علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
تقارير
محمد فرحات
محمد فرحات

كاتب وناقد

محمد فرحات يكتب: صراع في الأوبرا (مهرجان الموسيقى العربية)

المهرجان لم يبدأ بعد، لكن الأوركسترا بدأت بالفعل تعزف، والمايسترو رفع العصا، والنجوم بدأوا في الاعتذار، ورئيس الأوبرا استقال، ثم عاد إلى مكتبه، والجمهور واقف في الصالة لا يعرف: هل يصفق أم يحجز تذكرة أم يطلب النجدة؟

مشاركة:
حجم الخط:

الكونسرفتوار ضد الموسيقى العربية أم أن الخناقة أكبر من كده؟

يبدو أن مهرجان الموسيقى العربية قرر هذا العام أن يقدم لنا لونًا جديدًا من الموسيقى لم يكن موجودًا في برنامجه الرسمي: موسيقى الخناقات.

المهرجان لم يبدأ بعد، لكن الأوركسترا بدأت بالفعل تعزف، والمايسترو رفع العصا، والنجوم بدأوا في الاعتذار، ورئيس الأوبرا استقال، ثم عاد إلى مكتبه، والجمهور واقف في الصالة لا يعرف: هل يصفق أم يحجز تذكرة أم يطلب النجدة؟

الأغرب أن الحكاية بدأت بجملة تبدو في ظاهرها اقتصادية جدًا:

«معندناش فلوس كتير»

جملة بسيطة جدًا، لكنها في مصر تستطيع أن تفعل أكثر مما تفعله قنبلة صوتية.

فجأة أصبح السؤال: هل المشكلة فعلًا في الفلوس؟

أم في طريقة إدارة المهرجان؟

أم في أجور الفنانين؟ أم في اختيار النجوم؟

أم في الرعاة؟

أم أن هناك خناقة قديمة نائمة بين الكونسرفتوار والموسيقى العربية قررت أن تستيقظ في الوقت الخطأ؟

هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

خلال المؤتمر الصحفي للدورة الرابعة والثلاثين، تحدث الدكتور رضا الوكيل، رئيس دار الأوبرا، عن محدودية الميزانية، وعن صعوبة استقدام عدد أكبر من النجوم العرب في ظل الإمكانات المتاحة.

وأعلن في المقابل أن آمال ماهر وعاصي الحلاني تنازلا عن أجريهما، بينما تنازل عمر خيرت عن نصف أجره دعمًا للمهرجان.

يعني الرجل كان يقول باختصار: الإيد قصيرة، والعين بصيرة، وهذا، بالطبع، في حد ذاته ليس جريمة.

المشكلة أن الكلام خرج من قاعة المؤتمر الصحفي وبدأت معه كرة الثلج تتدحرج من فوق المسرح الكبير إلى كل مسارح الأوبرا.

خرج علي الحجار معتذرًا عن المشاركة، وقال إن الميزانية المحددة لفرقته الموسيقية ضعيفة ومهينة.

ثم أعلن محمد ثروت انسحابه، معتبرًا أنه لا يقبل المشاركة فيما وصفه بإهانة الفن المصري والفنانين المصريين، وتوالت بعد ذلك اعتذارات وانسحابات أخرى.

هنا لم تعد المسألة مجرد «مفيش فلوس»

أصبح السؤال:
طيب الفلوس القليلة دي رايحة فين؟ وهذا السؤال وحده كفيل بتحويل أي مؤتمر صحفي إلى مؤتمر تحقيق.

ثم دخل المايسترو هاني فرحات على الخط، معترضًا على تفسير غياب النجوم العرب بنقص الميزانية، ومشيرًا إلى تجربته السابقة في رئاسة المهرجان، حين قال:

إن دورته استطاعت استضافة أسماء عربية ومصرية كثيرة رغم الظروف المالية، وهنا بدأ الميكروفون يسخن.

ثم جاءت المفاجأة التي أعادت إلى المسرح حكاية قديمة جدًا:

الكونسرفتوار والموسيقى العربية

الموسيقار أمير عبد المجيد كتب منتقدًا رضا الوكيل، واستدعى في كلامه مقولة قديمة مفادها أن خريجي الكونسرفتوار لا يحبون خريجي الموسيقى العربية، وربط بين هذه الفكرة وبين ما اعتبره تقليلًا من قيمة نجوم الموسيقى العربية.

وهنا قلت لنفسي:

يا نهار أبيض! إحنا كنا داخلين نحضر مهرجان موسيقى عربية، لقينا نفسنا في مباراة ديربي: الكونسرفتوار × الموسيقى العربية.

ناقص بس الجمهور يقسم المدرجات إلى شمال ويمين، وكل واحد يدخل بعلمه ويهتف: «واحد اتنين.. الموسيقى العربية فين؟» « ياكونسرفتوار يا عمهم يا حابس دمهم»

لكن الإنصاف يقتضي أن نقول إن رضا الوكيل نفى هذا الأمر صراحة، وقال إنه لم يقل إن خريجي الكونسرفتوار يكرهون خريجي الموسيقى العربية.

وإن كلامه فُهم على غير المقصود، وإن إجابته كانت تتعلق بالاعتماد على الفنانين المصريين بدلًا من استقدام فنانين من الخارج، بهدف إقامة مهرجان كبير بأقل تكلفة ممكنة.

إذن لا نستطيع أن نقول إن هناك حربًا معلنة بين الكونسرفتوار والموسيقى العربية، لكن نستطيع أن نقول إن فكرة الصراع موجودة في الذاكرة الموسيقية، وإن الأزمة.

الحالية أعادت إخراجها من الدرج

هنا تكمن المشكلة، لأن دار الأوبرا ليست معسكرًا للكونسرفتوار في مواجهة معسكر للموسيقى العربية، فالفن المصري لا يعمل بهذه الطريقة، فأم كلثوم لم تكن بحاجة إلى شهادة من الكونسرفتوار كي تصبح أم كلثوم، وعبد الوهاب لم يكن بحاجة إلى أن يدخل امتحانًا في «الكونتربوينت» حتى يصبح عبد الوهاب.

وفي الوقت نفسه لا يمكن أن نتعامل مع علوم الموسيقى الغربية وكأنها مؤامرة على الموسيقى العربية، المشكلة ليست في أن هذا درس كونسرفتوار وذاك درس موسيقى عربية، المشكلة عندما يتحول التخصص إلى عصبية، وعندما يصبح السؤال:

«أنت خريج إيه؟» أهم من سؤال: أنت بتعمل إيه؟

فالآلة لا تسأل صاحبها عن الشهادة، والجمهور أيضًا لا يخرج من الحفلة ليقول:

«يا جماعة، الأداء كان ممتازًا، بس يا ترى عازف الكمان خريج إيه؟ الجمهور، فقط، يريد أن يسمع.

هنا أصل إلى النقطة الأهم في الأزمة

حتى الآن، ما نراه ليس خلافًا فنيًا خالصًا، وإنما خليط من المال والإدارة والأجور والاختيارات الفنية وكرامة الفنان، ثم جاءت التصريحات لتضع البنزين بجوار النار، والأزمة الحقيقية أن مهرجان الموسيقى العربية ليس حفلة عادية.

إنه واحد من أهم المهرجانات التي تحمل اسم الموسيقى العربية في مؤسسة ثقافية رسمية، ولذلك فإن أي حديث عن نقص المال أو أجور الفنانين أو غياب النجوم لا يبقى مجرد شأن داخلي في الأوبرا، بل يتحول فورًا إلى حديث عن صورة مصر الثقافية نفسها.

لهذا كان اعتراض هاني فرحات على طريقة طرح الأزمة لافتًا؛ فقد رأى أن الحديث عن محدودية الميزانية بهذا الشكل لا يليق بتاريخ المهرجان، واقترح البحث عن حلول أخرى مثل الرعاة ومصادر التمويل.

ثم جاءت استقالة رضا الوكيل

أو اعتذاره عن الاستمرار، بحسب التعبير الذي استخدمه.

ثم عاد الرجل إلى مكتبه بعد ساعات قليلة، بحسب ما نشرته «مصراوي»

هنا أصبح عندنا نوع جديد من الحفلات:

حفل الاستقالة والعودة، والله أعلم، هل يحتاج إلى تذاكر أم يدخل ضمن الدعوات المجانية، أما آمال ماهر وعاصي الحلاني، فقد دخلا المشهد من الباب الآخر تمامًا:

التنازل عن الأجر دعمًا للمهرجان، بينما تنازل عمر خيرت عن نصف أجره.

هذا يجعل السؤال أكثر إلحاحًا:

إذا كان بعض النجوم مستعدين للتنازل عن أجورهم من أجل استمرار المهرجان، فلماذا وصلنا أصلًا إلى هذه النقطة؟
هل المشكلة في حجم الميزانية فعلًا؟ أم في طريقة توزيعها؟

أم في إدارة المهرجان؟

أم في غياب الرعاة؟

أم في سوء التواصل بين الإدارة والفنانين؟

أم أن كل هذه الأسباب اجتمعت في لحظة واحدة، فوجدنا المهرجان واقفًا في منتصف الخناقة لا يعرف من الذي ضربه؟

لكن اللغز الأكثر إثارة، وهو:

لماذا كلما أعلنت الفنانة المصرية آمال ماهر عن مشاركتها في إحدى الحفلات بمصر، حتى ولو في كازينو أبو تشت، افتُعلت المشاكل إثر المشاكل حتى تُلغى الحفلة؟

هل في ذلك علاقة بجناب المستشار مشرف حفلات الترفيه الحديثة ببلده؟

أما حكاية الكونسرفتوار والموسيقى العربية، فأنا لا أعتقد أنها تصلح وحدها لتفسير ما حدث، لكنها تكشف شيئًا أخطر:

أن داخل الوسط الموسيقي نفسه حساسيات قديمة، وأن الأزمة المالية استطاعت أن تفتح الباب أمامها، وأن فناني الكلاسيك الأوبرالي، والأوركسترا السيمفوني الغربي، ينظرون نظرة فوقية متعالية إلى زملائهم فناني الموسيقى الشرقية.

هنا ينبغي أن نتوقف، لأن مصر لا تملك رفاهية أن تجعل الموسيقى العربية والعلوم الموسيقية الحديثة يتعاملان كأنهما دولتان متجاورتان وبينهما نقطة تفتيش، نحن في حاجة إلى الكونسرفتوار، ونحن في حاجة إلى معاهد الموسيقى العربية.

نحن في حاجة إلى العازف الذي يعرف باخ، وإلى العازف الذي يعرف القصبجي، وإلى المايسترو الذي يستطيع أن يقود أوركسترا سيمفونية، وإلى الموسيقي الذي يعرف كيف يجعل العود يقول جملة لا تستطيع عشرون آلة غربية أن تقولها.

المشكلة ليست في اختلاف المدارس، المشكلة عندما تتحول المدارس إلى جدران

أما مهرجان الموسيقى العربية، فنتمنى أن يخرج من هذه الأزمة بأقل خسائر ممكنة، وأن يعود ليقدم لنا ما جاء من أجله أصلًا: الموسيقى، لا بيانات الاعتذار، ولا بيانات الاستقالة، ولا معارك فيسبوك، ولا مباراة كونسرفتوار ضد موسيقى عربية.

لأن الجمهور في النهاية لا يريد أن يعرف من كسب الخناقة.

الجمهور يريد أن يجلس في الظلام، وتُفتح الستارة، ويخرج الصوت من مكان ما في القلب، فينسى للحظات أن عندنا أصلًا مشكلة في الميزانية.

كل ما يعنيني كمحب للموسيقى أن أخرج من بيتي خالي البال، إلا من أمنيات بقضاء ليلة موسيقية رائعة، تخرجن من كل ما يحيط بنا من إحباط وهزيمة وضياع وعنف وقسوة أوضاع معيشية.

شارك المقال:

شاركنا برأيك