د. فاروق شرف يكتب: مصر… حيث يصنع الإنسانُ أثرًا لا يموت (4) رمسيس ويصا واصف
وُلد رمسيس ويصا واصف في القاهرة في نوفمبر 1911، في أسرة مصرية ارتبط اسمها بالسياسة والفكر والفنون.
رمسيس ويصا واصف.
شخصيات صنعت العلم، وشيدت العمارة، وحفظت التاريخ، وصانت التراث، وأثرت في الثقافة المصرية والعالمية.
رمسيس ويصا واصف… عندما آمن أن بناء الإنسان أهم من بناء الحجر.
هناك معماريون يتركون خلفهم مباني…
وهناك معماريون يتركون فكرة.
وهناك قلة نادرة جدًا لا تكتفي ببناء الحجر أو الفكرة، وإنما تحاول أن تبني الإنسان نفسه.
ومن هؤلاء يأتي رمسيس ويصا واصف.
فإذا كان حسن فتحي قد سأل:
كيف نبني للإنسان؟
فإن رمسيس ويصا واصف ذهب بالسؤال إلى مكان أعمق:
كيف نكتشف الإنسان الذي يستطيع أن يبني؟
ومن هنا تبدأ واحدة من أكثر التجارب المصرية إثارة في القرن العشرين.
البداية… في بيت يجتمع فيه الفن والسياسة
وُلد رمسيس ويصا واصف في القاهرة في نوفمبر 1911، في أسرة مصرية ارتبط اسمها بالسياسة والفكر والفنون.
كان والده ويصا واصف شخصية وطنية وسياسية بارزة، وكان محاميًا وعضوًا في حزب الوفد، وله اهتمام واضح بالفنون وبالحركة الفنية المصرية في بدايات القرن العشرين.
وتذكر المصادر الرسمية أن الأسرة كانت بيئة تجمع بين الثقافة والفكر والفنون والعمل الوطني.
وهنا ربما نفهم شيئًا مهمًا عن شخصية الابن.
فهو لم ينشأ في بيت ينظر إلى الفن باعتباره ترفًا.
بل نشأ في بيئة كان فيها:
الفكر… والسياسة… والفن… والوطن
أجزاء من حياة واحدة.
كان يريد أن يكون نحاتًا
وهذه مفاجأة جميلة في بداية القصة.
لم يكن حلم رمسيس ويصا واصف الأول أن يصبح معماريًا.
كان يميل إلى النحت، وتأثر بالمثال المصري الكبير محمود مختار.
وتذكر السيرة الرسمية المنشورة عنه أنه كان يتطلع إلى أن يصبح نحاتًا، وهو ما يفسر ربما العلاقة العميقة التي ظهرت لاحقًا بين العمارة عنده وبين النحت والتكوين والكتلة والفراغ.
لكن الطريق أخذه إلى العمارة.
وكان لهذا التحول أثر كبير.
فالمعماري الذي كان يحمل في داخله روح النحات لم يكن يتعامل مع المبنى باعتباره مجرد حوائط وأسقف.
كان يتعامل معه باعتباره:
عملًا فنيًا يسكنه الإنسان.
باريس… لكن مصر بقيت معه
حصل على البكالوريا من مدرسة الليسيه الفرنسية بالقاهرة عام 1930، ثم سافر إلى باريس لدراسة الفنون والعمارة.
وتوثق وزارة الثقافة المصرية حصوله على دبلوم الفنون الجميلة ودبلوم الدولة الفرنسية في الهندسة المعمارية عام 1935.
وهنا حدث أمر مهم.
لقد ذهب إلى باريس…
إلى قلب العمارة والفن الأوروبي الحديث…
لكنه لم يعد إلى مصر حاملاً نسخة من أوروبا.
بل عاد وهو أكثر وعيًا بما يمكن أن يكون مصر.
وكان مشروع تخرجه نفسه، وفق المصادر المعمارية، مرتبطًا بفكرة بيت الفخّار في القاهرة القديمة؛ وهي إشارة مبكرة إلى اهتمامه بالحرف التقليدية والعمارة المصرية.
وكأن الشاب الذي ذهب إلى أوروبا ليتعلم العمارة…
عاد إلى مصر ليكتشف عمارتها من جديد.
بين ويصا واصف وحسن فتحي
وعندما عاد إلى مصر دخل عالم التدريس والعمل الأكاديمي، وأصبح من الشخصيات المهمة في قسم العمارة بكلية الفنون الجميلة.
وهنا ظهرت علاقة شديدة الأهمية في تاريخ العمارة المصرية الحديثة:
رمسيس ويصا واصف وحسن فتحي.
كان الاثنان من أبرز المعماريين الذين سعوا إلى البحث عن عمارة مصرية ذات جذور محلية، بعيدًا عن مجرد تقليد النماذج الأوروبية.
وتذكر وزارة الثقافة المصرية أن ويصا واصف ساهم مع حسن فتحي في إنشاء قسم العمارة بكلية الفنون الجميلة، ودرّس تاريخ العمارة والفنون، بينما تؤكد المصادر المعمارية أنه درّس في الكلية منذ ثلاثينيات القرن العشرين وحتى عام 1969 تقريبًا.
لكن من المهم ألا نخلط بين الرجلين.
حسن فتحي كان له طريقه.
ورمسيس ويصا واصف كان له طريقه.
التقاطع بينهما كان في الإيمان بالبيئة والإنسان والتراث، أما الأسلوب والتجربة فلكل واحد منهما شخصيته.
العمارة عنده لم تكن تقليدًا للماضي
لم يكن يريد أن نضع قبة هنا، أو قوسًا هناك، ثم نقول:
هذه عمارة مصرية.
كان يبحث عن شيء أعمق.
كان يسأل:
لماذا نجح المصري القديم في التعامل مع البيئة؟
لماذا استمرت بعض تقنيات البناء المحلية؟
لماذا كانت العمارة التقليدية قادرة على توفير الظل والتهوية والخصوصية؟
وماذا يمكن أن نتعلم من الحرفي؟
ومن هنا أصبح التراث بالنسبة إليه مصدر معرفة وليس مجرد زخرفة.
الطين… مرة أخرى
وهنا سنلتقي مع حسن فتحي.
لكن ويصا واصف ذهب في اتجاه مختلف.
فقد استخدم الطين المحلي، والأقبية والقباب، والتقنيات التقليدية، واستعان بحرفيين وبنائين لديهم خبرة متوارثة.
وتذكر المصادر الرسمية أنه استعان بمعلمي بناء من صعيد مصر لتعليم أهالي الحرانية تقنيات بناء القباب والأقبية من قوالب الطين المجفف، وأن مباني مركز الفنون نشأت باستخدام مواد محلية وأساليب تقليدية.
لكن السؤال هنا:
لماذا كان يفعل كل ذلك؟
والإجابة ليست: لأن الطين أجمل.
بل: لأنه كان يرى أن الإنسان والبيئة والحرفة منظومة واحدة.
ثم جاءت الحرانية…
وهنا تبدأ القصة التي صنعت شهرته العالمية.
في أوائل الخمسينيات اتجه رمسيس ويصا واصف إلى الحرانية، جنوب الجيزة.
لم تكن الحرانية آنذاك المكان الذي نعرفه اليوم.
كانت قرية بسيطة على أطراف القاهرة الكبرى.
وفي عام 1951 بدأ مشروع مركز الفنون هناك، ثم تطور المشروع على مدى سنوات. وتثبت المصادر الرسمية أن ويصا واصف أسس بيت الفن في الحرانية عام 1955، بينما تشير مصادر أخرى إلى بداية شراء الأرض وإنشاء المركز منذ 1951.
وهنا علينا أن نفرق بين:
بداية المشروع والأرض والبناء.
وبين
الافتتاح والتوسع وبيت الفن بصورته اللاحقة.
وهذا يفسر اختلاف بعض التواريخ.
لكنه لم يبنِ مصنعًا للسجاد.
وهنا تكمن عبقرية الفكرة.
لو كان يريد إنشاء مصنع للسجاد…
لكان أحضر عمالًا محترفين.
ووضع تصميمات جاهزة.
وأعطاهم الخامات.
ثم بدأ الإنتاج.
لكنه فعل العكس تقريبًا.
ذهب إلى الأطفال.
نعم…
إلى أطفال القرية.
أن ويصا واصف قسم مجموعة من أطفال الحرانية في سن مبكرة، وبدأ معهم تجربة تقوم على الإبداع الفطري دون فرض رسومات أو تصميمات مسبقة.
وكان سؤاله أشبه بالمغامرة:
ماذا يحدث لو تركنا الطفل يبدع قبل أن نعلمه كيف يبدع؟
هنا رفض «النموذج الجاهز»
في الفن التقليدي يقول المعلم للطفل:
ارسم هذا… انسج هذه الزهرة…كرر هذا الشكل…
التزم بهذا اللون…
أما ويصا واصف فأراد شيئًا آخر.
أراد أن يرى:
ماذا يوجد داخل الطفل أصلًا؟
فبدأ الأطفال بالنسج دون نموذج جاهز.
لم يكن الهدف أن يصنعوا سجادة متقنة تقنيًا فقط.
بل أن يصنعوا:
عالمهم هم.
وهنا ظهرت المفاجأة.
خرجت من الأنوال عوالم كاملة
بدأت تظهر في أعمال أطفال الحرانية:
الإنسان… الحيوان… الطائر… الشجرة… البيت…
القرية… الموكب… الشمس… الحياة الريفية…
وأشكال لا تخضع بالضرورة للقواعد الأكاديمية المعتادة.
لكنها كانت تحمل شيئًا شديد الأهمية:
الصدق.
لم يكن الطفل يقلد فنانًا كبيرًا.
كان يرسم العالم كما يراه هو.
ولهذا اكتسبت أعمال الحرانية شخصية فريدة.

أن إنتاج المركز اكتسب شهرة واسعة، وعُرض في القاهرة والإسكندرية وفي دول أوروبية، كما ارتبطت أعمال أطفال الحرانية بمعارض دولية وجوائز وتقدير واسع.
ويصا واصف لم يكن يريد «تربية فنانين» فقط
هذه نقطة شديدة الأهمية.
كان يريد أن يثبت شيئًا أكبر:
– أن الإبداع ليس حكرًا على المتعلم.
– ولا على خريج كلية الفنون.
– ولا على ابن المدينة.
– ولا على صاحب الثقافة الأكاديمية.
بل يمكن أن يكون موجودًا في:
طفل القرية.
وهنا تصبح الحرانية تجربة إنسانية قبل أن تكون فنية.
النول أصبح أداة لاكتشاف الإنسان.
بدأ الأطفال بأنوال صغيرة وخامات محدودة.
ثم تطورت أعمالهم تدريجيًا.
كبرت الأنوال… وتنوعت الخيوط…وتعددت الألوان…
وأصبح بعض الأعمال يحتاج إلى أكثر من شخص.
و هذه العملية باعتبارها تنمية متدرجة للحس الإبداعي والحس المهني معًا.
وهنا كان ويصا واصف يحقق شيئًا نادرًا:
لم يكن يعلّم الطفل «كيف ينسج» فقط.
كان يعلّمه:
كيف يثق في خياله.
ومن هنا جاءت شهرة الحرانية
بدأت أعمال الأطفال تخرج من القرية.
ثم ظهرت في المعارض.
ثم بدأت تصل إلى أوروبا.
ثم أصبحت الحرانية نفسها اسمًا مرتبطًا بفن النسيج اليدوي والإبداع الفطري.
أن أعمال المركز طافت دولًا مختلفة، واكتسبت شهرة دولية، بينما تشير المصادر المعمارية إلى حصول مركز رمسيس ويصا واصف للفنون على جائزة الآغا خان للعمارة عام 1983 بعد وفاته، تقديرًا للتجربة المعمارية والمجتمعية للمركز.
وهنا المفارقة:
الرجل الذي بدأ بتجربة مع أطفال قرية…
أصبح مشروعه موضوعًا للدراسة والتقدير عالميًا.
لكنه لم يبنِ مركز الفنون ليكون مجرد ورشة
وهذه من أجمل النقاط في تجربة الحرانية.
المركز لم يكن مبنى واحدًا.
كان مجتمعًا صغيرًا.
ورش… ومساكن… ومساحات للعمل… ومتحف…
وأماكن للعرض…
وارتباط بين العمل والحياة.
وتشير دراسة علمية متخصصة إلى أن مجمع المركز يضم عددًا من العناصر، منها الورش، وقاعة عرض النسيج، ومتحف رمسيس ويصا واصف، ومتحف حبيب جورجي، ومساكن النساجين ومبانٍ أخرى، وأن المباني الأولى صممها ويصا واصف نفسه، ثم أضيفت لاحقًا مبانٍ بتصميمات أخرى.
إذن:
لم يكن «مصنعًا»…
كان بيئة إبداعية.
والعمارة نفسها أصبحت جزءًا من التجربة.
هنا نعود إلى رمسيس ويصا واصف المعماري.
استخدم الطين المحلي.
واستخدم القباب. والأقبية. والفراغات. والإضاءة الطبيعية. والتهوية.
والتكوينات التي تستجيب للمناخ والمكان.
واستفاد من خبرات البناء التقليدية.
وتصف المصادر الرسمية فلسفة المركز بأنها قامت على التكامل بين الطبيعة والإنسان، وعلى استخدام المواد المحلية وتقنيات البناء التقليدية، مع مشاركة الأهالي في تنفيذ المباني.
وهنا تصبح الحرانية نفسها عملًا فنيًا كبيرًا.
وهنا تظهر فلسفته الأعمق
كان يرى أن الإنسان لا ينبغي أن يكون منفصلًا عن المكان.
فإذا كان الإنسان: يعيش في بيئة…ويعمل فيها…
ويبني بيده… ويستخدم موادها…ويبدع منها…
فإن العلاقة بين الإنسان والمكان تصبح أقوى.
ولهذا اهتم بأن يبني بعض أهالي الحرانية بيوتهم بأنفسهم، وأن تكون مساكنهم مرتبطة بالمركز والمجتمع المحلي. وتوثق وزارة الثقافة هذه الفكرة ضمن تجربة المركز.
وهذا أمر يتجاوز العمارة.
إنه: بناء مجتمع.
لكن الرجل كان معماريًا حقيقيًا أيضًا
لا ينبغي أن نختزل رمسيس ويصا واصف في الحرانية.
فله سجل معماري واسع.

ومن أبرز أعماله:
متحف محمود مختار:وهو من أهم الأعمال المرتبطة باسمه في القاهرة.
وقد صمم المتحف تكريمًا للنحات المصري الكبير محمود مختار.
أن تأسيس متحف محمود مختار ارتبط بمجهود رمسيس ويصا واصف مع عدد من الشخصيات المصرية بعد وفاة مختار، بينما توثق السيرة الرسمية لواصف تصميمه للمتحف في القاهرة وكأن الدائرة عادت إلى بدايتها.
إن رمسيس ويصا واصف كان يحلم بأن يكون نحاتًا؟
ثم أصبح معماريًا…
ثم شارك في إنشاء متحف مخصص للنحات الذي ألهمه في بدايته:
محمود مختار.
وهذه من أجمل المفارقات في سيرته.
ومن أشهر أعماله أيضًا كنيسة السيدة العذراء بالمرعشلي في الزمالك.
وهنا يظهر وجه آخر من شخصيته.
فهو لم يكن يبحث عن العمارة المصرية في المباني المدنية فقط.
بل حاول أن يخلق عمارة ذات روح مصرية في العمارة الدينية.
والأكثر أهمية أنه لم يكتفِ بتصميم المبنى.
بل صمم أيضًا النوافذ الزجاجية الملونة للكنيسة.
* وهنا تلتقي:
العمارة + الضوء + اللون + الفن.
ومن أعماله أيضًا كنيسة مار جرجس بميدان هليوبوليس، وهي من المباني التي تذكرها المصادر الرسمية ضمن أبرز أعماله.
وهنا أيضًا نجد اهتمامه بالتفاصيل والتكوين والمواد والزجاج المعشق.
والزجاج المعشق… حكاية أخرى
ربما لا يعرف كثيرون أن رمسيس ويصا واصف لم يكن معماريًا فقط.
لقد أجرى أبحاثًا وتجارب في:
العمارة… الزجاج المعشق… الصباغة… الخزف…
أنه حصل عام 1960 على جائزة الدولة التشجيعية في فن التصوير عن أعماله في النوافذ الزجاجية الملونة.
وهذا يكشف طبيعة شخصيته:
كان يحب أن يفهم المادة بيده.
لا أن يتركها للمتخصصين فقط.
مدرسة… ومصنع… وكنيسة… ومتحف
إذا تأملنا أعماله سنجد أنه تحرك في مساحات واسعة:مدارس…كنائس…منازل…مبانٍ عامة…متحف…ورش…مركز فنون…زجاج معشق…سجاد…خزف…
وهذا يؤكد أن كلمة «معماري» وحدها لا تكفي لوصفه.
منزل رمسيس ويصا واصف
في 13 شارع الدري بالعجوزة.
وتوثق مبادرة «عاش هنا» التابعة لوزارة الثقافة موقع المنزل وسيرته، وتذكر أنه صممه لنفسه عام 1946.
وهذا المنزل مهم جدًا؛ لأنه يعطينا فرصة لقراءة شخصية صاحبه من خلال المكان الذي اختاره لنفسه.
فالمعماري عندما يبني بيتًا لنفسه…
لا يكون أمامه عميل يفرض عليه شيئًا.
هنا نتعرف إلى اختياراته هو.
الحرانية ليست مجرد «قرية للسجاد»
وهذه ربما أهم رسالة يجب أن تخرج بها الحلقة.
إذا ذهبنا إلى الحرانية اليوم ونظرنا فقط إلى السجاد…
فسنكون قد فهمنا نصف القصة.
أما النصف الآخر فهو:
فلسفة الإنسان.
ويصا واصف كان يريد أن يثبت أن:
– الطفل قادر على الإبداع.
– الحرفي قادر على الابتكار.
– البيئة قادرة على إنتاج عمارة جميلة.
– المادة المحلية ليست مادة فقيرة.
– التراث ليس شيئًا نضعه في المتحف ونغلق عليه الباب.
بل يمكن أن يصبح:
طاقة للمستقبل.
وهل نجحت التجربة؟
نعم، وبشكل واضح في جانبها الفني والثقافي.
لكن الأمانة العلمية تقتضي ألا نقول إنها كانت تجربة مثالية بلا تحديات.
المشروع استمر بعد وفاة ويصا واصف بفضل أسرته، وتوسعت أنشطته وأضيفت حرف أخرى، وأصبح له حضور دولي.
وتذكر وزارة الثقافة أن زوجته وأولاده واصلوا العمل بالمركز بعد وفاته عام 1974، وأن التجربة توسعت لاحقًا لتشمل صناعات يدوية أخرى.
أما من الناحية المعمارية، فقد تعرض المركز عبر الزمن للتغيرات والإضافات، وهو أمر تناولته دراسات علمية متخصصة في تقييم أصالة التراث الطيني للموقع.
وهذا مهم لأن الأثر الحي يتغير.
فى 1974… رحل المعماري
توفي رمسيس ويصا واصف في يوليو 1974، وفق السجل الرسمي لقطاع الفنون التشكيلية.
لكن المشروع الذي تركه لم يمت.
فالحرانية بقيت. والسجاد بقي. والعمارة بقيت.
وأعماله بقيت.
والأهم:
بقي السؤال الذي يجب طرحه.
ماذا ترك رمسيس ويصا واصف لمصر؟
لم يترك فقط:
متحف محمود مختار.
ولا فقط:
كنيسة المرعشلي.
ولا فقط:
مركز الحرانية.
ولا فقط:
بيته في العجوزة.
لقد ترك تجربة تقول:
لا تبدأ ببناء الحجر… ابدأ ببناء الإنسان.
وهذا هو سر علاقته بحسن فتحي.
فكلاهما كان يرى أن العمارة لا تنفصل عن الإنسان.
لكن حسن فتحي ركز بصورة أكبر على السكن والمجتمع والبيئة والعمارة للفقراء.
أما رمسيس ويصا واصف فذهب خطوة أخرى:
إلى تحرير طاقة الإنسان الإبداعية نفسها.
ولذلك…
عندما ننظر اليوم إلى سجادة خرجت من أنوال الحرانية…
قد نرى مجرد سجادة.
لكن رمسيس ويصا واصف كان يريدنا أن نرى خلفها: طفلًا…وخيالًا…ويدًا صغيرة…وقرية…
وتراثًا…ومادة محلية…ومجتمعًا…
وفكرة تقول:
إن الإبداع لا يحتاج دائمًا إلى مدرسة… أحيانًا يحتاج فقط إلى أن نترك الإنسان يكتشف نفسه.
وهنا نعود إلى عنوان سلسلتنا…
مصر… حيث يصنع الإنسانُ أثرًا لا يموت
سليم حسن…
قرأ آثار مصر وأعاد للعالم جانبًا من تاريخها.
حسن فتحي…
حاول أن يعيد للعمارة صلتها بالإنسان والبيئة.
ثروت عكاشة…
بنى مؤسسات حملت الثقافة المصرية إلى أجيال جديدة.
أما رمسيس ويصا واصف…
فذهب إلى مكان آخر:
بحث عن الفنان داخل الإنسان البسيط.
ولهذا ربما يكون أجمل تلخيص لحياته:
رمسيس ويصا واصف…
لم يكتفِ بأن يبني مباني جميلة، بل حاول أن يجعل الإنسان نفسه قادرًا على صناعة الجمال.
وهذا… هو الأثر الذي لا يموت.

شاركنا برأيك