قامتان في محراب العدالة: يحيى الدكروري وأحمد الشاذلي
لكن ما لا تعرفه الغالبية أنه شارك في آلاف الأحكام التي انحازت للمشروعية ووازنت بين حق المجتمع وحقوق الأفراد وحرياتهم. رحل الشاذلي بجسده، لكنه ترك خلفه مدرسةً في “أدب القضاء”،

كان المستشار يحيى الدكروري -أطال الله عمره- هو صورةً للقاضي الذي لا تزعزعه الرياح، ولا تميل به الضغوط. هادئ القسمات
حكايات من ثورة يناير
بقلم: خالد علي
في محراب العدالة، ثمة أسماء لا تُذكر إلا ويقف التاريخ إجلالًا، ليس فقط لما سطرته من أحكام، بل لما مثّلته من “فروسية” في زمنٍ عزَّ فيه الفرسان. أتحدث اليوم عن قامتين من هذه الأسماء، قامتين من طراز رفيع: المستشار يحيى الدكروري والمستشار أحمد الشاذلي؛ جناحي العدالة اللذين حلقا بمجلس الدولة إلى آفاقٍ من النزاهة والشموخ.
في زمنٍ تتلاطم فيه الأمواج، وتضطرب فيه المعايير، يبقى القضاء النزيه هو السارية التي تُشدّ إليها أشرعة الوطن، ويبقى رجاله المنصفون هم الحراس الصامتون على بوابة العدل.
ومن بين هؤلاء الرجال يبرز اسمان نقَشا حضورهما في وجدان العدالة المصرية: المستشار يحيى الدكروري، والمستشار أحمد الشاذلي.
كان المستشار يحيى الدكروري -أطال الله عمره- هو صورةً للقاضي الذي لا تزعزعه الرياح، ولا تميل به الضغوط. هادئ القسمات، بملامحه التي نحتتها الصرامة والوقار، وقف كحارسٍ أمينٍ على بوابات الدستور. لم يكن مجرد قاضٍ يجلس على منصة، بل كان ضميرًا حيًّا يقرأ نصوص القانون بروح المحارب الذي لا يخشى في الحق لومة لائم. كان يؤمن أن العدالة ليست نصوصًا تُتلى، بل ضميرًا حيًّا يسكن منصة القضاء. في أحكامه نبرة وطن، وفي منطقه اتزان عالمٍ بالقانون وحدوده ومسؤوليته.
لم يكن يبحث عن مجدٍ شخصي، بل عن كلمة حقٍّ تستقيم بها الموازين، وتطمئن بها قلوب الناس. وكان أعلمَ الناسِ بأن هناك ثمنًا فادحًا سيدفعه جراء حفاظه على استقلال مجلس الدولة، فدفعه بنفسٍ راضية، وتم تعديل القانون حتى يُحرم من أحقيته في رئاسة مجلس الدولة المصري عقابًا له على حكمه بمصرية جزيرتي تيران وصنافير. في الوقت الذي حصل فيه آخرون على مناصب سياسية بارزة جراء مسايرة السلطة في أمر الجزيرتين، لم يكن نصيبُ الدكروري أن يكون رئيسًا لمجلس الدولة، لكن الشعب المصري نصبه رمزًا لاستقلال القاضي الشريف الذي تتباهى به الأمم، وعنوانًا للشجاعة الهادئة التي لا تصرخ لكنها تُسمِع الجميع. فكان حكمه سيفًا قاطعًا يفصل بين الحق والباطل، وكأن قلبه مُعلَّق بميزانٍ لا يميل شعرةً واحدة.
أما المستشار أحمد الشاذلي، رحمه الله، فكان وجهًا آخر من وجوه الوقار القضائي؛ عقلٌ قانونيٌّ رصين، وصوتٌ موزون يعرف كيف يُحكم بميزان القلب والعقل والقانون، دون أن يُفلت روح العدالة. جمع بين دقة الفقيه وحكمة القاضي الذي يدرك أن وراء كل ورقةٍ إنسانًا، ووراء كل قضية حياةً تتشكل. لم يكن حضوره في ساحة القضاء عابرًا، بل كان امتدادًا لمدرسةٍ تؤمن بأن هيبة الدولة تبدأ من هيبة قضائها، وأن سيادة القانون ليست شعارًا بل ممارسة يومية يجب أن تنطلق من نزاهة القضاء واستقلاله.

قد يعرفه الناس بأنه قاضي الإدارية العليا الذي أيّد حكم المستشار الدكروري بمصرية جزيرتي تيران وصنافير، لكن ما لا تعرفه الغالبية أنه شارك في آلاف الأحكام التي انحازت للمشروعية ووازنت بين حق المجتمع وحقوق الأفراد وحرياتهم. رحل الشاذلي بجسده، لكنه ترك خلفه مدرسةً في “أدب القضاء”، حيث الكلمة أمانة، والحكم مسؤولية أخلاقية تسبق كونها قانونية. وكانت أحكامه علاماتٍ مضيئةً في العقد السابق على ثورة يناير، شأنَ غالبية أحكام مجلس الدولة خلال هذا العقد، والتي مهدت —وبحق— الطريق للثورة؛ فانحازت لانعقاد الجمعيات العمومية للنقابات المهنية، وأبطلت الانتخابات الباطلة للنقابات العمالية في جميع مستوياتها، وألزمت الحكومة بوضع حدٍّ أدنى للأجور، وفضحت فساد التعدي على أموال الدولة، وأبطلت العقود الفاسدة، وأعادت الشركات العامة من الخصخصة.
لقد جمع الاسمان في سيرةٍ واحدة سيرةَ الانتصار للقانون حين يختبره الواقع، وسيرةَ القاضي الذي يجعل من منصته منبرًا للحق لا للهوى. لم يكونا مجرد شخصين في سجل القضاة، بل كانا شاهدين على مرحلةٍ من تاريخ الوطن، وحاملين لراية العدل في أوقاتٍ احتاجت فيها البلاد إلى ثباتٍ لا يلين.
إن الحديث عنهما ليس مدحًا لشخصين بقدر ما هو احتفاءٌ بقيمةٍ عليا؛ قيمةِ القضاء حين يكون مستقلًا، نزيهًا، شجاعًا. فهما مثالان لجيلٍ حمى استقلال مجلس الدولة، وآمن أن العدالة أمانة، وأن القاضي إنما يكتب حكمه بمدادٍ من ضميره قبل حبر قلمه.
وهكذا تبقى أسماؤهما —ومعهما كل القضاة المنصفين والمستقلين— في ذاكرة العدالة، لا كذكرى عابرة، بل كصفحةٍ مضيئةٍ من صفحات الوطن؛ صفحةٍ عنوانها: حين ينتصر القانون ينتصر الجميع، ولكن حين ينكسر القانون ينكسر الوطن
إن إسهام قضاة مجلس الدولة أمثال المستشارين العظام: محمد أمين المهدى ، طارق البشرى، يحى الدكروري، أحمد الشاذلي، وحمدى ياسين عكاشة، وماهر أبو العنين، وفاروق عبد القادر، وفاروق عبد البر، ومحمد إبراهيم قشطة، وعبد العزيز حمادة، محمد مسعود، محمد الحسينى، محمد أحمد عطية، عبد الفتاح أبو الفضل، على فكرى صالح، عادل فرغلى، كمال اللامعى، وعبد المجيد المقنن، والشهيد عمر حماد وغيرهم من مئات المستشارين -الذين لا يجوز ذكرهم لأنهم مازالوا على المنصة حتى اليوم- لم تكن مجرد أحكام في ملفات، بل كان لبنةً في بناء الوعي العام بقيمة القانون، وترسيخًا لفكرة أن مصر تُصان بعدل قضائها قبل أي شيءٍ آخر.
هكذا يندمج تاريخهم في التاريخ المصري ذاته؛ حيث تبقى العدالة إحدى أجمل ملامح الشخصية الوطنية، وأصدق تعبيرٍ عن قوة الوطن حين يختار أن تحكم بالقانون العادل والقاضى المحايد المنصف.
رابط المقال المختصر:





