علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
علي الأفريقي
علي الأفريقي

كاتب وإعلامي

علي الأفريقي يكتب: أيامنا الحلوة مش حلوة أوي (11) شريط فيديو يجمعنا

دخل بعدي مباشرة رجل كبير في السن وثري، كنت أعرفه جيدا، ولم يمكث الرجل طويلا بالمحل، حيث خرج مسرعا، وفي يده كيس أسود يخفي بداخله شريط فيديو

مشاركة:
حجم الخط:

في زمننا الحالي لو أردت مشاهدة فيلم معين وانت في منزلك، تكتب اسمه على الإنترنت، وبعد ثوان يظهر أمامك فتبدأ المشاهدة مجانا.

أما زمان، كنت إذا أردت مشاهدة فيلم معين في منزلك فعليك أولا أن تكون مالكا لجهاز فيديو، وقد كان الفيديو رفاهية غير متاحة في كل البيوت.

وعليك ثانيا أن تذهب إلى احد محلات الفيديو.. تدخل المحل فتجد رفوفا كثيرة ممتلئة بشرائط لأفلام عربية وأجنبية، فتبدأ في البحث عن فيلم مناسب للسهرة مع اسرتك او اصدقائك. 

وعندما تختار شريط الفيلم يخبرك صاحب المحل بقيمة ايجاره، فإذا وافقت، يفتح دفتر ورقي ويسجل فيه اسمك وعنوانك، ورقم هاتفك، واسم الفيلم، وتاريخ الاستئجار، ثم يسلمك الشريط بعد ان يحذرك بان مدة الإيجار 24 ساعة فقط، ولو تأخرت في اعادته سيفرض عليك غرامة.

تعود إلى البيت حاملا الشريط

تتجمع الأسرة أو الأصدقاء أمام جهاز الفيديو، حيث كانت متعة المشاهدة في اللمة نفسها مع اللب والسوداني والفشار، لزوم التسالي، وتضع الشريط داخل الجهاز، وتضغط زر التشغيل، وتبدأ المشاهدة، وما إن ينتهي الفيلم تسارع باعادة الشريط إلى المحل قبل انتهاء مهلة الأربع والعشرين ساعة.

هذا كان المعتاد دائما.. لكن المشكلة كانت عندما تدخل المحل وتطلب شريط فيلم جديد أو فيلم عليه اقبال شديد، فتاتيك الإجابة: “الفيلم متأجر”.. وعندما تسأل صاحب المحل: متى يرجع؟ يمسك دفتره وينظر فيه، ثم يخبرك ان هناك قائمة من الأسماء التي حجزت الفيلم وتنتظر دورها..

والحقيقة أن معظم أصحاب المحلات كانوا يستغلون الإقبال الكبير على الأفلام الجديدة، فيخصصونها للزبائن القادرين على دفع مبالغ أكبر مقابل استئجار الشريط.

عن هذه المشكلة أتذكر موقفا لا انساه:

كنت وقتها في بداية سنوات الوظيفة اتقاضي راتبا صغيرا وكان لدينا في البيت جهاز فيديو، ولانني من هواة مشاهدة الافلام الاجنبية خصصت جزءا من راتبي لاستئجار شرائط هذه الافلام من محل فيديو كان في شارع بعيد من بيتنا.

وذات ليلة رأيت زحاما كبيرا في شارعنا واضواء ملونة واصوات طبل وزمر فاقتربت لأعرف الحكاية فاذا به حفل افتتاح محل فيديو جديد ففرحت كثيرا لأن المحل على بعد خطوات من البيت، مما يتيح لي استئجار الأفلام وإعادتها بسهولة في طريق ذهابي اوعودتي من العمل..

بمرور الوقت نشأت صداقة قوية بيني وبين صاحب المحل فقد كان شابا في مثل عمري وظريفا صاحب نكتة، فكنا نتسامر ونسهر كثيرا داخل المحل ونتبادل الحكايات والنكات، ورغم تلك الصداقة كنت حريصا دائما على أن أدفع له قيمة استئجار اي شريط فيديو اختاره من المحل.

وفي أحد الأيام، وانا عائد من العمل، لفت انتباهي ان صديقي وضع ملصق إعلاني لفيلم اجنبي حديث على باب محله، ولما اقتربت لاقرأ اسم الفيلم وجدت انه فيلم “فورست جامب” للنجم العالمي “توم هانكس”

كان هذا الفيلم وقتها حديث الصحف العالمية لمستواه الفني المرتفع، ونال ثناء النقاد، كما كان قد حاز على جائزة الأوسكار، لذا كنت مشتاقا جدا لمشاهدته.

دخلت المحل وطلبته من صديقي لكنه هز رأسه بأسف واخبرني بان شريط الفيلم غير متوفر لديه، حيث استأجره أحد الاشخاص ولم يعيده حتي الان.

خرجت من المحل محبطا

دخل بعدي مباشرة رجل كبير في السن وثري، كنت أعرفه جيدا، ولم يمكث الرجل طويلا بالمحل، حيث خرج مسرعا، وفي يده كيس أسود يخفي بداخله شريط فيديو..

نظرت اليه وابتسمت في وجهه ابتسامة ماكرة، فقد كان الأمر واضحا ما دام يخفي الشريط داخل كيس أسود، فهو يحمل فيلما اباحيا من تلك الأفلام التي كنا نطلق عليها وقتها “أفلام ثقافية” والتي كان أصحاب محلات الفيديو يخفونها في سراديب المحلات، بعيدا عن أعين شرطة الاداب، ويؤجرونها بأسعار مرتفعة لزبائن مخصوصين من هواة مشاهدة هذه النوعية من الأفلام.

لكن الرجل كبير السن لاحظ ابتسامتي الخبيثة، ويبدو انه خشي ان أسيء الظن في أخلاقه، فما كان منه إلا أن فتح الكيس أمامي ليريني ما بداخله.

هنا كانت المفاجأة..

كان الشريط الذي يخفيه داخل الكيس ليس فيلما ثقافيا كما ظننت بل فيلم “فورست جامب” الذي اكد لي صديقي صاحب محل الفيديو قبل دقائق قليلة انه غير موجود لديه.

في تلك اللحظة انكشفت لي الحكاية كلها، فالفيلم لم يكن مؤجرا كما زعم صديقي بل كان موجودا لديه بالمحل لكنه أنكر وجوده لأنه كان يعرف جيدا أنني مجرد موظف صغير لا املك دفع المبالغ التي يدفعها زبائنه الاثرياء، وحين دخل الرجل الثري قام بتاجيره له نظير مبلغ كبير.

ولانني غادرت المحل قبل لحظات من دخول الرجل فقد خشي ان اري الشريط معه عندما يخرج فلجأ إلى إخفاءه داخل كيس أسود.

حينها، تذكرت مواقف كثيرة سابقة كان صديقي يوهمني فيها بأن الفيلم الذي أطلبه غير متاح، فلا أحصل عليه إلا بعد أن يهدأ الإقبال علي الفيلم، وأدركت أنه كان يخدعني في كل مرة يجد فيها زبونا مستعدا لدفع مبلغ أكبر.

منذ ذلك اليوم، قطعت علاقتي به تماما

لكني خرجت يتجربة ودرسا مهما في بداية حياتي وهو ليس كل من اتسامر معه واسهر بصحبته يعتبر صديقا فهناك من يبيعك مقابل عدة جنيهات.

أما الصديق الحقيقي فلا يبيعك بكنوز الدنيا كلها، والمواقف وحدها هي التي تكشف لك معادن الناس، وتسقط الأقنعة الخادعة.

بعد سنوات قليلة بدات أجهزة الكمبيوتر تنتشر، ومعها ظهرت السيديهات، ثم جاء الإنترنت، ومنصات المشاهدة، لتختفي من بعدها محلات الفيديو تماما..

لكن الغريب أننا اليوم، ورغم سهولة الوصول إلى مئات الأفلام العربية والاجنبية بضغطة زر، أصبحنا ننسى معظمها سريعا.

أما زمان، فكنا ندفع المال ونبذل الجهد، من أجل الحصول على فيلم واحد، لكننا كنا في غاية السعادة ونحن كأسرة أو أصدقاء أو أقارب نتجمع حول جهاز الفيديو.

فلم تكن المتعة وحدها في مشاهدة الفيلم، بل كانت المتعة الحقيقية في اللمة نفسها مع أكواب الشاي، واطباق الحلويات والتسالي، والضحك والتعليقات التي لا تنتهي، لذا كنا نستمتع بالفيلم حتى لو كان تافها، ثم نظل نتحدث عنه لسنوات طويلة.

شارك المقال:

شاركنا برأيك