أحمد سراج يكتب: حريم الجزار معنى جديد نظرة أخرى
القارئ لنص حمدي الجزار "الحريم" يجد نفسه معنيا – من وجهة نظري – بذلك الصراع بين الكاتب وعالمه لإنتاج نص شعاره الإمتاع ودثاره الإقناع عبر تقنيات استعملت في دهاء وخبث

غلاف رواية الحريم
قراءة في رواية الحريم لحمدي الجزار
لا ينقل الناص عالمه، بل يتحاور معه اختلافًا واتفاقًا، وهو في هذا الحوار يعيد بناء عالمٍ فيه ما هو مشترك مع الآخرين، وفيه ما هو جديد، ويكون نتاج هذه المحاورة؛ “النص” النهائي الذي يمثل عالمًا مستقلاً – وإن ارتبط بما هو خارجه –
من ثم يصبح لقراءة النص في هذه الحالة عدة شكول منها:
كيف كتب الناص نصه؟ ما الذي أخفاه؟ لماذا أظهر وأخفى؟
ناهيك عن آليات الجنس الأدبي التي استعملها؟
تلك التي استوردها من أجناس أدبية أخر وفنون قد تبدو للوهلة الأولى مختلفة المشرب.
القارئ لنص حمدي الجزار “الحريم” يجد نفسه معنيا – من وجهة نظري – بذلك الصراع بين الكاتب وعالمه لإنتاج نص شعاره الإمتاع ودثاره الإقناع عبر تقنيات استعملت في دهاء وخبث.
لنجد في نهاية المطاف قبضة من الأسئلة التي يوهم تشظيها بالتفكك والتنافر، فيما الأمر عل وجه الحقيقة مختلف كليًّا.
أحمد سراج يكتب: مأزق أوديب هذا الزمان
أحمد سراج يكتب: دير ياسين.. نحن لا ننسى
الجزار حمدي الجزار روائي مصري ولد في أكتوبر 1970
له روايات سحر أسود ولذات سرية، وكتاب السطور الأربعة، ويعمل في مجال الإعداد التلفزيوني.
إضافة إلى أنه حاصل على ليسانس الفلسفة، وقطع شوطًا لا بأس به في إعداد أطروحة الماجستير، ويعني ما سبق أننا أمام كاتب لديه مؤهلات للتحاور مع عالمه، وإنتاج نص جديدٍ.
الحوار مع العالم الخارجي يبدأ من العنوان “الحريم” والعودة إلى أي معجم (استعمال لغوي) أو استخدام حياتي (تداولي) أو موقف محدد (سياقي)
تكشف أن هذا اللفظ المشتق من (حرم) يتطور باستمرار وينتج دلالات متعددة مختلفة: المنع، التجريم، الإهمال، الحماية، الحبس، التبجيل والتقديس؛ فإن نظرنا إلى لسان العرب مادة (حرم)
التحريم الحِرْمُ، بالكسر، والحَرامُ: نقيض الحلال
المنع وحَرَمَهُ الشيء يَحْرِمُه حَرِماً مثل سَرَقَه سَرِقاً، بكسر الراء، وحِرْمَةً وحَريمةً وحِرْماناً وأَحْرَمَهُ أَيضاً إذا منعه إياه؛ وقال يصف امرأة:
ونُبِّئْتُها أَحْرَمَتْ قَوْمَها… لتَنْكِحَ في مَعْشَرٍ آخَرِينا.
ومنه حديث الصلاة: تَحْرِيمُها التكبير، كأن المصلي بالتكبير والدخول في الصلاة صار ممنوعاً من الكلام والأَفعال الخارجة عن كلام الصلاة وأَفعالِها
التخويف مَحارِمُ الليلِ: مَخاوِفُه التي يَحْرُم على الجَبان أَن يسلكها
الصون والحماية والحَريمُ: ما حُرِّمَ فلم يُمَسَّ.
الترك ولإهمال والحَريمُ: ما كان المُحْرِمون يُلْقونه من الثياب فلا يَلْبَسونه؛ قال: كَفى حَزَناً كَرِّي عليه كأَنه لَقىً، بين أَيْدي الطائفينَ، حَريمُ
الأهل وحُرَمُ الرجلِ: عياله ونساؤه وما يَحْمِي، وهي المَحارِمُ، واحدتها مَحْرَمَةٌ ومَحْرُمة مَحْرُمة.
الصديق والحَريمُ: الـصديق؛ يقال: فلان حَريمٌ صَريح أَي صَديق خالص
العهد والحُرْمَة الذِّمَّةُ
المسكوت عنه ويقال: أَحْرَمْت عن الشيء إذا أَمسكتَ عنه، وذكر أَبو القاسم الزجاجي عن اليزيدي أَنه قال: سألت عمي عن قول النبي، صلى الله عليه وسلم: كلُّ مُسْلم عن مسلم مُحْرِمٌ.
النضج الجنسي وحَرِمَت المِعْزَى وغيرُها من ذوات الظِّلْف حِراماً واسْتحْرَمَتْ: أَرادت الفحل.
الصعب والتَّحْرِيمُ: الصُّعوبة؛ قال رؤبة: دَيَّثْتُ من قَسْوتِهِ التَّحرِيما يقال: هو بعير مُحَرَّمٌ أَي صعب.
إن ما يقدمه لسان العرب من معانٍ هي في الأصل استخدامات لغوية اجتماعية، ومع الأيام والاحتكاكات تنتج دلالات جديدة، وتختفي – إلى حين دلالات أخر –
لو كان لدينا تطور في حركة المعاجم اعتماد على استخدامات الناس للألفاظ، لوجدنا معان جديدة تضاف إلى المعاني السابقة، وهنا يكمل الأدب – دون قصد – عوار

ملاحقة التطور، وهو عين ما جرى في حريم الجزار.
الناص يعلم ما سيحدث لقارئه من توقع طبقًا لدلالة الحريم السائدة في المجتمع المصري خاصة وفي المجتمع العربي عامة.
فلابد أن القارئ سيتخيل حياة النساء الجنسية وهن مختفيات وراء حاجز أراد صاحبه أن يحبسهن به؛ فاستغللنه ليصير ستارًا.
لكن الجزار يضع عنوانه وقد خطط لعالم آخر من الحريم، وعلى مدار 20 فصلا ينسج على مهلٍ عالمًا – وإن كان مسكوتًا عنه بالفعل – يستحق الكشف وبكشفه تنفضح مستورات وتسقط أوابد وتنهار أساطير.
مركز السرد الرئيسي هو حي طولون الشعبي،
واختيار المكان هنا ليس عشوائيًّا فللأحياء الشعبية في المخيلة المصرية والعربية تصورًا ذهنيا يرتبط بالشهامة والرجولة والاحتشام وسيادة الرجل.
حتى حين يخرج الراوي البطل خارج الحي – بدافع الدراسة الجامعية وموجباتها غالبا- فإنه يعود إليه أو يشير له.
زمن بدء النص على التقريب هو 1975م
هذا مرتبط بأن الناص يعلن ص 211 أنه في 31 من ديسمبر 1999 قد أتم الثلاثين، وقد بدأ النص والبطل| الراوي في السادسة، هذا الزمن الذي شابه الانفتاح وتوغل التطرف مع وجود قامات فكرية تصارع من أجل العقل وانتصاره، لكنها تتعرض للقمع والتنكيل في كل لحظة.
هذا الزمن الذي لم تكن العشوائيات قد توغلت لكنها بداياتها لاحت في الأفق، هذا الزمن الذي كان فيه أشياء جميلة تقاوم، هو زمن الحريم.
يبدأ النص بطفل في السادسة تأخذه أمه لتفصيل الزي المدرسي، وينتهي به كهلاً متزوجًا – على يد أمه – من مدرسة فاتها قطر الزواج، ترى هل لكون الأم هذه القدرة دلالة ما؟
يختار الناص راويا محايدًا بحكم سنه الصغيرة في البداية
فيحمل خطابات العشاق فرحًا بالحلوى وربع الجنيه، ويحمل صندوق العدة ويدخل بيت أنس.
ثم يجعل الحياد منهجه وأسلوب حياته فيحتفظ بمسافة ثابتة من مواقف الحياة وشيئًا فشيئًا يتحول الحياد إلى سلبية وانزواء.
فيما تبدو الحريم فاعلات على ضعفهن، قادرات على ظروفهن، مغامرات مقاتلات حكيمات مسببات للبهجة.. إنهن ببساطة الحياة.. المياه التي تجري فيما الرجال محض شواطئ وحواجز لهذه المياه.
النص لا يعري الحريم، لا يكشف سوءاتهن، وإنما منذ اللحظة الأولى يحتفي بالمرأة الرافضة للزواج المعتنية بملبسها، المدافعة عن حريتها(روحية)
إنها المرأة غير القادرة على أن تكمل طريقها في الحياة لأن أخاها لصٌّ يُقتَل (زبيدة)، إنها التي لا تستطيع البوح بعجز زوجها الجنسي (لوزة)
إنها التي تخاف على ابنها وتقسو عليه حينًا وتحنو أحيانًا، وهي الزوجة الغيور شديدة الهلع على زوجها (بطة)
إنها جسد المعرفة الأول (كريمة) إنها المقاومة من أجل الحصول على أرغفة الخبز (زهرة)
إنها الداعي لمعرفة أن بالجسد قلبًا نابضًا (ريم)
إنها البنت العصرية التي تعمل من أجل أن تعيش وتخاف من لحظة – لا بد أن تأتي – يعريها رجل (رانيا)
إنها الحلم الذي يكسر القضبان والحواجز (ابتسام)
إنها المرأة التي تحاول أن تجر الرجل إلى الجنة الموعودة (حفصة) إنها الحبيبة التي لم تظهر فشاخ الرجل وأحس أنه بلا هدف (…)
إنها بائعة المتعة التي تمارس هذه المهنة ببهجة – ولو مصطنعة – (أنس) وبجفاف يليق بخيال مآتة (أرزاق)
إنها اليابانية المكافحة المغتربة من أجل العلم (ساها) إنها الأوروبية الناضجة التي تحدد بدقة الحدود بين كل علاقة (ماري)
إنها المنشدة التي تسلب الأرواح جميعها على اختلاف ثقافاتها (حُسن)، إنها الزوجة مرآة العجز (سلوى)
الجامع المشترك بين هذه النسوة ليس الراوي، ولا المكان ولا الزمان فحسب
إنما الحياة، النسوة مادة الحياة التي يتعين على المرء إن شاء أن يكون رجلا حقيقيًّا أن يفهمهن لا أن يشغل نفسه بهن وبما يجري لهن، هكذا يكتشف سيد في النهاية.
كيف تم استلاب كيان من قيمته التي وضع لأجلها؟
وكيف يمكن إعادة الاعتبار إليه ثانية؟
هذا ببساطة ما أرى أن رواية الحريم الصادرة عن دار صفصافة القاهرية للكاتب حمدي الجزار معنية به.
إنها – وببساطة – تعرية لواقع، ومحاولة رد اعتبار لكائن يحملنا ويتحملنا، فهل من نظرة جديدة؟





