«فورين أفيرز»: استمرار الحرب مع إيران يهدد بتفاقم أزمة الطاقة العالمية
ترى «فورين أفيرز» أن استمرار الحرب قد يزيد الضغط على أسواق النفط والغاز، خصوصًا مع تعرض مضيق هرمز ومسارات بديلة مثل باب المندب وخطوط نقل النفط الخليجية لمخاطر أمنية. ويطرح المقال العودة إلى الدبلوماسية ووقف القتال وتأمين الممرات البحرية باعتبارها مسارًا لتقليل مخاطر أزمة طاقة أوسع.
حذرت مجلة «فورين أفيرز» من أن استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران
قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على أسواق الطاقة العالمية، في وقت أصبحت فيه بعض المسارات البديلة
عن مضيق هرمز عرضة للتهديد أيضًا.
جاء ذلك في مقال للباحثين ريتشارد هاس وكارولين كيسان، نشرته المجلة في 23 سبتمبر/أيلول 2026 تحت عنوان:
«الجمود مع إيران لا يمكن أن يستمر»، وطرحا فيه استراتيجية دبلوماسية لإنهاء الحرب.
هرمز وباب المندب في قلب أزمة الطاقة
يركز المقال على الدور المحوري لمضيق هرمز في حركة التجارة العالمية للطاقة،
مشيرًا إلى أن إغلاقه أو تقييد حركة الملاحة عبره يضغط بصورة مباشرة على إمدادات النفط والغاز.
وبحسب المقال، كان النظام العالمي قد تمكن خلال المرحلة الأولى من الحرب من امتصاص
جزء من الصدمة عبر زيادة الإنتاج في عدد من الدول، والسحب من الاحتياطيات الطارئة، وتراجع الطلب في بعض الأسواق.
لكن الكاتبين يريان أن هذه الوسائل ليست مفتوحة بلا حدود.
ويشير المقال إلى أن الضغوط لم تعد مرتبطة بمضيق هرمز وحده، بعدما امتدت إلى مسارات بديلة
تستخدمها دول الخليج لتصدير الطاقة.
ويضع الكاتبان مضيق باب المندب وخط أنابيب النفط السعودي المعروف باسم الشرقي-الغربي
ضمن أبرز النقاط التي أصبحت، بحسب طرحهما، جزءًا من المخاطر الجديدة التي تواجه حركة إمدادات الطاقة.
ارتفاع أسعار النفط يزيد المخاوف
ويربط المقال بين تطورات الحرب والارتفاع في أسعار النفط خلال سبتمبر/أيلول، مشيرًا إلى
انتقال السعر من مستويات سبعينيات الدولارات في أغسطس/آب إلى نحو 110 دولارات للبرميل في سبتمبر/أيلول.
ويطرح الكاتبان احتمال ارتفاع الأسعار إلى مستويات أعلى إذا تعرضت منشآت الطاقة الإقليمية لمزيد من الهجمات.
لكن هذه المستويات تظل سيناريوهات وتحذيرات واردة في تحليل «فورين أفيرز» وليست توقعات مؤكدة.
ويحذر المقال من أن استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة قد ينعكس على قطاعات النقل والزراعة والصناعة،
فضلًا عن أسواق الكهرباء والتدفئة، خصوصًا إذا تراجعت إمدادات الغاز الطبيعي المسال.
كيف امتص الاقتصاد العالمي الصدمة الأولى؟
يستعرض المقال مجموعة من العوامل التي ساعدت، وفق تحليله، في الحد من التأثير الاقتصادي الأولي للحرب.
ومن بينها زيادة إنتاج النفط خارج منطقة الخليج، والسحب من احتياطيات الطوارئ،
إضافة إلى انخفاض الطلب في بعض الأسواق الآسيوية.
كما يشير إلى دور الصين في خفض وارداتها النفطية والاستفادة من مخزوناتها، وهو ما ساعد،
بحسب المقال، على تخفيف المنافسة على بعض الإمدادات المتاحة في السوق الدولية.
ويرى الكاتبان أن هذه الإجراءات وفرت قدرًا من الوقت أمام الاقتصاد العالمي،
لكنها لا تمثل حلًا دائمًا إذا استمرت الحرب في التأثير على البنية التحتية للطاقة.
تآكل «الوسائد» التي امتصت الصدمة
تحت عنوان «انهيار الوسائد الواقية»، ينتقل المقال إلى مرحلة مختلفة من الأزمة.
فبحسب تحليله، استُخدمت بالفعل مجموعة من الأدوات التي يمكن للدول اللجوء إليها بسرعة،
مثل زيادة الإنتاج المتاح، والإفراج عن الاحتياطيات، وتغيير مسارات التجارة، وخفض الاستهلاك.
لكن استمرار الحرب قد يجعل تعويض أي فقد جديد في الإمدادات أكثر صعوبة.
ويشير المقال إلى أن بناء حقول جديدة أو خطوط أنابيب إضافية يتطلب وقتًا واستثمارات كبيرة،
بينما لا تستطيع الاحتياطيات الاستراتيجية أن تحل محل الإنتاج المفقود بصورة دائمة.
كما يحذر من أن خفض الاستهلاك بصورة أكبر قد تكون له تكلفة اقتصادية متزايدة،
إذ يمكن أن يؤثر في الصناعة والنقل والنشاط الاقتصادي العام.
الخطر لا يقتصر على النفط
بحسب المقال، فإن أزمة طويلة في الطاقة لن تقتصر آثارها على أسعار البنزين أو النفط الخام.
فنقص الديزل يمكن أن يؤثر في النقل بالشاحنات والزراعة والبناء والصناعة والشحن البحري،
بينما يمكن أن يؤدي انخفاض إمدادات الغاز الطبيعي المسال إلى زيادة الضغوط على أسواق الكهرباء والتدفئة.
كما يربط الكاتبان ارتفاع تكاليف الطاقة بزيادة تكاليف إنتاج الأسمدة، وما يمكن أن يترتب على ذلك من آثار في القطاع الزراعي.
ويشير المقال كذلك إلى أن تأثير الأزمة لن يكون متساويًا بين الدول، إذ قد تتمكن الاقتصادات الأكثر ثراءً
من المنافسة على الإمدادات المحدودة بصورة أكبر من الدول التي تعتمد على استيراد الطاقة وتواجه أصلًا ضغوطًا مالية.
«فورين أفيرز»: الدبلوماسية كمسار للخروج من الحرب
في الجزء الأخير، يدعو المقال إلى إعادة تنشيط المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران.
ولا يقترح الكاتبان مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار، بل اتفاقًا أوسع يتضمن وقف الأعمال العدائية،
وآليات للحفاظ على أمن الممرات البحرية، وترتيبات للحد من استهداف البنية التحتية للطاقة.
كما يطرح المقال فكرة التوصل إلى ترتيبات منفصلة بين السعودية والحوثيين لتقليل المخاطر
التي تواجه البنية التحتية للطاقة والملاحة في البحر الأحمر.
ويرى الكاتبان أن أي اتفاق سيتطلب تنازلات من الأطراف المعنية،
وأن التفاوض قد يشمل قضايا العقوبات والأصول المجمدة وإعادة الإعمار والبرنامج النووي الإيراني.
اتفاق أوسع بشأن مضيق هرمز
ويقترح المقال بحث آلية متعددة الأطراف للإشراف على حركة الملاحة في مضيق هرمز،
بما يضمن استمرار العبور ويحدد ترتيبات مرتبطة بالرسوم وإدارة الممر الملاحي.
وهذه النقطة تعكس رؤية الكاتبين للحل وليست اتفاقًا معلنًا أو سياسة أمريكية قائمة،
ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها مقترحًا تحليليًا.
لماذا ترى «فورين أفيرز» أن استمرار الحرب يحمل مخاطر أكبر؟
الحجة المركزية للمقال هي أن الأدوات التي ساعدت الاقتصاد العالمي على امتصاص الصدمة الأولى
قد تصبح أقل فعالية إذا استمرت الحرب وتعرضت طرق الإمداد البديلة والمنشآت الحيوية لمزيد من الهجمات.
وبناءً على ذلك، يرى هاس وكيسان أن واشنطن تحتاج إلى إعادة تقييم استراتيجيتها والبحث عن
مسار تفاوضي يمكن أن يوقف الحرب ويقلل المخاطر على الطاقة والملاحة.
وفي الوقت نفسه، يعرض المقال كلفة محتملة للدبلوماسية، بما في ذلك الانتقادات السياسية
التي قد تواجهها الإدارة الأمريكية إذا انتهت الحرب إلى اتفاق يقدم تنازلات لإيران.
الخلاصة
لا يقدم مقال «فورين أفيرز» حلًا عسكريًا للأزمة، بل يبني حجته على أن استمرار الحرب
قد يزيد الضغط على أسواق الطاقة ويضعف قدرة الدول على امتصاص صدمات جديدة.
ويربط الكاتبان الخروج من هذا المسار بعودة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران،
إلى جانب ترتيبات أخرى تتعلق بالسعودية والحوثيين وأمن الممرات البحرية.
وبذلك يتحول مضيق هرمز، وباب المندب، وخطوط أنابيب النفط،
ومنشآت الطاقة من مجرد أهداف مرتبطة بالحرب إلى عناصر رئيسية في الحسابات الاقتصادية والدبلوماسية للصراع.
شاركنا برأيك