مقالات
إبراهيم خالد
إبراهيم خالد

كاتب صحفي

إبراهيم خالد يكتب: لبنان بعد الحرب توازنات جديدة

الحرب الأخيرة على لبنان، بما حملته من تصعيد غير مسبوق، وضعت البلاد أمام اختبار جديد لقدرتها على الصمود وإعادة إنتاج ذاتها.

مشاركة:
حجم الخط:

لبنان والحرب والإقليم

في كل مرة يخرج فيها لبنان من حرب، لا يكون البلد كما كان قبلها، فالحروب في هذا الكيان الصغير، بتعقيداته الطائفية وتشابكاته الإقليمية، لا تُقاس فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار، بل بما تتركه من تحولات عميقة في بنية السلطة، وفي وعي المجتمع، وفي طبيعة العلاقات بين الداخل والخارج.

ولعل التجربة التاريخية اللبنانية، منذ الحرب الأهلية في القرن الماضي، مروراً بالاعتداءات الصهيونية الغاشمة والمتكررة، تؤكد أن نهاية المعارك العسكرية ليست سوى بداية لمرحلة أكثر تعقيداً، حيث تُعاد صياغة التوازنات السياسية وفق نتائج الميدان، لا وفق رغبات الأطراف المختلفة.

الحرب الأخيرة على لبنان، بما حملته من تصعيد غير مسبوق، وضعت البلاد أمام اختبار جديد لقدرتها على الصمود وإعادة إنتاج ذاتها.

وبينما كان الدمار سيد المشهد في كثير من المناطق، كانت معادلات القوة تتغير بهدوء ولكن بعمق.

انعكاس على النظام السياسي 

لم يعد ممكناً الحديث عن واقع لبناني ثابت أو عن توازنات مستقرة، بل أصبح من الضروري قراءة ما جرى بوصفه نقطة تحول ستنعكس على شكل النظام السياسي، وعلى طبيعة علاقاته الإقليمية، وعلى موقع القوى الفاعلة داخلياً.

إذا ما أُجبر الكيان الصهيوني المحتل على وقف العدوان على لبنان الشقيق، فلن يكون ذلك مجرد تطور عسكري عابر، بل لحظة سياسية مفصلية ستترك ارتدادات عميقة على الداخل اللبناني.

أنس دنقل يكتب:انا والحمار وهواك!

محمد عبد القدوس يكتب: وهزي إليك بجذع النخلة!

مصر وأمن الخليج مواقف لا تعرف المزايدة

رهانات النظام السياسي في لبنان

فالنظام الرسمي في لبنان، الذي بدا خلال الأزمة وكأنه يراهن على مآلات النهاية أكثر من انخراطه في مسار المواجهة، كان يعوّل على أن يشكل وقف الحرب مكافأة سياسية له.

هذه المكافأة، وفق حساباته، كان يُفترض أن تمنحه أوراق قوة داخلية تمكّنه من إعادة ضبط التوازنات، خصوصاً في مواجهة حزب الله وأنصاره.

إلا أن هذه الرهانات تبدو اليوم أقرب إلى قراءة متفائلة أكثر منها واقعية، في ظل تعقيد المشهد وتعدد الفاعلين الحقيقيين على الأرض.

تسويق الأدوار الإقليمية وإعادة التموضع

في سياق البحث عن مكاسب ما بعد الحرب، من المتوقع أن يتم الترويج لدور إقليمي، وتحديداً سعودي، بوصفه عاملاً حاسماً في إنهاء النزاع.

هذا الترويج لن يكون مجرد توصيف سياسي، بل محاولة لإعادة إدماج لبنان ضمن توازنات إقليمية جديدة، تُستثمر فيها نتائج الحرب لإعادة تشكيل النفوذ.

ومع أن السعودية أظهرت، إلى حد بعيد، مقاربة عقلانية في التعامل مع تطورات الأزمة، فإن نسب الفضل إليها في وقف الحرب—إذا حدث—قد يتجاوز حدود الواقع، ليصبح جزءاً من معركة سرديات تهدف إلى إعادة توزيع الأدوار والنفوذ داخل الساحة اللبنانية.

شباب الميدان: الفاعل الحقيقي في معادلة القوة

بعيداً عن الحسابات الرسمية والتوازنات الإقليمية، يبقى العامل الحاسم في أي تحول ميداني هو من يقف على خطوط المواجهة.

فشباب الميدان، الذين خاضوا المواجهة المباشرة، هم الذين أعادوا صياغة معادلة الردع، وأثبتوا أن الكفة العسكرية ليست محسومة كما كانت تُصوّر.

هؤلاء لم يكتفوا بالصمود، بل نجحوا في فرض واقع جديد، كسر صورة التفوق المطلق لجيش الكيان، وفتح الباب أمام قراءة مختلفة لمستقبل الصراع. من هنا، فإن أي حديث عن نهاية الحرب لا يمكن أن يتجاهل الدور المركزي الذي لعبه هؤلاء في رسم ملامحها.

إيران بين إدارة الحرب والسياسة

لا يمكن فصل مسار الحرب عن الدور الإيراني، الذي بدا متماسكاً على المستويين السياسي والعسكري.

فقد أظهرت طهران قدرة على إدارة التوازنات بدقة، بحيث دعمت حلفاءها دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، وفي الوقت نفسه حافظت على خطاب سياسي ثابت يرفض التخلي عن لبنان.

هذا الجمع بين الصلابة والمرونة منحها موقعاً متقدماً في معادلة التأثير، وجعلها لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات لاحقة.

وعليه، فإن الفضل في وقف الحرب—إن تحقق—سيكون مرتبطاً جزئياً بهذه القدرة على إدارة الصراع دون فقدان السيطرة على مساراته.

الشارع اللبناني وخيار المقاومة

في موازاة الأدوار الرسمية والإقليمية، برز الشارع اللبناني كعنصر ضغط لا يمكن إغفاله.

فقد أظهر جزء واسع من اللبنانيين تمسكاً واضحاً بخيار المقاومة، ورفضاً لمحاولات التفريط أو تقديم تنازلات تُفسر كاستسلام.

هذا الموقف الشعبي لم يكن مجرد رد فعل عاطفي، بل تعبير عن قناعة متجذرة بأن ميزان القوة لا يُبنى إلا من خلال الصمود.

ومن هنا، فإن أي سلطة رسمية تحاول استثمار نتائج الحرب في اتجاه معاكس لإرادة هذا الشارع، قد تجد نفسها في مواجهة أزمة شرعية داخلية.

نبيه بري: إدارة الخيوط المعقدة

وسط هذا المشهد المتشابك، يبرز دور رئيس مجلس النواب نبيه بري بوصفه أحد أبرز اللاعبين الذين نجحوا في إدارة الملف بحنكة.

صراع السرديات بعد توقف المعارك

في نهاية المطاف، قد لا يكون وقف الحرب – إذا حدث – نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة عنوانها الأساسي صراع السرديات. من يملك حق رواية ما جرى؟

ومن يقطف ثمار ما تحقق؟ بين نظام رسمي يسعى إلى تثبيت موقعه، وقوى ميدانية ترى نفسها صاحبة الإنجاز، وأطراف إقليمية تحاول إعادة رسم النفوذ، يبدو أن لبنان مقبل على مواجهة من نوع آخر.

مواجهة لن تُحسم بالرصاص، بل بالكلمة، وبالقدرة على إقناع الداخل والخارج بأن هذه النهاية كانت، في جوهرها، انتصاراً لهذا الطرف أو ذاك.

شارك المقال: