شهادة قائد القيادة الأفريقية الأمريكية بشأن إفريقيا
فالشهادة تصف إفريقيا بأنها «القارة الثانية للصين»، وتتهم بكين بالسعي للسيطرة على المعادن الحرجة والبنية التحتية والموانئ بما يسمح لها بإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية العالمية

القمة الإفريقية ال20 (أرشيف)
قراءة وتحليل: عزت إبراهيم
في جلسة استماع مطولة أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي، قدم الجنرال Dagvin R. M. Anderson قائد القيادة الأمريكية في إفريقيا (AFRICOM) واحدة من أكثر الشهادات الأمريكية صراحة وتشاؤما ايضا بشأن مستقبل الأمن في القارة الإفريقية.
الشهادة تعكس تحولا عميقا في الطريقة التي تنظر بها واشنطن إلى إفريقيا باعتبارها ساحة مركزية للصراع العالمي المقبل، سواء ضد الإرهاب أو ضد الصين وروسيا وإيران.
يرى الجنرال الأمريكي أن إفريقيا تحولت فعليا إلى «مركز الثقل العالمي للجهادية»، مع تسجيل غرب إفريقيا وحده أكثر من 51% من وفيات الإرهاب في العالم خلال عام 2024.
هذا التوصيف اعتبره المحللون محاولة لإعادة توجيه الاهتمام الأمريكي بعيدا عن الشرق الأوسط التقليدي نحو الساحل والصحراء والقرن الإفريقي باعتبارها الجبهة الأخطر مستقبلا على الأمن الأمريكي.
تكشف الشهادة عن قلق أمريكي بالغ من احتمال تحول جماعات مثل «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بالقاعدة إلى ما يشبه «دولة إرهابية» تمتلك موارد وإدارة وأرضا، وليس مجرد تنظيم مسلح متنقل.
المقارنة التي استخدمها الجنرال مع سقوط الموصل عام 2014 تعكس خوفا أمريكيا من تكرار نموذج داعش ولكن هذه المرة داخل إفريقيا الغربية.
أحد أخطر ما ورد في الجلسة هو اعتراف AFRICOM بأن الولايات المتحدة فقدت كثيرا من قدراتها التقليدية في القارة خلال السنوات الخمس الأخيرة، خاصة بعد الانقلابات العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
واشنطن تتحدث هنا بصراحة عن تآكل النفوذ، وفقدان قواعد، وصعوبة التحليق الجوي، وتراجع القدرة على التدخل السريع.
الوثيقة تعكس تحولا في التفكير الأمريكي من «الحرب على الإرهاب» التقليدية إلى مفهوم أوسع يربط الإرهاب بالاقتصاد والهجرة والمخدرات والمعادن النادرة وسلاسل الإمداد العالمية.
الجنرال يطرح الأمن الإفريقي باعتباره جزءا من الأمن الصناعي الأمريكي نفسه، وليس مجرد ملف خارجي منفصل.
تبرز الصين باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأكبر في رؤية AFRICOM.
فالشهادة تصف إفريقيا بأنها «القارة الثانية للصين»، وتتهم بكين بالسعي للسيطرة على المعادن الحرجة والبنية التحتية والموانئ بما يسمح لها بإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية العالمية.
التركيز الأمريكي على الجرافيت ومعادن البطاريات يعكس كيف أصبحت المنافسة الصناعية والتكنولوجية جزءا من العقيدة العسكرية.
يحذر الجنرال من أن إقامة قاعدة صينية مزدوجة الاستخدام على الساحل الغربي لإفريقيا قد يشكل «تهديدا مباشرا للأراضي الأمريكية».
هذا التعبير يكشف إلى أي مدى باتت واشنطن تنظر إلى المحيط الأطلسي الإفريقي باعتباره امتدادا للأمن القومي الأمريكي وليس مجرد فضاء بعيد.

روسيا، وفقا للشهادة، تستخدم إفريقيا باعتبارها «محفظة بوتين المالية»
الاتهام الأمريكي هنا يتجاوز النشاط العسكري إلى الحديث عن استخراج الذهب وتمويل الاقتصاد الروسي والالتفاف على العقوبات الغربية عبر الساحل وإفريقيا الوسطى.
واشنطن ترى أن موسكو لا تبحث فقط عن النفوذ السياسي بل عن اقتصاد حرب متكامل.
اللافت أن AFRICOM تتحدث عن «Africa Corps» الروسي باعتباره امتدادا جديدا لفاغنر ولكن بصيغة أكثر مؤسسية وتنظيما.
وهذا يعكس قناعة أمريكية بأن روسيا لن تتراجع عن إفريقيا حتى مع استنزافها في أوكرانيا، بل تعتبر القارة مصدرا حيويا للتمويل والموارد والنفوذ الجيوسياسي.
إيران حاضرة بقوة في الرؤية الأمريكية الجديدة لإفريقيا.
الشهادة تتهم طهران بتهريب أسلحة متطورة وطائرات مسيرة إلى جماعات مثل الشباب في الصومال، وربط الشبكات الحوثية بمسارات التهريب في القرن الإفريقي وخليج عدن.
هنا تتعامل واشنطن مع إفريقيا باعتبارها جزءا من «شبكة التهديد الإيراني» الممتدة من البحر الأحمر حتى الساحل.
تقرير: إطار أقليمي يضم إيران ودول المنطقة
تعكس الوثيقة قلقا أمريكيا متزايدا من اندماج الإرهاب مع شبكات المخدرات العابرة للقارات.
AFRICOM تتحدث عن تضاعف تدفقات الكوكايين عبر الأطلسي ست مرات، وعن وجود معامل ميثامفيتامين يديرها كارتل سينالوا وكارتل خاليسكو المكسيكي داخل إفريقيا.
هذا الدمج بين الجريمة المنظمة والإرهاب يعيد للأذهان نماذج أمريكا اللاتينية لكن في بيئة إفريقية أكثر هشاشة.

أحد المحاور الجوهرية في الشهادة هو «الانفجار الشبابي» الإفريقي.
الولايات المتحدة ترى أن ملايين الشباب العاطلين قد يتحولون إلى وقود للتنظيمات المتطرفة. ومن هنا يصبح ملف البطالة والتنمية جزءا من العقيدة الأمنية وليس مجرد شأن اقتصادي أو إنساني.
تكشف الشهادة عن اتجاه أمريكي متزايد لاستخدام التكنولوجيا منخفضة التكلفة والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة التجارية لتعويض تراجع الوجود العسكري المباشر.
AFRICOM تريد بناء منظومات مراقبة تعتمد على الأقمار الصناعية التجارية وأجهزة الاستشعار والذكاء الاصطناعي بدلا من الانتشار العسكري الواسع المكلف.
يظهر من الوثيقة أن الولايات المتحدة تحاول الانتقال من نموذج «القواعد الدائمة» إلى نموذج «الوصول المرن والمؤقت».
بمعنى أن واشنطن باتت تدرك أن الوجود العسكري الثقيل أصبح مكلفا سياسيا في إفريقيا بعد تصاعد النزعات القومية والرفض الشعبي للتدخلات الخارجية.
تركز الشهادة بشكل خاص على الصومال باعتباره «مختبرا» للنهج الأمريكي الجديد.
فالجنرال يتحدث عن نجاحات في إبقاء قادة داعش داخل الكهوف عبر دعم استخباراتي وضربات دقيقة وشراكات محلية محدودة التكلفة.
النموذج هنا هو «الحرب الخفيفة» المعتمدة على الشركاء المحليين والتكنولوجيا.
تولي AFRICOM أهمية كبيرة للحرب المعلوماتية والدعاية المضادة. الوثيقة تتحدث عن ضرورة مواجهة السرديات الروسية والصينية وكشف «الأنشطة الضارة» مثل التسرب الكيميائي الصيني في زامبيا أو استغلال المناجم في إفريقيا الوسطى.
وهذا يعكس إدراكا أمريكيا بأن الصراع في إفريقيا لم يعد عسكريا فقط بل إعلاميا وإدراكيا أيضا.
المغرب يحضر بقوة داخل الرؤية الأمريكية الجديدة، خصوصا من خلال مناورات “African Lion”.
واللافت أن الشهادة تربط بوضوح بين الاعتراف الأمريكي بالصحراء الغربية وتعميق الشراكة العسكرية مع الرباط، بما يكشف استمرار توظيف الملف الجيوسياسي في بناء التحالفات الأمنية.
تعتبر واشنطن أن برامج التدريب العسكري مثل IMET وبرنامج الشراكة مع الحرس الوطني الأمريكي من أهم أدوات النفوذ طويلة الأمد.
فالشهادة تفتخر بتدريب أكثر من 125 قائدا عسكريا إفريقيا، في إشارة إلى أن الولايات المتحدة تراهن على بناء نخب عسكرية مرتبطة عقائديا ومؤسسيا بها.
تكشف الوثيقة أيضا عن أزمة موارد داخل AFRICOM نفسها.
الجنرال يشتكي بوضوح من نقص التمويل وأصول الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، ومن عدم تناسب الموارد مع حجم التهديدات.
وهذه إشارة مهمة إلى أن إفريقيا رغم أهميتها المتزايدة لا تزال تنافس أولويات أكبر مثل الصين في آسيا والحرب في أوروبا.
الخلاصة الأهم في جلسة الاستماع هي أن واشنطن باتت ترى إفريقيا ليس باعتبارها «هامشا» للنظام الدولي، بل إحدى الساحات الحاسمة لمستقبل التوازن العالمي.
الإرهاب، المعادن النادرة، الموانئ، الهجرة، الذكاء الاصطناعي، المخدرات، الصين، روسيا، وإيران كلها تتقاطع داخل القارة.
ولذلك فإن شهادة قائد AFRICOM ليست مجرد تقرير عسكري، بل إعلان أمريكي واضح بأن معركة النفوذ الكبرى في العقود المقبلة قد تُحسم في إفريقيا أكثر مما تُحسم في أي مكان آخر.






