معارك الخالدين الأدبية تراثٌ ومستقبل
ستطيع القول باطمئنان أن هذه المعارك ضاربة في عمق التاريخ، ويمكننا مراجعة المسابقة التي حكمت فيها زوجة امرئ القيس لعلقمة الفحل فيها بالفوز، وقد عللت حكمها بأسباب موضوعي

صورة تعبيرية عن العصور القديمة
بقلم: أحمد سراج
“فضلت زوجة امرئ القيس علقمة بن عبدة عليه.. وتركت أمير الشعراء للفحل”
“سيف الدولة صفع المتنبي على وجهه”
“ابن خالويه رمى المتنبي بدواة شجت رأسه”
“سبب القطيعة بين سيف الدولة والمتنبي هي مكائد دبرها حساد الشاعر”
“المتنبي كان عاشقًا لخولة أخت سيف الدولة”
هذا ما يبقى من هذه المعارك التي تركت لنا أثرًا خالدًا – لم نهتم به – واهتممنا بالغبار.. بالغبار فقط. ومثل ما جرى مع امرئ القيس والمتنبي جرى بين جرير والفرزدق والأخطل؛ إذ تحفل نصوص نقائضهم بتاريخ ثري وبأداء لغوي ماتع؛ فكل واحد منهم كان أستاذًا في دربه “جرير يغرف من بحر.. والفرزدق ينحت في الصخر”.. ولقد جهد القدماء أنفسهم في جمع الخصومات النقدية والنقائض الشعرية.. لكننا بحاجة إلى إخراجها الآن وقراءتها وصولاً للجوهر، وبحاجة أكثر إلى توثيقها فهي كما يقول عبد اللطيف شراره: “تنشأ في كل مكان وكل زمان” وهي “مرتبطة بالإنتاج، ونقد الإنتاج، ورد النقد” وهي “تُرد إلى ثلاثة أشياء؛ المزاج والذوق والاتجاه”.
فكيفية حدوث هذه المعارك، وكيفية انقسام الناس حولها، وطرائق كل فريق في التعبير عن معتقده أو مشروعه أو دوافعه.. بحاجة إلى رصد وتوثيق ودراسة.
هذه دعوة إلى قراءة منجزنا من خلال عين مختلفة
عين ثالثة.. فلطالما انتصر كاتب لمنهجه أو لمنهجٍ أحبه..
(1)
نستطيع القول باطمئنان أن هذه المعارك ضاربة في عمق التاريخ، ويمكننا مراجعة المسابقة التي حكمت فيها زوجة امرئ القيس لعلقمة الفحل فيها بالفوز، وقد عللت حكمها بأسباب موضوعي.
فيما ذهب الإخباريون إلى أن السبب هو ضعف امرئ القيس الجنسي في مقابلة الفحل – هذا إن صحت المروية ذاتها فقد رُوي أنَّ امرأ القيس لما كان عند بني طَيء زوَّجوه منهم أم جندب وبقي عندهم ما شاء الله، وجَاءهُ يوما علقمة بن عبدة التَّميمي وهُو قاعدٌ في خيمته، وخلفهُ أم جندب فتذاكرَا الشعر.
فقال امرؤ القيس قصيدته التي مطلعها: خَليلَيَّ مُرَّا بِي عَلى أُمّ جُنْدَبِ … نُقضِّ لُبَانَاتِ الفُؤَادِ المُعَذَّبِ
ثم قال علقمة: ذَهبتَ منَ الهُجرانِ فِي غَيرِ مَذهَبٍ … وَلــم يـَكُ حــقّاً كـلّ هَـذا التَّجَنّب
واستطردَ كلٌّ منهمَا في وصف ناقته وفرسه، فلما انتهيا تحاكما إليها فحكمت لعلقمة بالجودة والسبق. فقال لها امرؤ القيس: بم فضلت شعره علي شعري؟ قالت: لأن فرس ابن عبدة أجود من فرسك !قال: وبماذا ؟ قالت: إنك زجرت، وضربت بسوطك. وهي تعني قوله في وصف فرسه: فـللــساق ألـهـوب وللـسوط درة … وللــزجر منــه وقـع أخرج مهذب
ماذا أخفى الإمام في جمهورية لأفلاطون؟
أحمد سراج يكتب: لقاء على عتبات الرحيل
مكاشفة لإعادة البناء.. الفارس يعلق الجرس
أما علقمة فقال: فـأدركــهن ثـانيــا مــن عنانه … يمــر كـــمر الــرائح المتـحلب
ففرسه أجود من فرسك ؛ لأنه قد أدرك الخيل ثانيا من عنانه من غير أن يضربه بسوط أو يحرك ساقيه !!فقال امرؤ القيس: ما هو بأشعر مني، ولكنك له وامقة (محبة وعاشقة) فطلقها فخلف عليها علقمة؛ فسمي بذلك الفحل.
أما الخصومات التي كان طرفاها شعراء فهي أكثر من أن تعد، فقد كانت ولادة شاعر مفخرة للقبيلة أكثر من الانتصار في معركة، ومن هنا بدا أن تفوق شاعر هو تفوق قبيلة وإعلاء ذكرها للأبد.
وتطور الأمر إلى حد ضرب قبة في أكبر سوق والاستماع إلى كل أفضل الشعراء واختيار الأفضل, وكانت هذه المعارك واللقاءات من أسباب سيادة لغة معيارية “الفصحى المعروفة الآن” وكان من أسبابها ارتقاء الفن الشعري وذيوعه وانتشاره في أرجاء الجزيرة بكاملها، فعرف الناس قصائد عنترة والخنساء وامرئ القيس وقواعد النص العربي وعموده دون قاعدة مكتوبة، أو توجيهات نظرية.
ها هو النابغة الذبياني يجلس تحت قبة حمراء؛ فتنشده الخنساء:
قذى بعينكِ امْ بالعينِ عوَّارُ امْ ذرَّفتْ اذْخلتْ منْ اهلهَا الدَّارُ
كأنّ عيني لذكراهُ إذا خَطَرَتْ فيضٌ يسيلُ علَى الخدَّينِ مدرارُ
فيقول: لولا أن ” الأعشى ” أنشد قبلك، لفضّلتك على شعراء هذه السنة. وهنا يغضب حسان بن ثابت؛ فيستنشده النعمان فيقول:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما.
فيحدد له النابغة مواطن ضعفه: إنك قلت: (الجفنات) وهي من جمع القلة، والأحسن لو قلت (الجفان) لكثرة العدد. وقلت: (يلمعن) (في الضحى) أي تلمع في وضح النهار، ولو قلت (يبرقن) (في الدجي) لكان أبلغ لأن الضيوف في الليل أكثر طروقا. وقلت أيضا: (أسيافنا) وهي جمع قلة ولو قلت (سيوفنا) جمع كثرة لكان أفضل. وقلت (يقطرون دما) أي تسيل منها قطرات الدم. ولو قلت (يجرين) لكان أفضل فجريان الدم دلالة على كثرة القتلى من الأعداء.
ساد القرن الرابع الهجري النقاش على أي الشعراء أكثر تميزًا
المتنبي وأبي تمام والبحتري، للدرجة التي قسمت النقاد إلى متحيز ومنصف
2-
ومع مجيء الإسلام بدا الصراع بين أفكار ومبادئ، بين دعوة الإسلام والرافضين لها، ولئن بدا الأمر هجوما لاذعًا على يد الزبعرى وكعب بن زبير؛ فقد وصل في عام الوفود إلى حجاج هادئ منطقي، ولعل من الملاحظ أن الاختلاف هنا لم يكن على من أكثر شعرًا.. ولكن على من استطاع بكلامه أن يزين مبادئه ويجعلها أقرب للناس، ويمكن في هذا السياق مطالعة نص الزبرقان بن عدي الذي مطلعه:
نحن الكرام فلا حي يعادلنا منا الملوك وفينا تنصب البيع
ونص حسان بن ثابت المرتجل الذي مطلعه:
إن الذوائب من فهر وأخوتهم قد بينوا سنة للناس تتبع
وعلى تباعد كان القراء يتخذون من خبرتهم ما يجعلهم حكاما لتفضيل شعراء كما فضل الإمام علي امرأ القيس، وفضل الفاروق عمر بن الخطاب زهير بن أبي سلمى.
“فضلت زوجة امرئ القيس علقمة بن عبدة عليه.. وتركت أمير الشعراء للفحل”
(3)
بصعود الأمويين سدة الحكم صارت مساجلات الشعراء فنًّا بذاته، أشهر فن شعري في هذا العصر، إضافة إلى فرق تميم الداري التي كانت تحكي قصصًا بعينها أمام المساجد وداخلها، ولئن عُزيَ هذا إلى سبب سياسي؛ فإن طبائع البشر الطامحة إلى الأجمل والأفضل سبب أعلى، وإلا كيف ينتصر رجل من عامة الناس هو جرير بن عطية على أبناء القبائل الكبرى، بنصه المأخوذ من لغة الشارع – وقتئذ – للدرجة التي كانت تقضي على قبيلة من يهجوه كما حدث مع الراعي النميري.
واللافت هنا أن الشاعرين المتناقضين ربما قامت بينهما صداقة تصل حد أن يرثي جريرُ الفرزدق حين مات، واللافت أن الشعراء كانوا يعترفون لمتفوقهم بالسبق والتميز كما شهد الأخطل لجرير وللفرزذق.
“سيف الدولة صفع المتنبي على وجهه”
“ابن خالويه رمى المتنبي بدواة شجت رأسه”
(4)
عصر النقد والكتابة في مواجهة عصر الشعر هذا ما يمثله العصر العباسي بامتياز؛ فقد صار الأمر صراعًا بين الناقد الذي يرى نفسه حاس التقاليد فيما الشاعر يرى أن خطاه هي التقاليد، وما من شاعر مفلق إلا وارتطم بنقاد هذا الزمان، وسرعان ما ألفت الكتب، وما أبرز عمود الشعر التطبيقي في مواجهة تجديد أبي تمام الذي لم يكتف بنصه المجدد، ولا بردوده المفحمة:” ولم لا تفهم ما يقال؟” أو “ائتني بريشة من جناح الذل”.. وإنما بمختارات شعرية “الحماسة” يثبت فيها أن التجديد هو مكمن الشعرية.
وقد ساد القرن الرابع الهجري النقاش على أي الشعراء أكثر تميزًا؛ المتنبي وأبي تمام والبحتري، للدرجة التي قسمت النقاد إلى متحيز ومنصف، ويمكننا مطالعة موازنة الآمدي في مسألة أبي تمام والبحتري ووساطة الجرجاني في مسألة المتنبي وغيره.. ومن اللافت أن الشعراء كانوا لا يقللون من منجز أحدهما فحين سئل المتنبي قال: “أنا وأبوتمام حكيمان.. والبحتري شاعر”
مع عصر النهضة العربي – ما بعد الحملة الفرنسية على مصر والشام
فقد اشتدت المعارك الأدبية لأسباب فنية
(5)
ومع عصر النهضة العربي – ما بعد الحملة الفرنسية على مصر والشام – فقد اشتدت المعارك الأدبية لأسباب فنية فعلى حين انكب فريق البارودي وشوقي على إحياء النص وإعادته لمكانته، كان العقاد والمازني يحاولن ربط النص بالعصر وبالعالم.. ناهيك عن الصراع السياسي بين ربيب الملوك شوقي وبين ابن العامة العقاد.. هذا غير صراع الأجيال والمجايلين.. ويمكننا هنا أن نطلع على “الديوان في الشعر والنقد” للعقاد والمازني، و “على السفود” للرافعي..
أما المعركة التي كادت تتوارى على الرغم من أهميتها فهي معركة العقاد ممثلاً لنص العمودي وعبدالصبور وحجازي ممثلين لقصيدة التفعيلة.
طورت هذه المعارك أو المنافسات تطورًا رصدته كتب عدة
6-
مع سيادة الصحافة وكثرة المطبوعات وتوفر العقول العلمية وكثرة المسائل الخلافية تطورت هذه المعارك أو المنافسات تطورًا رصدته كتب عدة منها : “معارك أدبية” لمحمد مندور (دار نهضة مصر). و “معارك أدبية قديمة ومعاصرة” لعبد اللطيف شراره (دار العلم للملايين)، و”المساجلات والمعارك الأدبية”. لأنور الجندي (دار المعارف الطبعة الثانية 2008م).
أما كتاب مندور فهو يتحدث عن معاركه الأدبية في مواجهة عصره وكتابه، ولا يني يذكر في كتابه مذهبه النقاد ومنابعه وأساتذته، ولا تتوقف معاكه في مجال الأدب والنقد بل يتناول القضايا الفكرية وعلاقتها بالفنون، كما لا يوقفه حاجز الزمن فيقارن بين شعراء عصره وسابقيهم بمئات السنين.
أما كتاب شرارة فهو موسوعة شاملة أنتهز هذه الفرصة للدعوة إلى إتاحته لجمهور القراء؛ إذ إنه يتناول بالدرس والتحليل سبع عشرة معركة وآراء من عاصروها؛ مؤيدين ومعارضين؛ فهو يعرض لمعركة الشعر ثم التاريخ ثم الفلسفة، ويذهب إلى كبار الشعراء أمثال المتنبي وشوقي وجبران، وما أثير حولهم من معارك، ويتناول القضايا المجتمعية الكبرى مثل تحرير المرأة واستعمال العامية والفصحى.
أما القضايا الأدبية مثل الشعر الحديث وأزمته. ويأتي ثالث الكتب وهو كتاب أنور الجندي الذي يناقش سبعًا وخمسين معركة أدبية ويحدد الجندي إطارها الزمني فيما قبل الحرب العالمية الأولى، وينحو بفهرستها طريقة جيدة فقد قسم الكتاب إلى سبعة أبواب، يضم كل باب عنوانًا عامًّا، ثم يدرج تحته اسم الفصل والكتاب المشاركين فيه؛ فمثلا يأتي الباب السادس بعنوان: “معارك الفكر والحضارة” ويضم عشرين قضية فرعية، منها: الفقه الإسلامي والقانون المدني، ويعرض فيها لرأي الفقيه الدستوري عبدالرازق السنهوري، ورد محمد محمد حسين.






