أخر الكلام ينشر رواية (قهوة الكدابين) للروائي إبراهيم القاضي
لم يدرس السياسة في الجامعات، لكنه مارسها وأتقنها وأمسى بارعًا فيها بفضل الزمن، والزمن وحده خير معلم، صار يعرف متى ينحني للموجة حين تعلو، ومتى يكون أول مُمتطيها

الكاتب والروائي إبراهيم القاضي في مشروعه السردي يضع الريف المصري في قلب المشهد الأدبي، بوصفه مكانًا حيًّا للصراع والتحول، لا مجرد خلفية جغرافية.
ففي روايته قهوة الكدابين، يستدعي القاضي اسمًا ظل يطارده لسنوات، مستلهمًا إياه من مقهى حقيقي، ليصنع منه رمزًا إنسانيًا كثيف الدلالة. هؤلاء «الكذابون» – المعروفون بخصوبة الخيال والمبالغة – لا يُقدمون بوصفهم مزيفي حقائق، بل كأكثر الشخوص صدقًا في التعبير عن واقع بلدة تخلت عن جذورها الريفية، واقتربت قسرًا من ملامح المدينة.
ويؤكد القاضي أن الكتابة عن الريف، قديمه وحديثه، ليست انحيازًا رومانسيًا للماضي، بل مشروعًا لرصد التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عصفت بالإنسان الريفي. فهؤلاء البشر، الذين يطاردون لقمة العيش مطاردة يائسة، يستحقون من يمنحهم صوتًا صادقًا، ويحول معاناتهم اليومية إلى شهادة أدبية تعبر عنهم بصدق.
وقد صدر للكاتب عدد من الأعمال السردية التي تشكل معًا خريطة إنسانية للريف المهمش، من بينها:
القرية، عزبة الباشا، كفر الدراويش، أم الغلابة، قهوة الكدابين، إلى جانب المجموعة القصصية معركة العراة.
وُلد إبراهيم القاضي عام 1980، ويعمل مدرسًا للغة الفرنسية، وهو متزوج ولديه ثلاثة أبناء. تجمع تجربته بين المعايشة اليومية للريف والاشتغال الجاد على الكتابة، ليقدم أدبًا منحازًا للإنسان، كاشفًا لما جرى ويجري خلف واجهة التحول الاجتماعي.
ويقدم آخر الكلام فصولا من رواية إبراهيم القاضي (قهوة الكدابين) التتي صدرت مؤخرا في سلسلة الروائي عن الريف المصري.
قهوة الكدابين
رواية
إبراهيم القاضي
إهداء
إلى أبي:
لم يطلق الحكم صافرته بعد.
إلى:
الشيخ عطية أبو مسلم
الحاج شفيق الغلبان
الأفندي جرجس
إسطفانوس بك والد الأفندي جرجس
الدكتور عاطف ومينا جرجس
سعدية أم كُحلة
محروس شبورة
الدكتورة حنان
نجية الفيمينيست وابنتها
عبد العال الدوغري والد نجية، ومسعود التمبل زوجها
العترة القهوجي
دركسيون الميكانيكي
الباشا الشحات الشاذلي
الحاجة نجوى الغازية
تملية الغلبان
مثقفو القهوة
عشت معكم حكاياتكم ونقلتها هنا بكل ما يمتلكه المرء من ضمير وشرف.

(1)
لو أن أحدًا حلف لي من قبل على الماء يجمد، ما صدقت ما رأيته بعيني هاتين اليوم في القهوة، الباشا الشحات الشاذلي بجلالة قدره يظهر عبر شاشة التلفزيون واقفًا في القفص كالولد عبده السرسجي حين أوقفته الشرطة، نفس القفص..
لم يكن المشهد مسموعًا بقدر ما كان إحساسًا غامرًا بالبرودة، تجمدت في زجاج الأكواب فوق المنضدة الخشبية، ارتجف العترة القهوجي نفسه، وارتجف صوت ارتطام ملعقته النحاس في يده، وهو يصرخ بحدة، وعيناه المنتفختان من أثر السهر والحشيش تتنقلان بين الشاشة ووجوه الزبائن المُتسمرة.
– ولاد الكلب، خربوها وقعدوا على تلّها.
وصمت هُنيهة وأردف:
– ربنا يفك كرب الباشا..
ينظر الخلق إلى القهوجي بعين الشك، لكنهم لا يقوون على الاعتراض على حديثه، فهم لم يصدقوا حتى اللحظة أنفسهم، والأمين الشاذلي كالقطط بسبع أرواح، ومن يدري ربما يرجع ثانية، وينتقم من كل من تفوَّه بلفظة سوء في حقه، وعيونه في كل شبر في البلد تنقل الشاردة والواردة فيها، وحكاية عبده السرسجي لم يبرد دمها بعد.
ذات ليلة، بعد سهرة في القهوة، شرب فيها الحشيش، ولم يعد يعرف لنفسه قدمًا من رأس، رجع إلى شقته في المساكن الجديدة، باسطًا ذراعه على كتف صاحبه، الذي طرق الباب، وفص ملح وذاب من المكان، وفتحت الزوجة، التي كانت قد تزينت، وطلت وجهها بدهان في كوافير البنت سعدية أم كُحلة، فرقعت بالصوت حين رأت بعلها، لا يقوى على الوقوف، وأخذت تُولول وتشير بسبابتيها وهي تحرك فيها يمنة ويسرة، وتضع كتفها تحت إبطه لتسنده، وألقت به على السرير، وندبت حظها، بينما هو يهذي كالمحموم، ويردد:
– وقفت قدام الشحات، وقلتله، اسمع يله، أني ما بخافشي منك، ورقعته جوز أقلام. وسألته: مين كبير البلد دي؟ رد علّيَّ زي الخدامين: إنت يا عبده بيه.
تذهب امرأة السرسجي من فجر ربنا إلى مصنع الصابون للعمل بالمياومة، وترجع بعد غياب الشمس، بينما هو مستلقٍ على جانبه فوق أريكة مُتهالكة، ينتظرها كمن في مؤخرته بيضة، وبعد أن تنال هي وأبوها وأمها والبلد الذي أتت منه ما فيه النصيب من السب والتهزيق، تُفرغ ما في جيبها وترميه في حجره، فينهض وقد تبدلت هيئته، ويخرج صافقًا الباب في وجهها، فتضرب الوجه وتندب الحظ.
وفي تلك الليلة، أنفقت القرشين اللذين كانت تدخرهما للزمن، كما أوصتها أمها، فالقرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود، وكانت أم كُحلة قد نصحتها أن تأخذ بالها من نفسها، حتى لا يهرب عصفورها إلى عش آخر والدنيا لم يعد لها أمان، فطار برج العقل منها، وأنصتت لكلام سعدية ونفذت بالحرف.
ولوجه الصدق، لم أقبض على الحقيقة كاملة، في حكاية عبده السرسجي، يردد الخلق أن الرجل دخل السجن، بعد أن نقلت امرأته هذيانه إلى الشحات الشاذلي، وألقت المباحث القبض عليه، بتهمة تعاطي المخدرات والإتجار بها، وحُكم عليه بعشر سنوات مع الشغل والنفاذ.
حظ الولد عبده من السماء، لم يقعد يومين في سجنه الجديد بوادي النطرون، وانقلب حال البلد، وسُمع إطلاق نيران كثيف داخل السجن وخارجه، كأنه يوم الحشر، السجناء يركضون في كل مكان، ويتخبطون في بعضهم كالعميان من السعادة، وما فاق إلا حين وجد نفسه خارج أسوار السجن في الصحراء، وهو يسأل نفسه كالمجذوب، حلم هذا ولا علم!
ولولا الجيران لكان السر الإلهي خرج من جسد امرأته، فقد اندفع نحوها غاضبًا كالثور الهائج، حين فتحت باب الشقة ورأته أمامها، بينما حلفت بالنعمة الشريفة وبسيدنا الحسين، الذي زارته أول أمس وتوسلت إليه، ليفك كرب زوجها. لكن لا حياة لمن تنادي، السرسجي كان رأسه وألف سيف، ليقطع خبرها من الدنيا، وهو ينعتها بالقحبة الخائنة، وساقت عليه طوب الأرض لتسترضيه، ولم يقدر على ترويض غضبه غير سيدنا، الذي أتي به أولاد الحلال بعد أن فرغ من صلاة العصر، وربت على ظهر السرسجي، وقال بصوت أقرب إلى الهمس:
– اخزي الشيطان يا عبده.
وتراخت عضلات وجه السرسجي الغاضبة، وانفطر في البكاء، وألقى برأسه فوق كتف مولانا، الذي قرأ على مسامعه آية الكرسي. وأمر الشيخ المرأة بأن تجمع ملابسها وتذهب إلى دار أهلها يومين، ثلاثة، إلى أن تخمد نيران الغضب المُشتعلة في صدر زوجها وتظهر براءتها، والليل مهما طال، سيطلع له نهار.
وحلفت المرأة برحمة الغاليين للشيخ أبو مسلم، أن ليس لها يد فيما حصل لزوجها، وكل ما هنالك، أنها فضفضت بكلمتين من خنقتها، كما تفعل النسوان للبنت سعدية أم كُحله، التي كانت تظن من خيبتها الثقيلة أنها مثل شقيقتها من أمها وأبيها، وسوف تنام على سرها، حتى تذهب به إلى القبر، بيد أنها خانت العيش والملح وعشرة السنين، وما صدقت وسمعت الكلمتين منها، وأخذت بعضها، وجرت على القهوة، وأفرغت ما في جعبتها في أذن العِترة، الذي لا تبتل في فيه فولة، ولما جَنَّ الليل، وجاء الشحات، روى له الحكاية من بدايتها لنهايتها.
واضطربت ملامح وجه الباشا واحمرت أذناه غضبًا، وجحظت عيناه، وبدا فيهما الشر، وضرب بقبضته طاولة القهوة، وأشار إلى شاربه الكث بيده، وصاح:
– يبقى على حُرمه، لو الواد ده ماباتش في الحبس الليلة.
يعرف الخلق أن الباشا يده طائلة، وله كلمته عند الحكومة، ويردد لزبائن القهوة، أن البيه مأمور المركز والبيه رئيس المباحث لا يستطيعان البتَّ في أمر بخصوص بلدنا إلا بعد أخذ رأيه، وإن كان مثقفو القهوة يسخرون سرًّا من كلامه، ويهمسون لبعضهم في ركنهم في القهوة أن الشحات ذو صدر واسع.
ويحكي العِترة، يوم جاء ضابط صغير، فرحان بالدبابير فوق كتفيه، وأُبّهة بدلته الميري، ودخل القهوة، وراحت يداه تعبثان بالمكان، ويلطش هذا بالقلم، ويصفع ذاك على قفاه، وهو يزعق بصوت مسرسع لم يَخْشَوْشِن بعد:
– فين ابن الوسخة صاحب القهوة؟
أجابه مُتهتهًا، ومستغربًا:
– أني يا باشا.
وأشار إليه بركوب البوكس، الذي كان يقف أمام الباب، وهو يذكر عورة أمه أمام خلق ربنا، الذين كانوا يراقبون من بعيد. ودقائق وطار الخبر للباشا ابن بلدنا عبر التليفون، فنزل العترة من البوكس، الذي لم يكن قد تحرك. ومن بعد هذه الحادثة، لم يرَ الناس وجه هذا الضابط، الذي يتردد أنه انتقل إلى الصعيد.
(2)
عاش حياته باحثًا عن ظل يحتمي به، ولا يشغل باله كُنه هذا الظل، كل ما يعنيه أن يكون قويًّا، يقول له يا عمي وقت الحاجة، ولا يهم القهوجي معرفة من المومس ولا من الفاضلة في البلد، ولا يتتبع أخبار الساقطات لمتعة في نفسه، ولا يفرق معه الشريف من اللص، كان يتقصى الحكايات وينشر أخبارًا زائفة من صنع خياله، ليصير هو المتحكم في أنفاس أهلها، الذين ينشغلون دائمًا بالآخر، فهم في حاجة دائمة لمن يحدثهم عن فلان وعن فلانة، وكلما كان ما يردده يُشين الناس، زادت حظْوته وسلطته، وصار مرغوبًا منهم، يحجّون إلى قهوته ذات الصباح وذات المساء.
لم يدرس السياسة في الجامعات، لكنه مارسها وأتقنها وأمسى بارعًا فيها بفضل الزمن، والزمن وحده خير معلم، صار يعرف متى ينحني للموجة حين تعلو، ومتى يكون أول مُمتطيها حين تحين الفرصة، وأصبح سباحًا يسير مع التيار ولا يعانده، ويسبق الجميع دون أن يعلن انتصاره وزهوه أمامهم، فهو ممثل ماهر يعرف أن دوره في المسرحية أن يلعب دور المهزوم، أمام من يشعرون دائمًا بزهوة الانتصار، والكل عنده زبائن سيدسّون أيديهم آخر اليوم في جيوبهم، ويدفعون ثمن ما شربوا وما شعروا به من نشوة المنتصر.
وكما يقول المثل “على قد لحافك مد رجليك”، يعرف القهوجي حدود لحافه ولا يتجاوزه، وصدره يضيق من العيال المثقفين، يراهم “منفوخين على الفاضي”، حفظوا كلمتين من الكتب، ويرمون إلى تطبيقها في الواقع، أي واقع يا أبناء المجانين؟ الواقع له لغته وقانونه، الذي لم ولن يُدرس في المعاهد والجامعات، واقع يُفرض فيه قانون الغاب، والبقاء للأقوى، فالأسد يفترس الغزال، بينما تهتف بقية الحيوانات بحياته فهو القوي الأمين والموت والهلاك لخصمه الضعيف ويترقب الثعلب من بعيد عله ينال حصة ولو قليلة من جثة تلك الضحية، وإن لم تُتح لك الظروف أن تكون أسدًا مثل الغلبان وبرهومة وعائلة الدرملي ونجية وأم كُحلة، فكن ذئبًا، أو على أقل تقدير لا تكن غزالًا ساذجًا يسهل اصطيادك.
وهل جاء في الكتب أن من حق أمريكا أن تقتل وتدمر بلدًا مثل العراق وآخر كأفغانستان، ما ذنب أولاد شبورة وامرأته؟
ولن تسطيع تجاوز الوحل دون أن تتسخ قدماك، هذا هو القانون، وهؤلاء العيال الأفندية يتحدثون بقمصان أنيقة مكوية وياقات بيضاء وبدل مرسومة على أبدانهم، ولا يعرفون عن الحياة غير وجهها الذي يبادلهم الابتسامة الآن، ولكن يا ويلهم إن ظنوا أنها سوف تدوم لهم.
رابط المقال المختصر:





