علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
محمد جرامون
محمد جرامون

كاتب صحفي

محمد جرامون يكتب: بعد واقعة محافظ القليوبية حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا

المحاسبة ليست مجرد استدعاء مدير مدرسة أمام الكاميرات، ولا توجيه عبارات اللوم أمام الرأى العام، لكن المحاسبة الحقيقية تبدأ من عندكم يا سيادة المحافظ

مشاركة:
حجم الخط:

هناك فارق كبير بين أن تذهب إلى موقع تحت إدارتك لتكتشف الخلل وتعالجه، وبين أن تذهب لتلتقط صورة أمام الكاميرات ثم تبحث عن “شماعة” تعلق عليها كل أوجه القصور !

وهناك فارق أكبر بين المحاسبة العادلة التي تبدأ بتحديد المسؤوليات والإمكانات المتاحة، وبين محاسبة موظف على نتائج لم تُوفر له الحكومة أدوات تحقيقها.

وهذا تحديدا هو الدرس الأهم الذي يجب نستخلصة ونتوقف أمامه طويلًا بعد واقعة جولة محافظ القليوبية داخل عدد من المدارس وما صاحبها من توجيه اللوم إلى مديري المدارس بسبب الأوضاع المتردية التي ظهرت عليها.

فالواقعة لم تتوقف عند حدود مدرسة متهالكة أو فصول تحتاج إلى صيانة، وإنما فتحت بابا أوسع من الأسئلة وأهمها :

من المسؤول عن توفير الإمكانيات قبل أن يبدأ في محاسبة من يعملون في مواقع العمل؟

فما كشفته المعلمة الفاضلة صالحة مديرة المدارس كفر الجزار بالقليوبية من أنها لم تقف مكتوفة الأيدي أمام مشكلات مدرستها.

بل طرقت أبواب المسؤولين طلباً للإصلاح، وحين لم تجد الاستجابة الكافية، اضطرت هى ووكيلة المدرسة إلى الإنفاق من مالهما الخاص لإصلاح مشكلات تتعلق بالكهرباء والمياه والصرف والغاز.

محمد جرامون يكتب: على فين وخدانا يا مصر؟

وهنا يجب أن نتوقف.

إذا كان مديرة المدرسة قد طلب الإصلاح ولم تجد التمويل، ثم اضطرت إلى الإنفاق من جيبها حتى تستمر المدرسة في أداء وظيفتها، فبأي منطق تتم محاسبتها على شيء لم توفر لها الحكومة إمكانيات إصلاحه ؟

المحاسبة ليست مجرد استدعاء مدير مدرسة أمام الكاميرات، ولا توجيه عبارات اللوم أمام الرأى العام، لكن المحاسبة الحقيقية تبدأ من عندكم يا سيادة المحافظ.

فقبل أن تسأل مدير المدرسة الأخرى، (والذى وجدت مديرها يرتدى الجلباب وهو يعمل مع زملائة لإصلاح ما يمكن إصلاحة قبل بدء العام الدراسي، وبدلا من ان تشكرة تركت كل شىء وتحدثت عما يرتدية)

“لماذا المدرسة بهذا الشكل؟” يجب أن تسأل نفسك اولاً : ماذا وفرت لهذه المدرسة؟

وقبل أن تسأل عن مستوى النظافة والانضباط، عليك أن تسأل: كم عامل نظافة وفرت لهذه المدرسة؟ وكم ميزانية صيانة خصصت لها؟ وكم مدرساً وفرت لسد العجز؟

وقبل أن تطالب مدير المدرسة بفصول نموذجية، عليك أن توفر له الأموال اللازمة لإصلاح الفصول.

وقبل أن تطالبه بديسكات جيدة (توخت) ، عليك أن توفر له ميزانية إصلاحها ودهانها واستبدال التالف منها.

وقبل أن تطالبه بدراسة منتظمة، عليك أن توفر له العدد الكافي من المدرسين.

وقبل أن تطالب المُدرس بأن يقدم أفضل ما لديه، عليك أن نسأل نفسك: هل يحصل هذا المدرس على أجر يوفر له الحد الأدنى من الحياة الكريمة التى تليق برسالته؟

الأمر ببساطة يشبه شخصا يعطيك صنارة بلا طُعم أو شبكة متهاكة بها مئات الثقوب ثم يقف على الشاطئ غاضباً لأنك لم تصطد له السمك !

فكيف لا تعطيهم الإمكانيات وتريد منهم النتائج ؟

وعلى نفس المنوال نجد الجناح الآخر من الخدمة العامة مكسور الجناح، وهو قطاع الصحة والذي يشهد أيضاً جولات المحافظين والمسؤولين وهم يعلمون تدني الإمكانيات المتوافرة به، ويطلبون توفير خدمة صحية جيدة للمواطنين

فكيف تطلب من مستشفى أن تقدم خدمة طبية عالية الجودة، بينما لا توفر لها موازنات الصيانة والتجهيز اللازمة؟

وكيف تطلب من الطبيب علاج المريض بأفضل صورة، بينما بعض الأجهزة الطبية غير متوافرة أو تحتاج إلى صيانة، وقد لا يتوافر العلاج المطلوب بالصورة الكافية؟

وكيف تريد من الطبيب أن يكون حاضر الذهن ومتفرغاً لمريضه، بينما هو منشغل بتدبير احتياجات أسرته الأساسية نتيجة التدني الشديد في مرتبه، فيضطر إلى العمل في أكثر من مكان حتى يستطيع أن يعيش حياة تليق به و بمهنته؟

المشكلة ياسادة ليست دائما فى الموظف الموجود في آخر السلسلة، وإنما فى بداية السلسلة نفسها.

ونحن هنا لا نقول إن كل مدير مدرسة أو طبيب أو موظف بريء من الخطأ والإهمال والتقصير .

بالعكس، كل من يُقصر رغم توافر الإمكانيات يجب أن يُحاسب بلا تردد، مهما كان منصبه.

لكن العدالة تقتضي أن نعرف أولًا : هل كانت الإمكانيات موجودة؟

هل كانت الموازنة متاحة؟ هل تم توفير العمالة؟

هل تم توفير الأدوات؟ هل طلب المسؤول الإصلاح ولم تتم الاستجابة له؟

إذا كانت الإجابة نعم، فهنا تبدأ المحاسبة الحقيقية.

أما أن نترك مؤسسة تعاني من نقص الإمكانيات، ثم نذهب إليها في جولة مفاجئة، ونضع من يدير المدرسة أو المستشفى أو المصلحة في قفص الاتهام أمام الكاميرات، فهذا لا يصلح خللًا، ولا يبني مدرسة، ولا يعالج مريضاً، بل يصبح مجرد شو إعلامي لا يخدم الدولة ولا المواطن.

وفى النهاية أقول لكل محافظ ووزير ووكيل وزارة وكل مسؤول عن مؤسسة خدمية قبل أن ينزل من مكتبة المكيف وسيارته الفارهه التى يتحملهما المواطن من ضرائبه، واجهوا أنفسكم أولاً بالحقيقة، وأسألوها :

ماذا قدمنا ؟، ماذا وفرنا ؟، وأين ذهبت الموازنات ؟

وهل أعطينا العاملين أدوات النجاح قبل أن نطالبهم بالنجاح ؟

يا أولى الأمر : أمامكم خياران لا ثالث لهما:

الأول: أن توفروا الإمكانيات والموارد والعمالة والأدوات اللازمة، وبعدها يصبح من حقكم أن تحاسبوا وتحققوا وتقيلوا كل من يثبت تقصيره.

والثاني: أن تعترفوا بأن الإمكانيات غير كافية والموازنات لا تسمح، وعندها لا تجعلوا الموظف البسيط كبش فداء .فلا تتركوا المؤسسات بلا إمكانيات، ثم تطلبوا من مديريها أن يصنعوا المعجزات.

شارك المقال:

شاركنا برأيك