علي الأفريقي يفند: هل كان السودان جزءًا من مصر؟ (1)
يذكر المؤرخون أن أول مملكة قامت في السودان كانت مملكة إيتيوبيا؛ حيث كانت تمتد من الشلال الأول عند أسوان إلى أقاصي الحبشة شمالا وجنوبا،

السودان سلالة بشرية تنحدر من الحضارات النوبية العريقة مثل كرمة ونبتة ومروي وكوش
الباجث المصري عبد الناصر عجلان (علي الأفريقي)الصحفي والمستشار الإعلامي بعدة منظمات أفريقية يبحث ويدقق في أصل كون السودان كانت جزءا من مصر، وهي المقولة التي يرددها المصريين دائما ويغوص على الأفريقي في التاريخ ليدقق هذه المقولة، ويحاول أن يجد جذورها في بحث نشره على صفحته على فيس بوك، ويتيح له عمله الأطلاع على مراجع ووثائق لا تتاح للكثير،ليجيب على السؤال الذي يثير الكثير من الجدل بين المصريين، وقدم علي الجزء الأول في بحثه في 41 حلقه ونحن ننشر في أخر الكلام الجزء الاول بكامل حلقاته على وعد بنشر الجزء الثاني من هذه السلسلة أن شاء الله.
فهل كانت السودان جزءا من مصر؟
وهل كانت الدولتين واحدة خلال أي فترة من التاريخ؟ إلى أولى حلقات الإجابة عن السؤال الصعب
(1) ملامح السودان القديم
ما يسمى السودان بحدوده الجغرافية الحالية لم يكن متواجدا ، فلم يكن هناك كيان قومي موحد او دولة واحدة خاضعة لسلطة واحدة فقد كانت المساحة الحالية في الماضي منقسمة إلى عدة مناطق، بعضها خاضع لقبائل وملوك مناطق وسط أفريقيا، وبعضها خاضع للحبشة.
البعض الآخر خاضع للقبائل ذات الأصول العربية التي استقرت بشمال السودان.
هذا بالإضافة إلى البدو الذين استوطنوا دارفور، وحتي مملكة الفونج التي سيطرت علي الجزء الشمالي كانت مملكة منقسمة لا سيطرة لها علي البلاد، ولقد قامت بها ممالك قبل الميلاد وبعد دخول المسيحية، ثم بعد دخول الاسلام.
أول مملكة في السودان
ويذكر المؤرخون أن أول مملكة قامت في السودان كانت مملكة إيتيوبيا؛ حيث كانت تمتد من الشلال الأول عند أسوان إلى أقاصي الحبشة شمالا وجنوبا.
وبعد زوال مملكة إيتيوبيا قامت مملكتان؛ مملكة النوبة على النيل بين الشلال الأول والحبشة، ومملكة البجة في الصحراء الشرقية.
وكانت الوثنية ديانة ممالك إيتيوبيا والنوبة والبجة، وبعد أن دخلت المسيحية إلى بلاد النوبة في القرن السادس الميلادي، قامت فيها ثلاث ممالك نصرانية كبرى هي: نوباتيا في الشمال، ومقرة في الوسط وعاصمتها دنقلا، وعلوة في الجنوب وعاصمتها سوبا، وقد استمرت هذه الممالك عدة قرون.
مع دخول الإسلام بدأت ملامح التحول الديني والثقافي في السودان، حيث ضعفت الممالك النصرانية نتيجة الصراعات الداخلية، وتدهور الاقتصاد، وضغوط الهجرات العربية، حتى سقطت مملكة علوة في القرن الخامس عشر الميلادي.
وفي هذه المرحلة، ظهرت كيانات سياسية جديدة من أبرزها سلطنة الفونج التي تأسست في مطلع القرن السادس عشر، واتخذت من سنار عاصمة لها، ونجحت في بسط نفوذها على مناطق واسعة من وسط وشمال السودان.
وفي الغرب، برزت سلطنة دارفور كقوة إقليمية مستقلة، أما شرق السودان، فقد ظل خاضعًا لنفوذ قبائل البجة، مع وجود تأثيرات عثمانية لاحقة، خاصة في سواكن.
هكذا ظل السودان، حتى قبيل القرن التاسع عشر، عبارة عن فسيفساء من الممالك والسلطنات والقبائل، تختلف في نظمها السياسية والاجتماعية، لكنها تشترك في تداخل عرقي وثقافي وديني واسع.
(2) جذور الشعب السوداني
لا توجد سلالة بشرية نقية تماما في أي دولة بالعالم بسبب الاختلاط الناتج عن الهجرات البشرية المتتابعة منذ عصور سحيقة، لكن التتبع الدقيق لتاريخ قبائل شمال ووسط السودان يوضح أنها ليست قبائل وافدة، بل تنحدر من الحضارات النوبية العريقة مثل كرمة ونبتة ومروي وكوش.
وهي من أقدم حضارات التاريخ، أما جنوب وغرب السودان فتسود السلالات الزنجية التي عمرت أفريقيا منذ بدايات الإنسان.
هناك أيضًا مجموعات نيلية ذات جذور تمتد لآلاف السنين، إضافة إلى قبائل البجا والفور والمساليت والزغاوة، أما القبائل العربية فتأخر دخولها واندماجها في المجتمع السوداني.
إذ إنه عندما فتح “عمرو بن العاص” مصر حاول جيشه دخول السودان لكنه واجه مقاومة قوية من الممالك النوبية المسيحية (نوباتيا والمقرة وعلوة)، فتوقف على حدود النوبة.
ثم أرسل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) جيشًا بقيادة “عبدالله بن أبي السرح”، ودارت معارك طويلة لم تُحسم، فاضطر الجانبان لعقد معاهدة سلام مكنت العرب من التسرب تدريجيا الي السودان.
وبحلول القرن السادس عشر تحالف المسلمون مع قبائل الفونج والعبدلاب وأسقطوا ممالك النوبة.
انتشر الإسلام في البلاد، وتدفقت الهجرات العربية بأعداد كبيرة.
وحدث اختلاط وتزاوج من فتيات سودانيات، مما أفرز جيلاً ذا جذور مختلطة تجمع بين الملامح العربية والنوبية والأفريقية، منهم قبائل الجعليين، والشايقية، والرباطاب، والبديرية، والجموعية، والهواوير، أما جنوب السودان فقد حافظ على أصله الإفريقي الزنجي.
إذ لم تتمكن الجماعات العربية من الانتشار فيه بسبب مقاومة قبائل الشلك والدينكا، إضافة إلى العوائق الطبيعية والبيئية التي حدّت من توغل العرب.
أصول السودان الإنسانية
هكذا يمكن القول إن أصول شعب السودان تتوزع على ثلاث مجموعات: السكان الأصليون أحفاد القبائل النوبية والأفريقية والنيلية، ثم أحفاد القبائل العربية الوافدة، ثم الهجين المستعرب الناتج عن امتزاج العرب بالسكان الأصليين
كما ان الشعب السوداني لم يتشكل على أساس الأصل العرقي وحده، بل أسهمت عوامل الثقافة والدين واللغة في صهر مكوناته المختلفة، حيث لعب الإسلام والتصوف دورًا مهمًا في تجاوز الفوارق القبلية.
كما انتشرت العربية كلغة جامعة دون أن تلغي اللغات المحلية. وهو ما يفسر التنوع داخل القبائل نفسها. وهكذا تشكلت الهوية السودانية كهوية مركبة نتاج تفاعل طويل بين المكونات النوبية والأفريقية والعربية، دون غلبة عنصر واحد على الآخر.





