غزة تحت وطأة الحرب والتعتيم
رغم الهدوء النسبي الذي تفرضه المساعي الدولية والاتفاقيات الهشة، تحولت الأيام الأربعة لعيد الأضحى المبارك في قطاع غزة إلى جولة متجددة من الفجيعة الإنسانية.

صورة تعبيرية للتقرير
القدس المحتلة — آخر الكلام
في الوقت الذي لا تزال فيه أصوات القذائف وأزيز الرصاص تتردد في أرجاء قطاع غزة المنهك، يبرز مسار آخر موازٍ داخل أروقة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
مسارٌ سلاحه فرض العزلة وتقنين دفق المعلومات وحجب الحقائق عن الرأي العام.
هذا التقاطع الاستراتيجي يكشف بوضوح عن معركة مركّبة يواجهها الفلسطينيون:
الأولى ميدانية دموية يدفع ثمنها المدنيون من دمائهم، والثانية إدارية وسياسية يقودها اليمين الإسرائيلي المتطرف لإخفاء التداعيات الإحصائية والقانونية لتلك المواجهات والجرائم المرتبطة بها في القدس والضفة والداخل.
إيران ومحور المقاومة في الطريق لدعم لبنان قبل كأس العالم
تقرير: الإمارات نفذت عشرات الضربات الجوية سراً ضد إيران
غزة: العيد المدمى وأرقام الفجيعة
رغم الهدوء النسبي الذي تفرضه المساعي الدولية والاتفاقيات الهشة، تحولت الأيام الأربعة لعيد الأضحى المبارك في قطاع غزة إلى جولة متجددة من الفجيعة الإنسانية.
فقد أفسدت الآلة العسكرية الإسرائيلية على سكان القطاع فرصة التقاط الأنفاس، محولةً طقوس العيد السنوية إلى مواسم إضافية لتشييع الجثامين واستقبال المصابين.
وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية في غزة
والتي تداولتها كبرى المنصات الإخبارية فقد بلغت الحصيلة الميدانية المسجلة خلال أيام العيد 33 شهيداً.
بالإضافة إلى إصابة أكثر من 130 مواطناً بجروح متفاوتة الخطورة، نتيجة الاستهدافات المتفرقة ونيران الجيش الإسرائيلي التي اخترقت أجواء التهدئة.
هذه الأرقام الجافة لا تعكس سوى جزء ضئيل من الواقع
إذ تشير المصادر الطبية إلى أن طواقم الدفاع المدني والإسعاف لا تزال تواجه تحديات هائلة في انتشال ضحايا آخرين ما زالوا عالقين تحت الركام وفي الطرقات الوعرة، بفعل الدمار الشامل الذي طال البنى التحتية للمدن والبلدات.
وتأتي هذه التطورات الميدانية لترفع الحصيلة التراكمية لضحايا الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023 إلى مستويات قياسية تخطت الـ 72 ألف شهيد، في ظل منظومة صحية متهالكة تماماً تعاني نقصاً حاداً في الأدوية والوقود اللازم لتشغيل ما تبقى من غرف العناية المركزة.
مقص الرقيب: بن غفير واستراتيجية احتجاز المعلومات
على الجانب الآخر من خطوط المواجهة، وتحديداً داخل أروقة وزارة الأمن القومي الإسرائيلية، تدور معركة من نوع آخر يقودها الوزير المتطرف “إيتمار بن غفير”.
فوفقاً لتقرير استقصائي موسع نشرته هيئة البث الإسرائيلية العامة (“كان 11”) ، تبين أن هناك توجهاً سياسياً ممنهجاً يهدف إلى إحكام القبضة على البيانات الرسمية الحساسة وتأخير نشرها لشهور طويلة أو حجبها بشكل كامل عن المواطنين ووسائل الإعلام.
الوثائق المسربة
والتي تمثلت في جدول بيانات داخلي يديره ضباط بوحدة “حرية المعلومات” التابعة للشرطة، كشفت أن بن غفير فرض قبل نحو ستة أشهر إجراءً شرطياً داخلياً غير قانوني، يُلزم كافة الضباط بإحالة أي طلب يتعلق بنشر البيانات والإحصاءات العامة إلى مكتبه الوزاري أولاً للحصول على مصادقته السياسية.
هذا الإجراء يعد خرقاً صريحاً للقوانين المعمول بها؛ حيث إن مفوض حرية المعلومات في سلك الشرطة يعتبر جهة مهنية مستقلة تتبع إدارياً للمفوض العام للشرطة، وليس للأجندات السياسية والحزبية التي يمثلها مكتب الوزير.
ونقلت التقارير عن المحامي “هايدي نيغيف” المدير العام لحركة حرية المعلومات، قوله:
“هذه معلومات عامة ملك للجمهور، ولا يحق للوزير بأي حال من الأحوال التدخل فيها أو تسييسها لخدمة أغراضه”
رصد السجلات المسرّبة: ماذا تخفي تل أبيب؟
يتضح من تحليل الجدول المسرّب، الذي يحتوي على 119 طلباً رسمياً للحصول على معلومات قدمت خلال العامين الماضيين.
أن عملية الحجب والتجميد لم تكن عشوائية، بل ركزت بشكل دقيق على الملفات التي تدين السياسات الإسرائيلية أو تكشف إخفاقات الوزارة الأمنية. ومن أبرز تلك الملفات المرصودة:
1. ملف اقتحامات المسجد الأقصى وأوامر الإبعاد:
يحتجز مكتب الوزير بيانات إحصائية مجهزة منذ أشهر تتعلق بأوامر الإبعاد المجحفة بحق المصلين الفلسطينيين منذ عام 2020.
حيث بلغ التجميد المتعمد للرد الجاهز فنيّاً 97 يوماً، وذلك تزامناً مع تصاعد اقتحامات المستوطنين ورفعهم للأعلام الإسرائيلية داخل الباحات لتجنب إثارة ردود فعل دولية.
2. جرائم واعتداءات المستوطنين بالضفة:
كشفت السجلات أن طلباً بخصوص اعتداءات المستوطنين الإرهابية ضد المواطنين الفلسطينيين قدم في يونيو 2025 وجُهّز خلال 4 أيام فقط، لكن بن غفير احتجزه ومنع نشره لمدة **4 أشهر كاملة** لتوفير غطاء سياسي وتعتيم كامل على عنف المستوطنين.
3. اعتقالات الفلسطينيين:
تم تجميد بيانات إحصائية رسمية توثق اعتقالات المواطنين الفلسطينيين لمدة **7 أشهر كاملة** (منذ أغسطس 2025 حتى مارس 2026).
4. ملف الجريمة والسلاح في الداخل والبلدات العربية:
سجلت الوثائق تأخيراً متعمداً دام **88 يوماً** لنشر معطيات الجريمة والقتل والسرقات لعامي 2024 و2025، إضافة لتأخير دام **63 يوماً** لمعطيات انتشار السلاح غير القانوني وبلاغات إطلاق النار في النقب والقرى البدوية مسلوبة الاعتراف، في محاولة للتغطية على الفشل الذريع للوزارة في ضبط الأمن الداخلي في المجتمع العربي.
تقاطع الدم والتعتيم
إن الربط بين المشهدين – سقوط الضحايا في غزة وحظر البيانات في الداخل – يقود إلى استنتاج صحفي وتحليلي واحد:
الاحتلال الإسرائيلي يسير وفق استراتيجية متكاملة الأركان تعتمد على “إدارة الصراع بالتعمية والتعتيم”.
فبينما تستمر العمليات العسكرية المباشرة في حصد الأرواح في غزة، يعمل اليمين المتطرف في الداخل على عزل وتفتيت السياق الإحصائي والقانوني للأحداث في القدس والضفة الغربية.
إن تأخير وحجب الحقائق والمعلومات العامة ليس مجرد إجراء بيروقراطي، بل هو أداة سياسية ممنهجة لشرعنة الانتهاكات، وحماية المجموعات الاستيطانية المتطرفة، وإخفاء الأرقام الإدانية عن أعين المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية.
مما يحوّل الحق في المعرفة وحرية المعلومات إلى ضحية أخرى تضاف إلى قائمة الضحايا الطويلة في المشهد الفلسطيني.






