علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. أيمن خالد
د. أيمن خالد

باحث في الإعلام والقانون الدولي

د.أيمن خالد يكتب: حين توقظنا الأغاني.. تأملات في الذاكرة والانتماء

الأوطان أيضاً أصوات الذين أحببناهم، ولهجاتنا التي لا نتقن سواها بالقدر نفسه من العفوية، والأغاني التي رافقت بداياتنا

مشاركة:
حجم الخط:

هل هو الغناء، أم الشعر المغنّى، أم تلك الوجدانيات التي تنهض من تراب الأوطان؟

أم هي رائحة التراب حين تعبر إلينا من نافذة الذاكرة، فتفتح أبواباً ظننا أن السنين أغلقتها، وتعيد إلينا وجوهاً وأصواتاً وأمكنةً لم نعد نعرف كيف نعود إليها، لكنها لم تغادرنا يوماً؟

في ساعة متأخرة من مساء، تسلّل إلى أجوائي نغم المقام العراقي بصوت يوسف عمر، وكأنه يأتيني من عمق الزمن، وهو يشدو: «ريت الأحبة يكون بالأعظمية»

وفجأة، لم أعد أمام جهاز يستقبل موجات الصوت، بل وجدتني أعود إلى أكثر من عشرين عاماً قضيتها في الأعظمية، إلى عبق دجلة ونسائمها، وكأن تلك السنوات تنهض من جديد بتفاصيلها، ببغداها، بأمكنتها، بوجوه الأحبة، وبذلك الزمن الذي كان يمضي دون أن ندرك أننا نودّع فيه أجزاءً من أعمارنا.

ثم انقلبت الموجة، وإذا بصوت عبد الوهاب يأخذني إلى مصر، إلى زمن الفرح والنيل، إلى ذلك الزمن الممتد في الذاكرة، وهو يشدو:

«إمتى الزمان يسمح يا جميل
وأسهر معاك على شط النيل».

فإذا بي أعود إلى سنوات احتضنت جزءاً من حياتي، وحياة أسرتي وتعليم أبنائي، وإلى عملي ودراستي، وإلى عشقي لتراب مصر وأهلها.

سنوات لم تكن مجرد إقامة عابرة، بل تجربة حياة تشكّلت فيها مشاعر وذكريات وعلاقات إنسانية عميقة، حتى أصبحت بعض شوارع القاهرة ومقاهيها وأصواتها جزءاً من تكويني، لا مجرد محطات عابرة في سجل السفر والإقامة.

وهنا يلحّ السؤال: ما الذي يجعل أغنيةً واحدة قادرة على استعادة وطن كامل؟

وكيف يستطيع مقام عراقي أو لحن مصري أن يعيد إلينا أعماراً بأكملها، كأن الزمن لم يمضِ، وكأن الذين غادروا ما زالوا يجلسون معنا حول طاولة المساء؟

أظن أن الحكاية أعمق من الموسيقى، وأوسع من الحنين.

إنها علاقة الإنسان بكل ما يمنح حياته معناها؛ بالأدب والشعر، وبالمقامات والألحان، وبمجالس الأحبة والسمر، وبالمقاهي التي احتضنت نقاشاتنا، وبالشاي الذي كان له طعم آخر حين نتقاسمه مع الأصدقاء، وبالقهوة التي كانت تتناغم مع مزاج الروح، وبالأنهار والشطآن، وبالفصول التي كانت تمرّ علينا محمّلةً بالأحلام.

فثمة أمكنة لا نحبها لجمالها وحده، بل لما عشناه فيها، ولمن شاركونا تفاصيلها، ولما تركته فينا من أثر.

وثمة أغانٍ لا نسمعها بآذاننا فحسب، بل نستعيد معها أعماراً كاملة، كأنها مفاتيح خفية لأبواب الذاكرة.

هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع في داخلنا المعنى الكبير للوطن.

فالأوطان ليست خرائط وحدوداً سياسية فحسب، وليست جبالاً وأنهاراً وحقولاً وموانئ.

الأوطان أيضاً أصوات الذين أحببناهم، ولهجاتنا التي لا نتقن سواها بالقدر نفسه من العفوية، والأغاني التي رافقت بداياتنا، والأماكن التي شهدت انكساراتنا وانتصاراتنا، والذكريات التي لا يعرف قيمتها أحد بقدر ما يعرفها أولئك الذين عاشوها.

ولعل الثقافة، في جوهرها الإنساني، هي التي تمنح الأرض قدرتها على أن تصبح وطناً في وجداننا.

فالأرض قد تكون مساحةً نولد فوقها، لكن الشعر يجعلها قصيدة، والموسيقى تجعلها ذاكرة، والحكايات تجعلها تاريخاً حياً، ومجالس الأحبة تمنحها دفء الحياة.

وحين تجتمع هذه العناصر، لا تعود الأرض مجرد مكان نسكنه، بل تصبح جزءاً من ذواتنا، نحملها معنا أينما رحلنا، حتى لو باعدت بيننا وبينها آلاف الأميال وعقود من الزمن.

لهذا، فإن الإنسان الذي يغترب عن وطنه لا يغادره كاملاً.

يبقى منه شيء في نبرة صوت، وفي رائحة خبز، وفي أغنية قديمة، وفي طريقة احتساء الشاي، وفي ضحكة تشبه ضحكة صديق غاب منذ زمن.

وربما يحدث أن تمرّ به نغمة عابرة، فيكتشف أن المسافة بين إسطنبول وبغداد، أو بين إسطنبول والقاهرة، ليست دائماً مسافةً تُقاس بالكيلومترات، فقد تختصرها ثوانٍ من مقام، أو بيت شعر، أو لحن يوقظ في داخله ما لم تستطع السنوات محوه.

ومن هنا نفهم شيئاً من أسرار الصمود الإنساني.

فالأمم لا تتمسك بأرضها لأنها تعرف قيمتها الاقتصادية أو الاستراتيجية وحدها، بل لأنها تعرف ما الذي تعنيه هذه الأرض في حياتها. تتمسك بها لأن وراء كل شبر حكاية، وخلف كل نهر ذاكرة، وفي كل مدينة وجوهٌ وأصواتٌ وأحلام.

ولأن خسارة المكان ليست دائماً خسارةً جغرافية؛ فقد تكون خسارة اللغة اليومية، وطقوس الحياة، وشبكة العلاقات الإنسانية، وكل ما يجعل المرء يشعر بأنه ينتمي إلى عالم يعرفه ويعرفه العالم.

وحين تُقتلع الشعوب من أرضها، فإنها لا تفقد البيوت وحدها، إنها تُجبر على إعادة بناء تفاصيل الحياة من البداية.

ومع ذلك، تحمل معها أغانيها، وشعرها، ومطبخها، ولهجتها، وحكايات أجدادها، وكأنها تدافع بهذه الذاكرة عن حقها في البقاء.

فالثقافة هنا ليست ترفاً، وليست زينةً توضع على هامش الحياة، بل هي أحد أشكال المقاومة الهادئة للنسيان، وأحد الجسور التي تعبر عليها الهوية من جيل إلى جيل.

إن الإنسان قد يُحرم من بيته، وقد يُجبر على مغادرة مدينته، وقد تتبدل معالم المكان الذي عرفه، لكنه يستطيع أن يحمل شيئاً منه في ذاكرته، وأن ينقله إلى أبنائه عبر حكاية أو أغنية أو صورة أو عادة صغيرة.

وهكذا تتحول الذاكرة من استعادة للماضي إلى فعل يحمي استمرارية الهوية، ويمنح الإنسان القدرة على أن يبدأ من جديد دون أن يفقد جذوره.

لكن ثمة معنى آخر لا يقل أهمية: أن نعرف قيمة الأرض لا يعني أن نمجّد التراب وحده، بل أن نعرف قيمة الحياة التي تنبت فوقه.

أن نحمي الإنسان الذي يزرع ويكتب ويغني ويحب، وأن نصون حقه في أن يجلس مع أصدقائه دون خوف، وأن يقرأ قصيدته، ويستمع إلى موسيقاه، ويحتسي قهوته على ضفة نهره، ويختلف مع الآخرين دون أن يفقد حقه في الحياة والكرامة.

ما قيمة الأرض إذا صار أهلها غرباء فيها؟

وما قيمة الانتصار إذا فقد الناس القدرة على الفرح؟

إن حب الأوطان ليس صخب الشعارات، بل حماية الإنسان والثقافة والذاكرة، وصون حق الأجيال في حياة كريمة تدفعها إلى البقاء لا إلى الرحيل.

في تلك الليلة، بين مقام يوسف عمر وألحان عبد الوهاب، أدركت أن الموسيقى لا تستعيد الماضي فحسب، بل تكشف ما تركه فينا من أثر.

فالأغاني والأشعار والذكريات ليست مجرد صدى لأيام مضت، بل جسور تصلنا بأمكنة وأحبة أسهموا في تشكيل أرواحنا.

ربما لهذا نحب الأرض؛ لأننا لا نرى فيها التراب وحده، بل نرى أنفسنا كما كنّا، ومن أحببناهم، وأحلامنا التي عشناها، وما نريد أن نتركه لمن يأتي بعدنا.

فالأوطان التي تسكن الوجدان لا تختصرها الحدود، والأرض التي تسكن الذاكرة لا يغيب حضورها بالابتعاد.

قد يطوي الزمن أعماراً، لكن لحناً واحداً يستطيع أن يعيد إلينا كل شيء، ويهمس لنا:

هنا عشتَ، وهنا أحببتَ، وهنا تركتَ شيئاً من روحك.

فالأرض تكتسب قيمتها بما تمنحه الحياة من معنى، وبحق الإنسان في أن يعيش عليها آمناً كريماً، يغني دون خوف، ويحلم دون استئذان

شارك المقال:

شاركنا برأيك