مقالات
محمد حماد
محمد حماد

كاتب صحفي

حين تُدار السياسة كرقعة شطرنج لا كطاولة قمار

يران تدخل أي مسار تفاوضي بوصفه امتدادًا لتاريخ طويل من الصبر الاستراتيجي، منذ ما بعد الحرب مع العراق، تشكّلت لدى طهران قناعة بأن الزمن ليس عامل ضغط عليها، بل أداة من أدواتها.

مشاركة:
حجم الخط:

ترامب يعلن تمديد وقف إطلاق النار، لكن ما لم يُقال في البيان، أهم بكثير مما قيل فيه.
المؤكد أن ما يجري ليس مجرد خلاف على بنود اتفاق، بل هو في الصميم صدام بين طريقتين في فهم التفاوض نفسه.

إيران تدخل أي مسار تفاوضي بوصفه امتدادًا لتاريخ طويل من الصبر الاستراتيجي.

منذ ما بعد الحرب مع العراق، تشكّلت لدى طهران قناعة بأن الزمن ليس عامل ضغط عليها، بل أداة من أدواتها.
لهذا لا تتعامل مع التفاوض كحدث، بل كعملية تراكمية تُبنى فيها المواقف طبقة فوق طبقة، ويُختبر فيها الخصم قبل أن يُختبر النص.

في هذه المدرسة، لا تُفصل الدبلوماسية عن الميدان.

محمد حماد يكتب: ما بعد الحرب تحولات حثيثة لا زلازل مفاجئة

محمد حماد يكتب: كيف نفهم ترامب ونتعامل معه؟

الرسالة تُكتب في مكانين معًا: على الطاولة، وعلى الأرض.

كل جولة تفاوض ليست فقط بحثًا عن اتفاق، بل إعادة تعريف لموازين القوة التي سيُكتب بها هذا الاتفاق.
لهذا تُصر طهران على قاعدة تبدو بسيطة لكنها حاسمة: لا تفاوض تحت الضغط.
ليس كشعار، بل كآلية عمل.

طهران تدرك أن القبول بالتفاوض في ظل الحصار، يعني تثبيت هذا الحصار كأداة شرعية في كل جولة لاحقة، بالإجمال هي لن تجلس إلى الطاولة دون تعديل موازين الضغط.
في المقابل، يأتي أسلوب ترامب من عالم مختلف تمامًا.

عالم الصفقات السريعة، حيث القيمة ليست في بناء المسار، بل في حسم النتيجة.
التفاوض هنا ليس عملية طويلة، بل لحظة ضغط قصوى يُفترض أن تُنتج تنازلًا سريعًا.
ترامب لا يحب الزمن المفتوح.

يريد نتائج قابلة للإعلان، انتصارات يمكن تسويقها، وصورًا تُختصر فيها السياسة إلى صفقة مربحة.
هذا النمط يصطدم مباشرة بالعقلية الإيرانية. حين يرفع سقف الضغط، تتراجع طهران خطوة إلى الخلف، لا لتنسحب، بل لتُطيل أمد اللعبة. وحين يطلب تسريع الوصول إلى اتفاق، تُبطئ هي الإيقاع، وتُعيد توزيع الأوراق.

هنا يظهر التباين الحاسم: ترامب يتفاوض بعقلية الجولة الواحدة، وطهران تفاوض بعقلية المباراة الطويلة. ولهذا، تبدو كل جولة كأنها إعادة ضبط للزمن نفسه.

الطرف الذي يستعجل، يستهلك أوراقه أسرع. والطرف الذي يصبر، لا يحتاج أن ينتصر فورًا، يكفيه ألا يُهزم.
من هذه الزاوية، لا يُفهم ما يجري بوصفه تراجعًا أمريكيًا كاملًا، ولا انتصارًا إيرانيًا نهائيًا، بل كترجيح مؤقت لكفة من يُحسن إدارة الإيقاع على من يُحاول كسر الزمن.

تمديد مهلة وقف إطلاق النار لا يعني ابتعاد الحرب، بل قد يكون اقترابها المؤجل، إذا مضت مقامرات ترامب إلى نهاياتها الكارثية.

شارك المقال: