سوق المتعة..متلازمة السجن والسجين والسجان!
الفلوس لا تعوض الزمن، والكرامة لا تُشترى، والتجارب القاسية تترك في الروح ندوباً لا يداويها الخروج ولا التعويض، الرجل الذي صار غنياً لم يعرف كيف يكون حراً

فيلم “سوق المتعة”، من تأليف السيناريست الكبير الراحل وحيد حامد ، وإخراج المثقف سمير سيف، وبطولة الساحر محمود عبدالعزيز، واحد من الأفلام المهمة التي لم تأخذ حقها من التأمل والتحليل، ومن أكثر الأفلام المصرية عمقاً في تناول فكرة الحرية والخذلان النفسي.
الحكاية تبدأ ببطلها “أحمد حبيب”، الذي يخرج من السجن بعد عشرين عاماً قضاها ظلماً، محملاً بتعويض مالي ضخم لا يعرف كيف يتعامل معه. الرجل الذي خرج إلى الحياة حراً يكتشف أن الحرية ليست مجرد باب يُفتح أو زنزانة تُغلق، بل حالة داخلية لم يتعلمها قط، فيبدأ في إعادة بناء سجنه القديم بماله هذه المرة، ليعيش داخله بإرادته.
وحيد حامد يكتب هنا عن الإنسان الذي يفقد معنى الحرية حين يعتاد القهر، وعن الضحية التي تتعلق بجلادها إلى درجة أنها لا تعرف نفسها من دونه. إنها نسخة مصرية من متلازمة استكهولم، حيث يتحول المقهور إلى تابع مسلوب الإرادة، يحب قاهره ويستمد من وجوده معنى البقاء.
و”متلازمة ستوكهولم”، في علم النفس هي آلية دفاعية غير واعية، يُطور فيها الرهائن أو ضحايا الإساءة مشاعر تعاطف، تجاه خاطفيهم، تنشأ نتيجة لتعرض الضحية لتهديد مباشر بالقتل أو الأذى، ثم النجاة، مما يخلق رابطًا عاطفيا بين الضحايا والجناة، لدرجة أنهم قد يحاولون تبرئتهم ويرفضون التعاون مع السلطات ضدهم.
وفي “سوق المتعة”، لا يتحمل البطل “أحمد حبيب” فكرة الخروج إلى المجتمع الذي نسيه، ولا يقدر على ممارسة حياة طبيعية بعد أن صار السجن جزءاً من تكوينه النفسي. لذلك يعيد بناء أسواره المادية والنفسية، ويستدعي من كانوا يراقبونه ليعيشوا معه، وكأنه لا يستطيع التنفس إلا في حضور القيد.
هذا الفيلم لا يتحدث عن السجن بوصفه مكاناً بل عن السجن الذي يسكن الإنسان. إنه رحلة في داخل النفس البشرية التي تتهشم تحت وطأة الظلم فلا تعرف كيف تستعيد توازنها حين تُمنح الحرية.
الفلوس لا تعوض الزمن، والكرامة لا تُشترى، والتجارب القاسية تترك في الروح ندوباً لا يداويها الخروج ولا التعويض، الرجل الذي صار غنياً لم يعرف كيف يكون حراً، لأن الحرية ليست أن تملك، بل أن تفهم ذاتك وتتحرر من خوفك.
في «سوق المتعة» يواجه وحيد حامد أكثر الأسئلة قسوة: ماذا يفعل الإنسان حين يكتشف أنه تماهى مع سجانه؟ كيف يستعيد نفسه بعد أن عاش نصف عمره أسيراً؟ ولماذا يختار أن يعيش في الأسر مرة أخرى وهو قادر على الفرار؟ تلك الأسئلة تجعل الفيلم أقرب إلى تأمل فلسفي في معنى الإنسان بعد التجربة، حيث لا توجد إجابات جاهزة بل مرايا تكشف هشاشتنا.
لغة الفيلم واقعية صادقة لكنها مشبعة برمزيات قوية. البناء الدرامي يشبه دائرة مغلقة، تبدأ بالسجن وتنتهي به، وإن اختلفت الأبواب والجدران. في النهاية نجد البطل محاطاً بكل ما يتمناه الناس من مال ومظاهر، لكنه أكثر وحدة من أي وقت مضى. إنه حر جسداً، لكنه أسير فكرة القهر التي لم تغادره.
رابط المقال المختصر:





