محمود الشيوي يكتب: الحياة، والقدر بين الشابي و الشعراوي!
هل القصيدة منتهية الصلاحية اليوم ونحن نعيش"هوس" وهلاوس ظنا منا انه القدر، وماهو مفهوم القدر عند الشعوب عندما تريد الحياة

صورة مجمعة للشاعر أبو القاسم الشابي مع الشعرواي وحسني مبارك
كثيرة تلك المأثورات التي نشأنا عليها وكنا نرددها ونتغني بها ومع مرور الأيام والزمان وتقلب الأحداث وتنوع القصص والروايات المفبركة والحقيقية، اكتشفنا اننا كنا مجرد أدوات تستجيب للوهم في ظل شعارات باطلة!
ومن بين تلك المأثورات التي كانت تشعل لهيبنا القومي والوطني والتحررى قصيدة شاعر”الخضراء” الشيخ القاضي ابو القاسم الشابي الذي تخرج في الازهر الشريف ولقي ربه وهو في الخامس والعشرين من عمره.
تلك القصيدة التي درسناها في مناهجنا وتحولت الي قصيدة غنائية ويقول مطلعها : إذا الشعب يوما أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر.
وبعد مرور عشرات السنين علي انطلاق قصيدة الشابي من تونس، تغيرت رؤيتي لها ، مجرد رؤية وليس عدم اقتناع، واتسأل ماذا كان يقصد الرجل بالقدر؟!
محمود الشيوي يكتب: ألم ينتهي الدرس ياغبي؟!
محمود الشيوي يكتب: الهلاسون! ما رواء الهلس؟
وكيف تحولت القصيدة للشهرة والغناء لترددها الشعوب رغم ان الرجل أبدعها في عصور الأحتلال والإستعمار ، فهل كنا نحتفل بالاستقلال مطالبين القدر ان يتدخل من أجل إنقاذ إرادة الشعوب ؟!
وهل القصيدة منتهية الصلاحية اليوم ونحن نعيش”هوس” وهلاوس ظنا منا انه القدر، وماهو مفهوم القدر عند الشعوب عندما تريد الحياة؟!
لا أعتقد مطلقا ان تاريخ تلك الأمة “سابقا” ومنذ مانطلق عليه الاستقلال هو إرادة شعوب ولا هو القدر.
وإذا كان مفهوم القدر قد تحول إلي “دبابة” أو “وراثة” فهل هذا هو القدر الذي كان يقصده الشابي؟!
والغريب أن إعجابنا بالقصيدة جعلنا لانفكر في ماهية القدر المقصود ولكن تراضينا علي قبول القدر بعلته لأن الإستعمار لايزيحه القدر ، و ان حياة الشعوب يصنعها القدر.
فماذا قدم القدر للشعوب، هل تعيش تونس واليمن وليبيا وسوريا والسودان وغيرها من البلدان بالقدر؟
وهل كما اشاعوا أنه “الربيع” العربي كان القدر، اى ربيع هذا، لقد كانت أيام النكسة بالنسبة لأيامنا هذة “ربيعا” مهما كان الحزن يغزو النفوس حينها
بل إن أيام كامب ديفيد كانت ربيعا ، حتي أيام مبارك والذي بدأت في عصره التنازلات والتطور الطبيعي للفساد”ربيعا”
بل إنهم هناك يقولون ان أيام القذافي كانت ربيعا.
تخيل، وعلي صالح ونميرى بالنسبة لهذا الخريف القاحل ، هل عندما اطاح “البوعزيزي” بالرئيس زين العابدين جاء الربيع ؟!
مؤكد هناك خلل في معادلة الشابي، فلا الشعب أراد الحياة، ولا استجاب القدر.
هل هذا هو القدر في غزة وفلسطين وتل أبيب ولبنان.
انا لا أعتقد مطلقا ان “جمال خاشقجي” رحمه الله كان نموذجا للقدر الذي يقصده الشابي؟
وهل القدر هو الذى أنقذ مبارك في أديس بابا لينعم الشعب بالحياة ؟!
لقد كان الشيخ متولي الشعراوى – رحمه الله – أكثر دقة و معاصرة من الشابي حينما قال كلمته في تلك المناسبة :
إني ياسيادة الرئيس أقف علي عتبة دنياى لأستقبل أجل الله، فلا أريد إن أختم حياتي بنفاق وسأقول كلمة موجزة للأمة كلها حكومة وحزبا ومعارضة ورجالا وشعبا، أريد منهم ان يعلموا ان الملك كله بيد الله يؤتيه من يشاء فلا تآمر لأخذه وكيد للوصول إليه، فلن يحكم أحد في ملك الله إلا بمراد الله، فإن كان عادلا فقد نفع بعدله، ومن كان حائرا ظالما قبحه الله في نفوس كل الناس فيكرهون كل ظالم، وانصح كل من يجول في ذهنه ان يكون حاكما بأن لايطلب الحكم ولكن يجب أن يطلب له حيث أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال “من طلب إلي شئ أعين عليه ومن طلب شيئا وكل إليه”
“ياسيادة الرئيس، لعل هذا يكون آخر لقاء لي بك ، فإذا كنت قدرنا فليوفقك الله ، وإذا كنا قدرك فليعنك الله علي ان تتحمل”
لقد أوجز – رحمه الله – ولا أظن إن الأمة العربية بأكملها لديها”شعراوى” اخر أو جديد يتحدث.
أو يمتلك القدرة علي مواجهة حاكم بحجم مبارك الذي كان رجل دولة مهما اختلفنا أو اتفقنا عليه، هل هناك في عصر ذلك الربيع من هو “شعراوى” ومن هو مبارك.
بالطبع نفيا، لقد غابت البلاغة والفصاحة والعمق والفهم والصراحة والوعي والشجاعة حتي يقول بثبات جملة “كيد للوصول إليه”
ومؤكد ان عباراته هي التي أزعجت الهلاسين والمنافقين والذين لا ييأسون من تكرار الحملات عليه.
هل يدرك أحد معني ماقاله أم ان النفاق والهلس جعل من الخريف ربيعا ومن الربيع خريفا.. ؟!
لقد قدم فضيلة الإمام وثيقة تاريخية للجميع لخص خلالها عصر عاهده، وتشخيصا تفصيليا للمرض منذ عصر الشابي وحتي أجل غير معلوم.
لقد أعلن صراحة عن تفسير القدر وجعله علاقه وفعل وليس استجابة لحلم الشعوب، فإما ان يكون الحاكم قدرا، وإما ان يكون الشعب قدر الحاكم.
وتبقي لنا سؤالا هنا : هل هناك من الحكام من يحترم “الشعراوى” إذا تحدث ؟!
لم يكن يدرك الشابي إن ذلك القدر هو ذاته الذي سيحرم الشعوب من الحياة بمفهومها الشامل.
فالحياة ليست كما هو سائد زجاجة زيت أو كارتونة بركة أو حتي سيارة وفيلا وخلافه، لكنها ذات جذور معنوية نابعة من وجود الشعب ذاته بشكل معنوي وليس مادى.
ولأن حياة الشعوب لايجب ان ترتبط بالقدر، فقد عز علي “الأقوياء” ان يهل الربيع علي الشعوب وبدلوا ربيعهم خريفا اشد قسوة من خريف سابق مسخرين شعارات الهلس من أجل تطويع القدر لوئد أحلامهم.
و لأن الشعوب التي تخشي الثقافة وتعتبر الحرية جريمة يجب تجنبها ، عاشت قدر “الشابي” علي طريقتها.
أذكر إنه ذات يوم عام 2013 علي ما أذكر استقليت سيارة أجرة بديلا لسيارتي تجنبا لحالة عنف مقصوده في شوارع المحروسة، وفوجئت بالسائق يلعن 25 يناير وكان علي مشارف الأربعين عاما.
وظل يردد مايستمع إليه ويتلي عليه وعلي الجالسين علي المقاهي سواء من خلال الشاشات أو “الهلاسون”
وتنهد مترحما علي أيام مبارك معلنا انه ليس من حق أحد أن يزيحه من الحكم لانه رئيسا اختاره الشعب.
هنا لم استطع الاستمرار في الاستماع فقط ونظرت إليه وسالته : هل انتخبت مبارك أو السادات؟!
فقال : أنا لا أذهب للإنتخابات ولكن الناس انتخبوه.
سألته : ومتي كانت الانتخابات؟
قال : مش فاكر.
قلت له عارف ليه مش فاكر.
لأن ماكنش فيه انتخابات أساسا.
ومن الذى كان امام مبارك في الانتخابات ؟
قال : مافيش حد.. قلت له : يا راجل ياطيب هو فيه انتخابات بفرد واحد.
عارف يعني إيه انتخابات، يعني تختار بين أكثر من مرشح وتختار الافضل منهم.
لكنك تتحدث عن استفتاء ، وكل مرة نقول “نعم” وجدته يضرب بكفه علي جبهته قائلا : يانهار ، إنت لفيت دماغي ، إحنا فعلا عمرنا ما انتخبنا حد!
هل هذا هو القدر”الشابي” الذي نشأنا عليه، ام انه قدر فضيلة الإمام ؟!
حدثني ياعم “الشابي” ماذا يفعل الشعب إذا أراد الحياة، هل ينتظر القدر.
وماذا لو علمت ان القدر يفرض نفسه وانه مرتبط ارتباطا وثيقا بالجهل والخوف والقهر.
ياعم الشابي لقد أطلقوا علي القدر الذي تتحدث عنه “الفوضي الخلاقه” عارف ليه؟
لأن القدر ارتبط في حياة الشعوب التي ورثت المفردات الاستعمارية بالفشل والكوارث والمصائب.
فعندما يرسب أحدهم في الامتحان فأنه القدر، أما لو نجح فلن يحدثك أحد عن القدر.
لقد صاغوا عقول الشعوب علي ان النجاح والصحة والعدل ليسوا قدرا ، لكن القدر هو ان تكون فقيرا.
بل أعلنوا ان الشعوب التي تتحدث عنها ياعم الشابي لو أرادت الحياة عليها ان تتنازل عن الديمقراطية لأنها خطر عليهم.
وان القدر من الطبيعي أن يخلق اسياد وعبيد وعلي الطرفين احترام تلك العلاقة حتي تستمر الحياة!
أقولك إيه ولا ايه ياعم الشابي، تحب ابسطهالك، عارف لما العارضة أنقذت المنتخب من هدفين وفشلت ضربة جزاء وتم إلغاء هدف، كان فوزنا ليس قدرا!!






