها.
ففي حين يرى بعض المعنيين أن الحوكمة قد تتيح معالجة الاختلالات الإدارية والمؤسساتية المتراكمة،
يحذر آخرون من اختزال مستقبل المخيمات في مقاربة أمنية، أو استخدام الترتيبات الجديدة لإعادة تعريف خصوصية الوجود الفلسطيني على حساب حقوق اللاجئين وقضيتهم الوطنية.
من المبادرات السابقة إلى البحث عن آليات تنفيذية
يعود النقاش بشأن تنظيم أوضاع المخيمات الفلسطينية في لبنان إلى سنوات طويلة، وشهد محطات متعددة، من بينها طرح الشرطة المجتمعية عام 2007، ووثيقة الرؤية اللبنانية الموحدة عام 2017.
إلى جانب مسارات الحوار التي شهدتها لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، التي تأسست عام 2005.
غير أن تكرار المبادرات لم يحسم الإشكاليات المرتبطة بتوزيع الصلاحيات والمسؤوليات، أو طبيعة العلاقة بين المؤسسات اللبنانية والمرجعيات الفلسطينية.
وفي هذا السياق، يرى الأكاديمي والباحث المتخصص في الشأن الفلسطيني محمد أبو طربوش أن نجاح مسار التشاور الحالي يرتبط بقدرته على الانتقال من مرحلة المبادرات والتصورات إلى وضع آليات تنفيذية واضحة،
مشيراً إلى أن توقيت إطلاق الخطة يتزامن مع تحولات سياسية وأمنية في لبنان، وعودة ملف حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة إلى صدارة الأولويات.
وأوضح أبو طربوش، في تصريح خاص، أن التحدي الأساسي يتمثل في عدم تكرار التجارب السابقة التي بقيت في إطار التصورات دون الانتقال إلى التنفيذ الفعلي،
مؤكداً أن نجاح الخطة يتطلب تفاهمًا لبنانياً فلسطينياً حول مضمونها، وتحديداً دقيقاً للمسؤوليات والصلاحيات، إلى جانب ضمانات سياسية ومؤسساتية لمتابعة تطبيقها.
وشدد على ضرورة بناء إطار مؤسساتي ينظم العلاقة بين الدولة اللبنانية والمرجعية الفلسطينية والفصائل واللجان الشعبية، بحيث تتولى الدولة مسؤولياتها السيادية والأمنية والقانونية.
فيما تشارك المؤسسات الفلسطينية في إدارة الشؤون المجتمعية ومتابعة احتياجات السكان، بالتنسيق مع «أونروا» في الملفات الخدماتية.
وتبرز مسؤولية الوكالة الدولية باعتبارها أحد الملفات الأساسية في النقاش، إذ حذر أبو طربوش من أن تتحول الحوكمة إلى مدخل لنقل أعباء «أونروا» إلى الدولة اللبنانية أو المؤسسات الفلسطينية،
أو إلى مبرر إضافي لتقليص خدماتها، مؤكداً ضرورة الفصل بين تنظيم إدارة المخيمات والتفويض الدولي الممنوح للوكالة لتقديم الخدمات للاجئين.
ولا تقتصر التحديات على تحديد الاختصاصات، بل تشمل أيضاً طبيعة المشاركة الفلسطينية في إعداد الخطة، إذ دعا أبو طربوش إلى إشراك الشباب والنساء ومؤسسات المجتمع المدني والهيئات المهنية والتربوية والصحية،
عبر لقاءات حوارية واستطلاعات ميدانية ومجموعات عمل تنقل احتياجات السكان إلى الجهات المعنية.
الحقوق المعيشية وحق العودة في مواجهة المقاربة الأمنية
من زاوية حقوقية، يضع مدير «الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين»، علي هويدي، مجموعة من الشروط المرتبطة بمسار التشاور، أبرزها ألا تنحصر الحوكمة في الجوانب الإدارية والأمنية،
وأن تراعي خصوصية الوجود الفلسطيني في لبنان وارتباط المخيمات بقضية اللجوء وحق العودة.
وانتقد هويدي، في تصريح ، غياب سقف زمني واضح للمشاورات، محذراً من استمرار النقاش دون الوصول إلى نتائج عملية، وداعياً إلى تحديد جدول زمني ومراحل واضحة لمتابعة المخرجات.
كما شدد على ضرورة إدراج الحقوق المدنية والاجتماعية، وفي مقدمتها حق العودة وحق التملك، ضمن صلب الخطة، حتى لا تختزل القضية الفلسطينية في لبنان في ترتيبات إدارية أو أمنية.
وطالب بتوسيع التمثيل الفلسطيني في المشاورات، وعدم حصرها في اللقاءات الثنائية بين الجهات الرسمية والسياسية،
داعياً إلى عقد مؤتمر تشاوري فلسطيني شامل يضم الفصائل والمؤسسات والفعاليات الشعبية والحقوقية ومختلف مكونات المجتمع الفلسطيني.
وتكتسب هذه المطالب أهمية إضافية في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للاجئين،
إذ تشير بيانات المسح الاجتماعي والاقتصادي للاجئين الفلسطينيين في لبنان، الذي أجرته «أونروا» وجُمعت بياناته بين عامي 2022 و2023، إلى أن نسبة الفقر بلغت نحو 83 بالمئة وفق خط الفقر الوطني المعدّل.
كما يواجه الفلسطينيون قيوداً على ممارسة عدد من المهن المنظمة نقابياً، فضلاً عن حرمانهم من تملك العقارات، الأمر الذي يحد من فرص استقرارهم الاقتصادي والاجتماعي،
ويزيد اعتمادهم على الخدمات التي تقدمها الوكالة، خصوصاً في قطاعات التعليم والصحة والإغاثة، في وقت تواجه فيه «أونروا» أزمة مالية تنعكس على قدرتها على مواصلة تقديم خدماتها.
وفي المقاربة الشعبية، يرى الناشط الفلسطيني محمد حسون أن الأولوية ينبغي أن تكون لمعالجة الأزمات المعيشية والحقوقية، من خلال تأمين التمويل اللازم للوكالة وضمان استمرار خدماتها،
والعمل على فتح سوق العمل أمام الفلسطينيين، وتحسين ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية، وتوفير الأمان والاستقرار لهم.
وأشار حسون، في تصريح خاص، إلى أن المخاوف من المبادرات المتعلقة بحوكمة المخيمات تتعزز بفعل تراجع خدمات «أونروا» والقيود المفروضة على اللاجئين،
إلى جانب غياب المشاركة الشعبية الحقيقية في القرارات التي تمس مستقبلهم. وشدد على أن أي تغيير في إدارة المخيمات ينبغي أن ينعكس مباشرة على حياة السكان، مع إشراك الشباب والفعاليات الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني في الحوار.
ولا ينفصل هذا النقاش عن طبيعة التعامل الرسمي والأمني مع المخيمات، التي غالباً ما يجري تناولها من زاوية السلاح والاشتباكات وضبط المداخل والحدود، فيما تبقى قضايا البنية التحتية والسكن والخدمات وفرص العمل جزءاً أساسياً من واقعها اليومي.
وفي هذا الإطار، يشير تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء الصادر في كانون الثاني/يناير 2026 إلى خضوع حركة الفلسطينيين من المخيمات وإليها لمراقبة الأجهزة الأمنية اللبنانية،
ووجود قيود على الوصول إلى بعض المخيمات، بالتوازي مع استمرار القيود القانونية والمهنية المفروضة على اللاجئين.
وبين متطلبات السيادة والأمن اللبنانيين، والخصوصية السياسية والحقوقية للمخيمات، تبقى حوكمة هذا الملف مرتبطة بمدى القدرة على إيجاد صيغة واضحة للمسؤوليات،
تضمن مشاركة الفلسطينيين واستمرار دور «أونروا»، دون المساس بحقوق اللاجئين أو تحويل تنظيم شؤونهم اليومية إلى بديل عن معالجة قضية لجوئهم.
فالمخيمات ليست مجرد تجمعات سكانية تحتاج إلى إدارة، بل ترتبط بتاريخ اللجوء الفلسطيني منذ عام 1948، وبقضية وطنية يظل حق العودة محورها الأساسي.
شاركنا برأيك