مقالات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

هرمز: حين يكفي الشك لتعطيل العالم

في هذا الممر الذي يعبره نحو خُمس النفط العالمي، لا تكمن الخطورة في حجم التدفق، بل في هشاشة استمراره، وقد أظهرت حوادث استهداف الناقلات عام 2019—كما وثّقتها (المنظمة البحرية الدولية) وتحليلات (لويدز ليست)

مشاركة:
حجم الخط:

لا يحتاج مضيق هرمز إلى أن يُغلق كي يهزّ الاقتصاد العالمي يكفي أن يُشكّك في استقراره.
في هذا الممر الذي يعبره نحو خُمس النفط العالمي، لا تكمن الخطورة في حجم التدفق، بل في هشاشة استمراره، وقد أظهرت حوادث استهداف الناقلات عام 2019—كما وثّقتها (المنظمة البحرية الدولية) وتحليلات (لويدز ليست)—أن الأسواق لا تنتظر الانقطاع كي تتفاعل، بل تعيد تسعير المخاطر عالميًا بمجرد ارتفاع احتمال التعطّل.
وفي بعض فترات 2019، قفزت أقساط التأمين على ناقلات النفط في الخليج عدة أضعاف خلال أيام—دون أن يتوقف التدفق فعليًا.

ناقلة تنتظر مرافقة عسكرية لا تمثل تأخيرًا لوجستيًا فحسب، بل لحظة يتحول فيها الزمن إلى تكلفة عالمية.

ومع ارتفاع أقساط “مخاطر الحرب” يصبح الشك نفسه جزءًا من سعر الطاقة.

وكما يلاحظ Daniel Yergin (دانيال يرغن)، فإن التوقعات لا تسبق الوقائع فحسب، بل قد تعيد تعريف السوق عندما تصبح هي المحرّك الأساسي للتسعير.

١) البنية: توليد الخطر كخاصية دائمة

لم يعد السؤال: هل سيُغلق المضيق؟
بل: متى يصبح المرور فيه مخاطرة؟
بهذا التحول، ينتقل هرمز من موقع جغرافي إلى بنية تُنتج الخطر بصورة مستمرة.
تقوم هذه البنية على تفاعل ثلاثي ثابت:
– ضيق جغرافي يفرض الاختناق،
– واعتماد عالمي كثيف يضاعف الحساسية،
– وتزاحم قوى متنافسة يضمن الاحتكاك.
تشير تحليلات (مجلس العلاقات الخارجية) إلى أن نقاط الاختناق البحرية تولّد بطبيعتها توترات متكررة، بينما يرى باحثون في (مؤسسة راند) أن هذا النمط يعكس تنافسًا منخفض الحدة لكنه دائم.
ضمن هذه البنية، لا يكون التوتر انحرافًا عن القاعدة، بل تعبيرًا عنها. القوى الفاعلة لا تخرج عن النظام، بل تُعيد إنتاجه عبر احتكاكات محسوبة. لذلك، فإن استقرار هرمز ليس حالة مستقرة، بل توازن هشّ مُعاد التشكّل باستمرار.

نشرة أخبار إيران المسائية

تصعيد غير مسبوق في مضيق هرمز

٢) الآلية: تسعير الشك قبل وقوع الحدث

في هرمز، تعمل السوق وفق منطق يتجاوز التدفق الفعلي إلى التوقع الاحتمالي. هنا يتحول الشك من إدراك ذهني إلى متغير اقتصادي قابل للقياس.
تشير تقديرات(وكالة الطاقة الدولية) و (إدارة معلومات الطاقة الأمريكية) إلى مرور نحو 20 مليون برميل يوميًا عبر المضيق. غير أن القيمة الحاسمة ليست في الكمية، بل في قابلية استمرارها.

ويؤكد (صندوق النقد الدولي) أن مجرد اضطراب محتمل في الإمدادات كفيل بالتأثير في التضخم والنمو.

تتقاطع هذه الديناميكية مع أطروحات (روبرت كيوهان)، حيث يتحول الاعتماد المتبادل من مصدر استقرار إلى مولّد هشاشة. فكلما زادت كثافة الترابط، ارتفعت كلفة الشك.
ضمن هذه الآلية:
• ترتفع أقساط التأمين قبل الأزمة
• تتحرك الأسعار قبل الانقطاع
• يُعاد تعريف السوق قبل وقوع الحدث
كما لا يبقى الإطار القانوني ثابتًا؛ إذ تشير تحليلات (تشاتام هاوس) إلى أن قواعد الملاحة تُعاد صياغتها وفق موازين القوة، بينما تؤكد (مجموعة الأزمات الدولية) أن حرية الملاحة تتحول من مبدأ قانوني إلى قدرة قابلة للفرض. بذلك، يصبح الشك عنصرًا مُكوِّنًا للسعر، لا انعكاسًا له.

٣) المسار: تصاعد دون إغلاق وتآكل في اليقين

لا يتخذ التوتر في هرمز شكل الانفجار، بل يسير عبر تصاعد تدريجي تحت العتبة. تشير تقديرات (مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية) إلى أن هذا النمط أصبح سمة للصراعات الحديثة، بينما تحذر (مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي) من أن هذا التوازن الهش يزيد احتمالات الخطأ غير المقصود.
يؤكد التاريخ هذا المسار؛ فخلال حرب الناقلات، كما في (أزمة السويس 1956)، لم يكن الإغلاق الكامل شرطًا لاضطراب النظام العالمي. يكفي أن يصبح التعطّل ممكنًا حتى تبدأ الآثار في الانتشار.
تمتد هذه الآثار إلى ما وراء الطاقة؛ إذ تشير تقديرات (البنك الدولي) و (منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية) إلى أن صدمات الطاقة تنتقل سريعًا إلى التضخم وسلاسل الإمداد. أما البدائل، فتظل محدودة؛ إذ تؤكد (وكالة الطاقة الدولية) أنها لا تستطيع تعويض صدمة بحجم تدفقات هرمز في المدى القصير.
المحصلة البنيوية ليست توقف التدفق، بل تآكل
القدرة على التنبؤ به:
• التدفق يستمر
• المخاطر تتصاعد
• اليقين يتراجع

الخلاصة
مضيق هرمز ليس مجرد ممر للطاقة، بل بنية تُنتج الخطر، وآلية تُسعّر الشك، ومسار يُراكم التوتر.
ولا يبدأ الخطر عندما يتوقف النفط،
بل عندما يصبح تدفقه غير قابل للتنبؤ.
العالم لا يخشى انقطاع الطاقة… بل يخشى أن يصبح تدفقها مقامرة.

شارك المقال: