الدعم السريع تعيد صياغة إقليم دارفور؟
وثّق المحققون شهادات حية لجنود من الدعم السريع وهم يفرزون الهويات على أساس عرقي، ويطلقون تهديدات علنية بتصفية أبناء المجموعات الإفريقية، والسعي نحو تغيير الهوية البصرية والعرقية للإقليم

صورة تعبيرية للمقال
الفاشر/ نيرتتي – تقرير خاص
آخر الكلام
يمر إقليم دارفور، غربي السودان، بواحدة من أخطر مراحل التحول الديموغرافي والاجتماعي في تاريخه الحديث، حيث تتصاعد الاتهامات الموجهة لميليشيا الدعم السريع بتنفيذ استراتيجية ممنهجة تقوم على ثلاثية “التطهير العرقي، التهجير القسري، وإحلال مجموعات سكانية جديدة”.
هذه السياسة لا تقتصر على طرد السكان الأصليين من ديارهم فحسب، بل تمتد لتدمير الهيكل العشائري والتاريخي للإقليم عبر تصفية الزعامات الأهلية وتعيين قادة موالين للميليشيا بقوة السلاح.
الغارديان: ترامب يعود إلى نقطة البداية في إيران
تجميد المفاوضات الإيرانية الأمريكية يهدد ببركان إقليمي
سياسة “تطهير الأرض”: مأساة السيدة بخيتة نموذجاً
في رحلة تلخص مأساة الآلاف، قطعت الخمسينية “بخيتة محمدين” نحو 60 كيلومتراً سيراً على الأقدام من مخيم النازحين في منطقة “طويلة” وصولاً إلى منزلها في الحي الشرقي بمدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، لتتفاجأ بتحويل بيتها إلى ثكنة عسكرية لعناصر الدعم السريع.
لم يتوقف الأمر عند مصادرة العقار بذريعة واهية تتهم أصحابه بموالاة الجيش، بل تعدى ذلك إلى إبراز البعد العرقي للصراع، حيث واجهها الجنود بعبارات عنصرية حادة تؤكد استهداف “قبيلة الزغاوة” بشكل مباشر
وهي واحدة من أبرز المجموعات الأفريقية في الإقليم والتي هُجّر من أبنائها ما يربو على 100 ألف نسمة عقب اقتحام الميليشيا للمدينة، وفقاً لإحصاءات منظمة الهجرة الدولية.
هذه الشهادة الفردية تتطابق تماماً مع ما رصدته لجان التقصي الدولية.
ففي تقرير حديث صادر عن البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان تحت عنوان “السودان: مؤشرات الإبادة الجماعية في الفاشر”
وثّق المحققون شهادات حية لجنود من الدعم السريع وهم يفرزون الهويات على أساس عرقي، ويطلقون تهديدات علنية بتصفية أبناء المجموعات الإفريقية، والسعي نحو تغيير الهوية البصرية والعرقية للإقليم.
اختراق عسكري وسياسي: سلاح “الطابور الخامس”
بالتوازي مع العمليات العسكرية الميدانية، تبرز تقارير وتحقيقات متعددة الوسائط الدور التخريبي الذي يلعبه ما يُعرف بـ”الطابور الخامس”
وتعتمد ميليشيا الدعم السريع على شبكات من العملاء والمخترقين داخل وبين صفوف القوات النظامية والمجتمعات المحلية، مما تسبب في إحداث ثغرات أمنية أدت إلى خسائر ميدانية للجيش السوداني، وسهّلت للميليشيا التغلغل السريع واجتياح المدن والبلدات.
الانقلاب على الإدارة الأهلية: تنصيب الموالين وتصفية الشرعيين
لإحكام السيطرة القانونية والاجتماعية على الأرض بعد تفريغها من سكانها، عمدت قيادة الدعم السريع إلى تدمير منظومة “الإدارة الأهلية” التاريخية
وهي الهيكل التقليدي الذي كان يحافظ على السلم المجتمعي وتوازن القبائل في دارفور لعقود طويلة.
وتمثلت هذه السياسة في محورين:
• التعيين القسري وتجاوز الأعراف:
قامت الميليشيا بكسر قواعد التوريث العشائري، حيث نصبت قيادات بديلة موالية لها في مناطق لا تنتمي لعشائرهم تاريخياً، كما حدث في مدينة “مليط” (المعقل التاريخي لقسم كبير من قبيلة البرتي الأفريقية)
حيث تم تعيين أمير جديد من جذور أخرى بدلاً من القيادة التاريخية المتمثلة في “الملك أحمد ياي”
وفي وسط دارفور، عُزل زعيم قبيلة الفور التاريخي في زالنجي “التجاني السيسي”، لتُترك القبيلة بلا غطاء عشائري، مقابل تعيين قيادات عربية موالية للميليشيا في المنطقة.
• التصفية الجسدية:
واجهت القيادات القبلية الشرعية التي رفضت الانصياع أسلوب الاغتيال المباشر. ومن أبرز الضحايا الذين تمت تصفيتهم:
عمدة منطقة خزان جديد “محمد جعفر كرم الدين” (من قبيلة الزغاوة)، وعمدة قبيلة البرقد “عبد القاسم دولي”.
الموقف الميداني العام:
استراتيجية الاستنزاف وحرب المسيرات
يتزامن المخطط الديموغرافي في إقليم دارفور مع تحولات وتطورات عسكرية متسارعة في الموقف الميداني العام بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع
حيث تُشير القراءات المستندة إلى وكالات الأنباء العالمية والصحف الإقليمية إلى دخول الحرب مرحلة “الاستنزاف المعقد” والاعتماد المكثّف على سلاح الطيران والمسيرات.
يمكن تلخيص المشهد العسكري والميداني الحالي في النقاط التالية:
1. جبهة دارفور: ضربات استباقية وتجفيف الإمداد
رغم إحكام قوات الدعم السريع قبضتها على أجزاء واسعة من الإقليم، كثّف الجيش السوداني مؤخراً من هجماته الجوية الاستباقية مستخدماً الطائرات المسيرة الثقيلة.
وتركزت هذه الضربات على تدمير الأرتال العسكرية ومخازن العتاد التابعة للميليشيا، وتجفيف سلاسل الإمداد اللوجستي والوقود القادمة عبر الحدود الغربية.
من أبرز هذه العمليات، الغارة الجوية التي استهدفت رتلاً متحركاً في مدينة “فوربرنقا” بغرب دارفور، والتي أسفرت عن مقتل القائد الميداني البارز في الدعم السريع، اللواء عبد الرحيم بحر جالي، المسؤول الأول عن عمليات التجنيد وتأمين الإمداد العابر للحدود.
2. اشتعال جبهة كردفان: حرب مسيرات دامية
تتحول ولايتا شمال وغرب كردفان إلى ساحة مواجهة مباشرة وشرسة؛ حيث تحاول قوات الدعم السريع التمدد انطلاقاً من دارفور، بينما يبدي الجيش والمجموعات المحلية مقاومة عنيفة.
وشهدت المنطقة تصاعداً مخيفاً في هجمات الطائرات المسيرة من الطرفين، مما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا المدنيين، أبرزها القصف الذي استهدف قريتي “أم سعدون” و”المرّة” في شمال كردفان، والهجوم الآخر في منطقة “كدم” بغرب كردفان، وسط تبادل للاتهامات بإصابة تجمعات للنازحين الفارين من الموت.
3. تقدم للجيش في المحاور الشرقية والجنوبية
على جبهات أخرى خارج دارفور، أعلن الجيش السوداني عن تحقيق تقدم ميداني ملموس في إقليم النيل الأزرق (جنوب شرق البلاد) حيث تمكنت الفرقة الرابعة مشاة من السيطرة على مواقع استراتيجية والتقدم نحو مدينة “الكرمك” الحدودية بعد معارك عنيفة مع الدعم السريع وحلفائها، مما يعكس رغبة الجيش في تأمين الحدود الشرقية والجنوبية بالكامل.
4. الخطاب السياسي والمواقف الدولية
تصعيد لهجة الجيش: أكد رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في تصريحاته الأخيرة، أن الجيش يتحرك بخطوات حاسمة لإنهاء ما وصفه بـ”التمرد” بصورة نهائية واستعادة كامل إقليم دارفور، مشدداً على عدم وجود أي مبرر لبقاء مسلحي الدعم السريع داخل المدن والقرى المأهولة بالسكان.
البعد الدولي والإقليمي:
تزداد الضغوط الدولية على قوات الدعم السريع نتيجة توثيق المنظمات الأممية لانتهاكاتها العرقية.
في المقابل، تثير تقارير الخبراء الدوليين مخاوف مستمرة من تدفق السلاح والمقاتلين الأجانب (بما في ذلك تقارير عن مرتزقة كولومبيين وشبكات تهريب عبر جنوب ليبيا)
الأمر الذي يسهم في إطالة أمد الصراع وتعميق الأزمة الإنسانية التي تصنفها الأمم المتحدة حالياً كواحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.





