معتز منصور يكتب: سيادةٌ للعواصم.. أم سيادةٌ للشعوب؟
المعيار الحقيقي لأي تفاهم إقليمي ليس عدد العواصم التي تجلس حول الطاولة، ولا مقدار التراجع في التوتر بينها، وإنما ما إذا كان اليمن سيخرج من الحرب أكثر قدرة على امتلاك قراره،
أنصار الله لا يمنحوا صكا على أنهم قادرون على التعبير عن اليمنيين
لم تعد أنصار الله مجرد حركة يمنية تخوض صراعًا على السلطة داخل حدود بلدها. فقد فرضت الحركة نفسها طرفًا في معادلة إقليمية أوسع، بعدما ربطت موقفها من القضية الفلسطينية بممارسة فعلية تجاوزت حدود التضامن السياسي، ووصلت إلى استهداف الكيان الغاصب وتعطيل جانب من حركة التجارة المرتبطة به في البحر الأحمر. وبصرف النظر عن الجدل حول حسابات هذه المواجهة وكلفتها ونتائجها، فإن تجاهل هذا التحول يجعل أي قراءة لمستقبل اليمن ناقصة، ويحول الحركة إلى مجرد تفصيل في صراع بين الرياض وطهران، أو ورقة إيرانية تتحرك وفق حسابات لا تخص اليمنيين.
لقد أصبح لأنصار الله حضور إقليمي لا يمكن تفسيره بمعزل عن موقفهم من فلسطين، ولا يمكن فهم الصراع حول مستقبل اليمن من دون إدراك أن هذا الحضور نفسه بات جزءًا من حسابات القوى التي تريد إعادة ترتيب المنطقة.
تكمن المفارقة في أن عواصم عربية عديدة تتحدث عن استقلال القرار الإقليمي وضرورة التخلص من الهيمنة الأمريكية، بينما يصبح استقلال القرار اليمني موضع خلاف عندما ينتج قوة سياسية وعسكرية لا تنسجم مع حسابات تلك العواصم. فالمشكلة لا تتعلق فقط بمن يملك القرار في صنعاء، وإنما بطبيعة القرار الذي تريد القوى الإقليمية السماح به، وبالحدود التي ترسمها لحركة سياسية خرج تأثيرها إلى البحر الأحمر ووصل إلى قلب الحسابات الإسرائيلية. وإذا كان من حق دول المنطقة أن توسع هامش استقلالها عن واشنطن، فهل يحق لليمن أن يفعل الشيء نفسه، أم أن استقلال القرار يصبح مقبولًا عندما يخدم مصالح الدول، ومرفوضًا عندما يمنح حركة مقاومة قدرة على التأثير في موازين الإقليم؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يحكم النقاش حول أي تفاهم مصري إيراني أو سعودي إيراني، وحول كل مسعى لإغلاق ملف الحرب اليمنية. فالتقارب بين العواصم قد يخفض التوتر، ويقلل كلفة المواجهات، ويفتح أبوابًا لتسويات طال انتظارها. لكن المصالح التي تدفع الدول إلى التفاهم لا تعني بالضرورة اتفاقها على مستقبل اليمن، ولا تضمن أن تكون الأولوية لحق اليمنيين في تقرير مصيرهم. قد تريد الرياض حدودًا آمنة، وقد تسعى القاهرة إلى حماية مصالحها المرتبطة بالبحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس، وقد ترى طهران في علاقاتها مع أنصار الله عنصرًا من عناصر نفوذها الإقليمي. هذه حسابات مختلفة، وليس من الضروري أن تتطابق. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول التسوية إلى صفقة بين أصحاب المصالح، ويصبح المطلوب من اليمنيين قبول النتائج التي تنتجها التفاهمات الخارجية.
ولا يجوز أن تُختزل المسألة في السؤال عما إذا كانت أنصار الله قريبة من إيران أم لا. فالعلاقات بين الحركة وطهران جزء من المشهد، ويمكن بحث حجمها وحدودها وتأثيرها في القرار اليمني، لكن تحويلها إلى تفسير وحيد لكل ما تفعله الحركة يسلب اليمنيين فاعليتهم السياسية، ويعفي خصومها الإقليميين من مسؤولية خياراتهم. كما أن الحركة لم تكتسب حضورها الإقليمي من علاقتها بإيران وحدها؛ فقد كان موقفها المعلن من الحرب على غزة، والعمليات التي ربطتها بنصرة الفلسطينيين ومواجهة الكيان الغاصب، عنصرًا بارزًا في انتقالها إلى موقع مؤثر في الصراع الإقليمي. وهذا لا يعني أن كل قرار تتخذه الحركة فوق النقد، أو أن كل حساباتها تتطابق بالضرورة مع حسابات الفلسطينيين، بل يعني أن تحليلها ينبغي أن ينطلق من واقعها اليمني ومواقفها المعلنة ودورها الفعلي، لا من التصنيف الجاهز الذي يجعلها مجرد أداة في يد دولة أخرى.
أما السعودية، فمن حقها أن تسعى إلى حماية حدودها وأمن سكانها، لكن أمن الحدود شيء وامتلاك حق تقرير مستقبل اليمن شيء آخر. والتدخل العسكري الذي بدأ عام 2015 تحت عنوان استعادة الحكومة المعترف بها دوليًا لم ينهِ الصراع، ولم يحقق تسوية مستقرة. وبعد سنوات من الحرب، بات من الضروري أن يُطرح السؤال عن المصالح التي أبقت المواجهة مفتوحة، وعن طبيعة اليمن الذي تريده الرياض في جوارها: دولة مستقلة قادرة على اتخاذ قراراتها، أم ساحة لا تسمح موازين القوة فيها بظهور طرف يمني يمتلك قرارًا مستقلًا ويتجاوز تأثيره الحدود التي رسمتها له القوى الإقليمية؟ لا تكفي الرغبة في إنهاء الحرب وحدها للإجابة عن هذا السؤال؛ فالمعيار هو مضمون التسوية والحقوق التي تمنحها لأصحاب الأرض.
ولمصر مصلحة مباشرة في أن ينتهي الصراع اليمني على نحو يحمي أمن البحر الأحمر وباب المندب، ويمنع استمرار النزيف الذي أصاب حركة الملاحة وقناة السويس. لكن هذه المصلحة لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء لتبني حسابات طرف إقليمي على حساب طرف آخر، ولا إلى مبرر للتعامل مع أنصار الله باعتبارهم مشكلة ينبغي احتواؤها قبل أن يكونوا طرفًا يمنيًا لا يمكن تجاوز دوره. تستطيع القاهرة أن تسهم في التهدئة، وأن تدفع نحو تفاهمات تخفف التوتر، لكن قيمة دورها ستتحدد بما إذا كانت تساعد على إنهاء الحرب واحترام الإرادة اليمنية، أم تكتفي بالمشاركة في ترتيبات إقليمية تعيد توزيع النفوذ وتؤجل أسباب الصراع إلى جولة أخرى.
وفي قلب هذا المشهد تقف فلسطين، التي كشفت الحرب على غزة من خلالها تفاوتًا واضحًا بين الخطاب العربي والممارسة. ففي الوقت الذي اكتفت فيه حكومات عربية بمواقف سياسية متفاوتة، اتخذت أنصار الله خطوات عسكرية ربطتها صراحة بالضغط على الكيان الغاصب وإسناد الفلسطينيين. وقد ترتب على هذا الخيار تصعيد ومخاطر وكلفة على اليمن والمنطقة، كما أن آثاره على حركة الملاحة والتجارة أثارت اعتراضات واسعة؛ لكن تجاهل الدافع الفلسطيني المعلن، أو التعامل معه باعتباره مجرد ستار دعائي، لا يقدم تفسيرًا كافيًا لما جرى. النقد الجاد يقتضي بحث الموقف وأهدافه ونتائجه معًا، لا محو القضية الفلسطينية من الصورة لأن حضورها يربك الحسابات السياسية لبعض العواصم.
إن الدفاع عن حق اليمنيين في تقرير مصيرهم لا يقتضي محو الفوارق بين المشاريع والمواقف السياسية، ولا يفرض التعامل مع جميع الأطراف باعتبارها متشابهة. وفي الوقت نفسه، فإن الانحياز إلى أنصار الله بوصفهم حركة تحرر وطني، وإلى موقفهم المعلن من فلسطين ومواجهة الاحتلال، لا يعني منح أي قيادة صكًا مفتوحًا أو اعتبار المجتمع اليمني كتلة واحدة لا تعرف التعدد والخلاف.
فاليمنيون، بكل مكوناتهم وتياراتهم، أصحاب الحق في رسم مستقبل بلدهم، وأي تسوية مستدامة تحتاج إلى معالجة الانقسامات الداخلية وضمان المشاركة السياسية، لا إلى فرض وصاية خارجية عليهم. والاعتراف بالدور الذي اكتسبته أنصار الله لا يعفي الحركة من مسؤولية قراراتها تجاه اليمنيين، مثلما لا تعفي الخلافات معها خصومها من مسؤولية الحرب أو تمنح الخارج حق تقرير مستقبل البلاد.
المعيار الحقيقي لأي تفاهم إقليمي ليس عدد العواصم التي تجلس حول الطاولة، ولا مقدار التراجع في التوتر بينها، وإنما ما إذا كان اليمن سيخرج من الحرب أكثر قدرة على امتلاك قراره، وما إذا كانت القوى التي صنعت الصراع أو تدخلت فيه ستقبل بنتائج سياسية لا تحقق كل ما أرادته. فإذا انتهت التفاهمات إلى وقف الحرب، ورفع القيود التي تعمق معاناة اليمنيين، وفتح المجال أمام تسوية يشارك في صنعها اليمنيون أنفسهم، أمكن أن تكون خطوة نحو تغيير قواعد الصراع. أما إذا كان المطلوب هو تحجيم أنصار الله بسبب دورهم الإقليمي وموقفهم من الكيان الغاصب، وإعادة رسم حدود تأثيرهم وفق تفاهمات العواصم، فإن الحديث عن السلام سيخفي صراعًا آخر على من يملك حق تحديد مستقبل اليمن.
قد تنجح دول المنطقة في انتزاع مساحة أوسع من القرار بعيدًا عن واشنطن وتل أبيب، بينما تظل شعوبها عاجزة عن امتلاك مصائرها. وقد تتفاهم العواصم على خفض التوتر، من دون أن تتفق على حق اليمنيين في اختيار مستقبلهم، أو على حق القوى التي ترفض الاحتلال والهيمنة في ممارسة دور سياسي مستقل. عندها لن يكون التحول قد تجاوز منطق الوصاية، بل سيعيد توزيعها بين أطراف جديدة. فاستقلال القرار الإقليمي لا يكتمل بمجرد أن تتحرر العواصم من ضغط القوى الكبرى؛ إنما يُختبر عندما تقبل هذه العواصم بأن الشعوب أيضًا تملك حق الاختيار، حتى عندما لا تتوافق خياراتها مع حسابات الأقوى.
شاركنا برأيك