محمد فرحات يحاور صنع الله إبراهيم في العالم الآخر (2-2)
العالم مليء بالبيانات. كل يوم يصدر بيان، ثم يصدر بيان يرحب بالبيان الأول، ثم بيان يأسف لأن البيان الأول لم يُنفذ، ثم بيان يدعو إلى اجتماع لمناقشة أسباب عدم تنفيذ البيان.
صنع الله أبراهيم أحد أهم مبدعي مصر في الرواية العربية
في ليلة يختلط فيها النبيت الأحمر بأحلام بار الجريون، يلتقي محمد فرحات، الناقد والصحفي، بالأديب الكبير صنع الله إبراهيم في حوار متخيَّل بين اليقظة والمنام.
من «تلك الرائحة» و«اللجنة» إلى «ذات» و«شرف»، يتنقل اللقاء بين السجن والرقابة، وتاريخ مصر في تفاصيل الحياة اليومية، وإشكالية الاستفادة من الشهادات الواقعية في الكتابة الروائية.
ويتوقف الحوار عند رفض صنع الله إبراهيم جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي عام 2003، بوصفه موقفًا من السلطة والسياسات العامة.
وبين الأسئلة الجادة والسخرية المصرية، يفتح الجزء الأول الباب لمواجهة جديدة مع الأدب والسلطة والذاكرة.
اليسار الذي لم يخرج من الزنزانة
عدت إلى سنواته الأولى، إلى اليسار والسجن، وإلى السؤال الذي لا يغادر حياة المثقفين الذين انحازوا إلى أفكارهم في أزمنة صعبة.
— أنت قضيت خمس سنوات في السجن، وخرجت لتواصل الكتابة. لكن اليسار المصري نفسه مر بتحولات وانقسامات وهزائم كثيرة. هل بقيت على أفكارك القديمة، أم أن التجربة غيرتك؟
قال:
— لا يمكن أن يبقى الإنسان كما كان، ولا يمكن أن يظل العالم كما كان. الأفكار تحتاج إلى مراجعة، والتجارب تحتاج إلى فهم، لكنني لم أرَ سببًا يجعلني أتخلى عن انحيازي إلى العدالة الاجتماعية وحقوق الناس لمجرد أن بعض التجارب السياسية أخفقت.
— يعني أنت لا تعتبر أن هزيمة تجربة ما هي هزيمة للفكرة كلها؟
— لا. لكن هذا لا يعفي أصحاب الأفكار من مراجعة أخطائهم، ولا يجعل التاريخ سلسلة من الانتصارات المضمونة.
قلت له:
— المشكلة أن بعض اليساريين عندنا، لما يخسروا معركة، يعلنوا أن الشعب لم يفهمهم. ولما يخسروا معركة ثانية، يقولوا إن الظروف لم تكن مناسبة. ولما يخسروا الثالثة، يختلفوا فيما بينهم على تفسير الهزيمة، وينقسموا إلى مجموعتين، ثم تنقسم كل مجموعة إلى مجموعتين.
قال:
— الانقسامات ليست حكرًا على اليسار.
— عندك حق، لكن اليسار أحيانًا عنده قدرة مدهشة على تحويل الخلاف الفكري إلى مشروع تنظيمي كامل، ثم إصدار بيان يشرح فيه لماذا أصبح من الضروري الانفصال عن الرفاق السابقين.
— ربما لأن الناس لا تتعامل مع أفكارها باعتبارها أفكارًا فقط، بل باعتبارها جزءًا من هويتها.
— وده معناه إننا أحيانًا بنحب هويتنا أكثر مما بنحب الحقيقة.
لم يجب. واكتفى بالنظر إلى كأسه، كأن السؤال أعجبه، أو كأنه لا يريد أن يمنحني متعة اكتشاف ذلك.
من «بيروت بيروت» إلى العالم العربي
قلت له:
— في «بيروت بيروت» تناولت الحرب الأهلية اللبنانية، وفي «وردة» عدت إلى تجارب الثورة والعمل السياسي في المنطقة العربية، وفي أعمال أخرى اشتبكت مع التحولات الدولية.
لماذا لم تكتفِ بمصر؟ ألم يكن تاريخها وحده كافيًا لمشروع روائي واحد؟
قال:
— مصر جزء من العالم، وما يحدث خارجها يؤثر فيها، كما أن ما يحدث فيها لا يمكن فهمه بمعزل عن محيطها. الروائي لا يعيش داخل حدود جغرافية مغلقة.
— لكن القارئ أحيانًا يريد منك أن تكتب له حكاية واضحة، بشخصيات يحبها أو يكرهها، ونهاية يعرف عندها من انتصر ومن خسر. أنت تدخل عليه بالحرب والسياسة والاقتصاد والصحافة، فيشعر أنه أمام ملف تحقيق.
— لا أكتب لإرضاء توقعات القارئ. أحاول أن أجد الشكل الذي يناسب المادة التي أكتب عنها.
— يعني القارئ هو اللي لازم يطور نفسه؟
— القارئ حر في أن يقرأ أو لا يقرأ.
— إجابة ديمقراطية جدًا. أول مرة أشوف كاتبًا يمنح القارئ حق الانسحاب من الرواية من غير أن يتهمه بالجهل أو ضيق الأفق.
قال:
— أنت تحاول أن تجعلني أبدو كأنني أتشاجر مع قرائي.
— أبدًا. أنا فقط أحاول أن أستفزك، لأن الحوار من غير استفزاز يتحول إلى إعلان مجاني عن الكتاب الجديد.
فلسطين.. حين يصبح الصمت موقفًا
كنت قد قرأت من قبل كلماتك عن فلسطين، وعن التناقض بين ما يتعرض له الفلسطينيون من قتل وتهجير وتدمير، وبين مواقف حكومات عربية تقيم علاقات مع إسرائيل.
فقلت له:
— موقفك من فلسطين امتداد لموقفك السياسي كله، لكن هناك سؤالًا يتكرر:
ما الذي يستطيع الكاتب أن يفعله أمام مشهد بهذا الحجم من المأساة؟ هل تكفي الرواية، أو المقالة، أو البيان؟
قال:
— لا تكفي الكتابة وحدها، ولا ينبغي أن نزعم أنها تستطيع أن توقف الحرب بمجرد نشرها. لكن هذا لا يعني أن نتوقف عن الكتابة. هناك مسؤولية في أن نشهد على ما يحدث، وأن نرفض تزييف الوقائع، وأن نتمسك بحق الناس في الحياة والحرية والكرامة.
— لكن العالم مليء بالبيانات. كل يوم يصدر بيان، ثم يصدر بيان يرحب بالبيان الأول، ثم بيان يأسف لأن البيان الأول لم يُنفذ، ثم بيان يدعو إلى اجتماع لمناقشة أسباب عدم تنفيذ البيان.
قال:
— وهذا لا يلغي ضرورة اتخاذ مواقف عملية.
— يعني نكتب، ونتكلم، ونحتج، ونحاول أن نمنع تحويل المأساة إلى خبر عابر بين نشرة الطقس ونتيجة مباراة كرة قدم.
— بالضبط. المشكلة ليست في كثرة الكلام وحدها، بل في أن يصبح الكلام بديلًا عن الفعل.
شعرت أنني للمرة الأولى في هذه الليلة لا أجد تعليقًا ساخرًا مناسبًا. كان ثمة شيء في حديثه يذكّرني بأن السخرية، مهما كانت حادة، لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للهروب من الألم.
لكنني سرعان ما عدت إلى طبيعتي، وقلت:
— المشكلة يا أستاذ صنع الله إننا أحيانًا نحتاج إلى أن نكتب عن الذين لا يستطيعون الكتابة، ثم نختلف بعد ذلك على أفضل عنوان للمقال.
قال:
— اختلفوا على العنوان إن شئتم، لكن لا تنسوا ما حدث.
النهاية التي لا تنتهي
كان بار الجريون قد بدأ يخلو من رواده. النادل ينظر إليّ نظرة توحي بأنني تجاوزت حدود الضيافة، وأنه يفكر جديًا في الاستعانة بلجنة لتحديد ما إذا كنت ما زلت قادرًا على دفع الحساب.
نظرت إلى صنع الله إبراهيم وقلت:
— سؤال أخير. هل تعتقد أن الرواية تستطيع أن تغير العالم؟
قال:
— لا أعتقد أن رواية واحدة تستطيع أن تغير العالم بمفردها. لكنها تستطيع أن تكشف ما يُراد له أن يظل خفيًا، وأن تحفظ الذاكرة من النسيان، وأن تجعل الإنسان يرى واقعه بطريقة مختلفة. أما التغيير، فهو عمل الناس.
— يعني انت تكتب، والناس تتصرف؟
— كل إنسان مسؤول عن دوره.
— كلام جميل، لكن عندي مشكلة صغيرة. لو كتبت رواية تكشف الفساد، ثم قرأها مسؤول فاسد وأعجب بها، وطلب تحويلها إلى مسلسل، ثم حضر حفل تكريم الكاتب، فهل تكون الرواية قد غيرت العالم، أم أن العالم هو الذي غيّر الرواية؟
نظر إليّ طويلًا، ثم قال:
— ربما عليك أن تكتب رواية عن ذلك.
— فكرت في الموضوع، لكنني أخشى أن تتحول إلى مسلسل قبل أن أنتهي منها.
ضحك صنع الله إبراهيم، ثم نهض من مقعده. صافحني وقال:
— اذهب إلى بيتك يا محمد. انت شربت أكثر مما ينبغي.
قلت له:
— حاضر. بس قبل ما تمشي، سؤال صغير: هل أقدر أعمل معاك حوارًا ثانيًا؟
قال:
— إذا وجدتني.
— دي سهلة. أنا هطلب كاسين نبيت أحمر معتقين، وأقعد في الجريون، وأنت أكيد هتظهر لما تسمع إني بدأت أتكلم عن السياسة.
هز رأسه، ثم ابتعد بين الطاولات حتى اختفى.
خرجت إلى شارع قصر النيل، وأنا أحاول أن أستعيد تفاصيل الحوار.
لم أكن متأكدًا مما إذا كنت قد التقيت صنع الله إبراهيم حقًا، أم أن النبيت الأحمر قد فتح لي بابًا إلى عالم آخر، أم أنني كنت أحاور صورة صنعها عقلي من كتبه ومواقفه.
لكنني كنت متأكدًا من شيء واحد:
أنني سأكتب هذا الحوار، وأن بعض القراء سيعترضون على الأسئلة، وبعضهم سيعترض على الإجابات، وربما يتهمني أحدهم بأنني أسأت إلى صورة الكاتب الكبير حين جعلته يجلس في بار ويتحدث عن السياسة.
وكنت قد بدأت بالفعل أفكر في الرد المناسب، حين تذكرت أنني لم أدفع الحساب.
عدت إلى البار مسرعًا، فوجدت النادل ينتظر
ـ بتقبلوا الفيزا في العالم الآخر ؟
لم يجب، وبدأ الغضب واضحا على وجهه.
ـ طيب العملة عندكوا بالجنية ولا الدولار؟
ـ طيب هو انتوا بتعوموا الجنية هنا برده؟
لم يضحك النادل.
ويبدو أن العالم الآخر، مثل عالمنا تمامًا، لا يحب السخرية حين يتعلق الأمر بالفلوس…
شاركنا برأيك