محمد الروبي يكتب: “آرت دي إيجيبت”حين يتفلسف التطبيع تحت سفح الهرم
إذا كان المطلوب من الفنون أن نتغاضى عن الجرائم كي نتأمل جمال الأعمال، وأن ننسى الضحية كي نحتفي بموهبة من يساند الجاني، فلتذهب هذه الفنون إلى الجحيم.
حرية الإبداع والثقافة لا تعني أن اقبل ان هناك من يدعم جرائم الاحتلال ضد الأطفال والسيدات
بعض المثقفين المصريين لا يكتفون بتبرير التطبيع مع العدو الصهيوني، بل يحاولون تقديمه باعتباره دفاعًا عن الثقافة والفنون، وانتصارًا لحرية الإبداع، واحتفاءً بجمال الأعمال الفنية وفرادتها وحداثتها.
يفعلون ذلك بلغة متفلسفة تستدعي مفاهيم نبيلة في ذاتها، لكنها تُستخدم أحيانًا لإبعادنا عن السؤال الأساسي، ونقلنا من أرض الصراع إلى منطقة تتكاثر فيها المصطلحات وتضيع الحقائق.
إنه ذلك الكلام الذي يدور ويحور في معنى الثقافة والفنون، ويستدعي مقولات من قبيل إن الفن لا وطن له، وإن الإبداع ينبغي أن يُحاكم بمعاييره الجمالية وحدها، وإنه ليس من حقنا رفض أعمال فنان لمجرد اختلافنا مع مواقفه السياسية.
كلام يبدو، للوهلة الأولى، دفاعًا عن حرية الفن، لكنه قد يتحول، عند تطبيقه على حالات بعينها، إلى وسيلة لتبرير التطبيع وتجاهل المسؤولية الأخلاقية.
من هذا الباب خرج علينا أحدهم مستنكرًا رفض مثقفين وفنانين عرب في مصر مشاركة نحات ورسام فرنسي أعلن مرارًا دعمه للكيان الصهيوني، في احتفالية فنية يُقال إن مؤسسة مجهولة الهوية ستقيمها عند سفح الأهرام.

لم يتوقف الرجل طويلًا أمام دلالة استضافة فنان يتبنى هذا الموقف، ولا أمام طبيعة المؤسسة المنظمة للفعالية أو الرسالة التي يمكن أن يحملها حضوره في هذا التوقيت.
اختار أن يحدثنا عن جودة الأعمال الفنية، وفرادتها، وحداثتها، وضرورة النظر إليها بمعزل عن مواقف صاحبها السياسية.
هكذا أصبح المعترضون على المشاركة في حاجة إلى درس في التفتح، بينما احتكر المدافع عن المبادرة موقع المثقف المستنير، وكأن الاعتراض على استضافة فنان مؤيد لـ(إسرائيل ) لا يصدر إلا عن ضيق الأفق أو العجز عن التمييز بين الفن والسياسة.
يا لها من حيلة مريحة!
أن نتحدث عن الجمال بدلًا من الموقف، وعن حرية الإبداع بدلًا من المسؤولية، وعن عالمية الثقافة بدلًا من السؤال عما يعنيه الاحتفاء بفنان يعلن دعمه لدولة تواصل ارتكاب الجرائم بحق الشعب الفلسطيني.
وإلى أولئك المتفلسفين نوجه السؤال، من قال إن الاعتراض على مشاركة فنان يعني بالضرورة إنكار القيمة الفنية لأعماله؟ ومن قال إن الاعتراف بموهبة الفنان يلزمنا باستضافته وتكريمه ومنحه منصة ثقافية؟
ثمة فارق واضح بين أن نناقش عملًا فنيًا ونقدّر قيمته الجمالية، وبين أن نقرر الاحتفاء بصاحبه في فعالية عامة.
فليس كل عمل جيد يجعل صاحبه بمنأى عن المساءلة، كما أن الاعتراف بقيمة الإبداع لا يفرض علينا الصمت إزاء المواقف التي يتبناها المبدع.

الفن ليس محكمة سياسية،نعم، لكنه أيضا ،ليس جزيرة معزولة عن الأخلاق والتاريخ والواقع.
صحيح أن الفنون تعبر الحدود، وأنها تملك قدرة استثنائية على التواصل بين البشر، لكن عالمية الفن لا تعني انعدام المسؤولية، كما أن تجاوز الحدود الجغرافية لا يعني تجاوز الحدود الأخلاقية.
ولا يمكن أن تتحول عبارة “الفن لا وطن له” إلى صك براءة يتيح للفنان الإفلات من كل مساءلة، مهما كانت طبيعة مواقفه.
والسؤال هنا ليس ما إذا كان الفن قادرًا على جمع البشر، بل أي نوع من العلاقات نريد لهذا الفن أن يفتح المجال أمامها، وعلى أي أساس؟
إن الحديث عن “تأمل العلاقة بين البشر” يبدو جميلًا، إلى أن نسأل عن طبيعة هذه العلاقة، هل نتحدث عن حوار بين أطراف متكافئة، أم عن علاقة بين قاتل ومقتول، بين قوة تمارس الاحتلال والقتل والتهجير، وشعب يدفع ثمن ذلك من حياته وأرضه ومستقبله؟
هل يكفي أن نجمع هؤلاء تحت سقف الثقافة حتى تصبح العلاقة بينهم جديرة بالاحتفاء؟
إن الدعوة إلى الحوار لا تعني إلغاء الفوارق بين الجاني والضحية، كما أن الاحتفاء بالجمال لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتجميل الواقع أو حجب ما فيه من ظلم.
نحن لا نطالب الفن بأن يتحول إلى منشور سياسي، ولا نطالب الفنان بأن يتبنى مواقفنا في كل قضية.
لكن ثمة فارقًا بين الاختلاف في الرأي وبين إعلان دعم دولة ترتكب جرائم بحق شعب آخر. وثمة فارقًا بين استضافة فنان مختلف معنا في قضية خلافية، وبين التعامل مع تأييده لـ(إسرائيل) وكأنه تفصيل لا ينبغي أن يعكر صفو احتفالنا بالجمال.
ثم إن الفعاليات الثقافية ليست محايدة بالضرورة، فالمؤسسات التي تنظمها تختار المشاركين، وتمنحهم الاعتراف، وتحدد طبيعة المساحات التي يظهرون فيها.
ومن حق الجمهور أن يسأل عن هذه الاختيارات ودلالاتها، وأن يناقش ما إذا كانت الاستضافة تمثل احتفاءً فنيًا محضًا أم تحمل، في سياقها، رسالة تتجاوز حدود الفن.
لذلك، فإن السؤال عن المؤسسة المنظمة للفعالية، وعن أهدافها، وعن أسباب اختيار الفنان وتوقيت استضافته، ليس اعتداءً على حرية الإبداع، بل ممارسة مشروعة لحق المجتمع في مساءلة ما يُقدَّم باسمه وفي فضائه العام.
المفارقة أن بعض من يطالبوننا بالفصل بين الفن والسياسة لا يتعاملون مع هذا الفصل بوصفه مبدأ ثابتًا، بل يستدعونه حين يصبح مريحًا لمواقفهم.
فالفن نفسه يمكن أن يكون موقفًا، واختيار الفنانين وتقديمهم للجمهور قد يحملان دلالات سياسية وثقافية، حتى حين تُغلَّف المبادرة بخطاب إنساني عام.

إن المقاطعة الثقافية، حين تكون موقفًا من الاحتلال والعدوان، ليست بالضرورة عداءً للفن أو إنكارًا لقيمة الإبداع.
إنها إحدى وسائل التعبير عن الرفض، ومحاولة لمنع الثقافة من التحول إلى غطاء يمنح القبول والشرعية لمواقف تتعارض مع قيم العدالة والحرية.
وقد يختلف الناس حول حدود المقاطعة ووسائلها، لكن لا يجوز اختزال أصحابها في مجموعة من المتعصبين الذين لا يفهمون الفن.
الأمر لا يقتصر على مصر، فالنقاش حول مسؤولية المؤسسات الثقافية والفنانين إزاء الحرب على الفلسطينيين حاضر في أوساط فنية وثقافية مختلفة حول العالم.
وهذا وحده كافٍ لإثبات أن السؤال عن مواقف الفنانين ليس خروجًا على تقاليد الفن، ولا انتقاصًا من حريته، بل جزء من النقاش حول علاقة الثقافة بالعالم الذي تنتج فيه أعمالها وتُعرض.
إن المشكلة في خطاب المتفلسفين ليست أنهم يدافعون عن جمال الفن، بل أنهم يريدون أحيانًا تحويل هذا الجمال إلى حجة لإسكات الأسئلة الأخلاقية.
وبدلًا من مناقشة موقف الفنان، يطالبوننا بألا نجعل موقفه موضوعًا للنقاش أصلًا. وبدلًا من الإجابة عن السؤال، يتهمون السائل بأنه لا يفهم طبيعة الفن.
هكذا يتجاوز المتفلسف أصل الشجرة، ويدعونا إلى تأمل جمال الغصن
لكننا لا نحتاج إلى دروس في التفتح كي نفهم أن العمل الفني قد يكون جديرًا بالتأمل، وأن صاحبه قد يتخذ موقفًا يستحق الرفض.
ولا نحتاج إلى التخلي عن حقنا في الاعتراض كي نثبت احترامنا لحرية الإبداع. فحرية الفنان لا تعني إلزام الجمهور بالاحتفاء به، كما أن استقلال الفن عن الدعاية السياسية لا يعني إعفاء الفنان من تبعات مواقفه المعلنة.
إذا كان المطلوب من الفنون أن نتغاضى عن الجرائم كي نتأمل جمال الأعمال، وأن ننسى الضحية كي نحتفي بموهبة من يساند الجاني، فلتذهب هذه الفنون إلى الجحيم.
فالجمال الذي يُطلب منا أن نغلق أعيننا عن الألم من أجله ليس بريئًا بالضرورة، والثقافة التي تخشى تسمية الأشياء بأسمائها تفقد شيئًا من معناها، مهما ازدانت لغتها بالفلسفة والحداثة والحرية.
شاركنا برأيك