(انتظار) قصة قصيرة للقاص عادل العجيمي
نظر إلى الباب مرة أخرى. شعر بأن كل ذرة في جسده تخوض صراعًا وحدها ضد قوانين الطبيعة والجسد مستكين، مستسلم لقانون الأرض

كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجرًا عندما اهتز الهاتف بين أصابعه كرجفة عابرة، لكنها كانت كافية لتمزيق الهدوء الهش لغرفته. شاشة مضيئة واسم لم يتبينه جيدا، لكنه أجاب بصوتٍ مثقل بالنوم: “أهلاً يا عم، خير؟”
جاء الردّ كهمسة عميقة، مُبهمة في البداية، ثم تحولت إلى رصاصة باردة استقرت في صدره “البقاء لله يا .. أبوك.. فجأة.”
وصلت الكلمات إلى أذنيه وأخذت تتردد بلا معنى، لم يكن هناك صراخ أو بكاء، بل كان هناك انفصال حاد عن الواقع. رأسه مثل حاسوب تعطل نظام تشغيله فجأة. شعر ببرودة تغلّف أطرافه، وبأن التنفس أصبح صعبا في تلك الغرفة، وكل شيء أصبح لزجًا وثقيلاً. ألقى نظرة سريعة على سقف الغرفة، ووجد أن عليه الآن أن يحاول التنفس، والتحرك.
وصل إلى المستشفى، لم يدر كيف وصل، كان الطريق قفزة عبر الزمن، كان قفزة قلقة مضطربة مشوّهة، لا يتذكر القيادة، لا يتذكر إشارات المرور، يتذكر فقط طنينًا مستمرًا في أذنيه.
في ردهة المستشفى الباردة، حيث تفوح رائحة مطهرات قوية تختلط بأحزان عتيقة، كان المشهد كئيبًا؛ أعمامه كانوا هناك، بوجوه متجمدة مصفرة، يتحدثون بهمسٍ يقطع سكون اللحظة.
توقف أمام باب معدني رمادي يحمل لافتة صغيرة: “ثلاجة الموتى”
لم تكن الثلاجة مجرد مكان لحفظ الجسد، بل كانت الآن الحد الفاصل الذي يفصل حياتين، جلس على الأرض الصلبة التي كانت في برودة جسده، لا يبعد عن الباب سوى مترين، لم يستطع التحرك، كانت الحركة تتطلب روحا وجسدًا، والروح غابت في سماوات لا يحدها حد، والجسد ممدد بلا حراك .
بينما كان يجلس في تلك اللحظات، لم يكن يفكر، كان ينظر هنا وهناك، أشخاص كثيرون لا يتبين ذكرهم من أنثاهم، اللون الأبيض يسيطر على كل شيء، كانت صور أخرى كثيرة تذهب وتجيء، تقتحمه فجأة ثم تتركه للون الأبيض.
ظهر وجه أمه الآن، وهي تتلقى الخبر في البيت، صرختها المكتومة التي يعرفها، ويدها ترتفع لتغطي فمها لتمنع الصوت من الوصول إلى الجيران. صورة دموعها وهي تتساقط دون صوت، كأنها تحاول ألا تصدق.
إخوته الصغار، صورتهم وهم نائمون الآن، لا يعرفون بعد أن البطل الذي كان يحملهم على كتفيه قد أصبح مجرد اسم على ورقة خضراء لعينة.
الجدة صورتها تراءت له وهي جالسة في ركنها المعتاد، عيناها الواسعتان اللتان رأتا الكثير من الفقد. كيف سيتحمل قلبها الهشّ نبأ موت ابنها الأقرب؟ كانت الجدة بالنسبة له الصمود الحقيقي، هل ستصمد؟
كل صورة كانت تُعرض أمامه كانت صامتة، مكسوة بضباب رمادي كئيب
نظر إلى الباب مرة أخرى. شعر بأن كل ذرة في جسده تخوض صراعًا وحدها ضد قوانين الطبيعة والجسد مستكين، مستسلم لقانون الأرض.
صوت يصرخ:ادخل! يجب أن تراه! الوداع الأخير!
وصوت آخر يهمس : لا تفتح هذا الباب. خلفه لا يوجد والدك، خلفه يوجد العدم، والفراغ، ونهاية كل شيء تعرفه.”
أغمض عينيه. تذكر مزحة والده الأخيرة. تذكر صوته الخشن وهو يناديه ويوصيه بإخوته.
فتحت إحدى الممرضات الباب المعدني قليلاً لتمر، فاندفعت موجة من الهواء شديد البرودة نحوه. لم يكن ذلك هواءً، بل كان برودة لعينة تهزم كل جسده وتخترق روحه .
في تلك اللحظة، أدرك الحقيقة بوضوح، أدرك أن والده لن يقوم ليمنحه شيئًا ولو كان هذا الشيء ابتسامه يتقوى بها .
لم يدخل، بقي جالسًا، لم يبكِ، لم يتحدث، ظلّ ثابتًا، وبقي ينتظر أن ينتهي هذا المشهد الذي لا يدري متى سينتهي .
رابط المقال المختصر:




