علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

معتز منصور يكتب: واشنطن تلوّح بالحرب، لكن من يملك قرار نهايتها؟

أن استمرار الحرب قد يفرض على جميع الأطراف خسائر متزايدة. لكن الخطأ الأكبر هو تحويل التهديد الأمريكي إلى دليل على حسم النتيجة سلفا، أو التعامل مع قدرة واشنطن على القصف باعتبارها حقا في تقرير مستقبل المنطقة.

مشاركة:
حجم الخط:

لا تتعلق المسألة بما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على استئناف قصف إيران، فواشنطن تملك من القوة العسكرية ما يسمح لها بتدمير أهداف واسعة النطاق وإيقاع خسائر جسيمة.

المسألة الأهم هي ما إذا كان التفوق العسكري يمنحها القدرة على فرض النتيجة السياسية التي تريدها، وإخضاع دولة ترفض الشروط الأمريكية، من دون أن تتحول الحرب إلى استنزاف إقليمي واقتصادي تتجاوز كلفته الحسابات التي دفعت إلى إشعاله. فالتاريخ لا يمنح القوى الكبرى ضمانة بأن الحرب التي تستطيع بدءها ستكون نهايتها بالضرورة في مصلحتها.

التقارير التي نشرتها «أكسيوس» في السابع من أكتوبر الجاري تفيد بأن البنتاغون طلب من القيادة المركزية الأمريكية استكمال الاستعدادات لاستئناف عمليات عسكرية واسعة ضد إيران، مع احتمال استهداف منشآت نووية وقطاع الطاقة والبنية التحتية. لكن التقرير نفسه لم يتحدث عن موعد محدد للهجوم، ولم يؤكد أن دونالد ترمب اتخذ قرارا نهائيا باستئناف الحرب.

وبعد ذلك أعلن ترمب أن الولايات المتحدة لن تهاجم إيران قبل انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر، متحدثا عن استمرار المحادثات. نحن أمام استعداد عسكري قائم وتهديد لم يُسحب من الحسابات، لكننا لسنا أمام قرار معلن باستئناف القصف في موعد محدد.

تكشف هذه التطورات عن طبيعة السياسة الأمريكية أكثر مما تكشف عن موعد الحرب. فواشنطن تتعامل مع الخيار العسكري باعتباره أداة ضغط دائمة، وتستخدم التهديد به لدفع طهران إلى تقديم تنازلات في ملفات تمس أمنها وسيادتها وموقعها الإقليمي. وفي هذا المنطق، يصبح التفاوض محاطا بظل القنابل، وتتحول الدبلوماسية من محاولة للوصول إلى تسوية متكافئة إلى اختبار لمدى استعداد الطرف المستهدف لقبول الشروط التي يضعها الطرف الأقوى. المشكلة أن ما تراه واشنطن تنازلا مطلوبا قد تراه طهران مساسا بأمنها وحقها في تقرير خياراتها، وعندما تتعارض هذه التصورات، لا يكفي التفوق العسكري وحده لإزالة أسباب الصراع.

ثمة ازدواجية يصعب تجاهلها في الخطاب الغربي:

تُقدَّم المطالب الأمريكية والإسرائيلية باعتبارها ضمانات للأمن والاستقرار، بينما يُنظر إلى تمسك إيران بأوراق قوتها باعتباره تهديدا ينبغي تحييده. ولا يُطرح بالقدر نفسه سؤال الأمن الذي تملكه دول المنطقة، وحقها في رفض نظام إقليمي تُحدد قواعده القوة الأمريكية والتفوق العسكري الإسرائيلي. ليست هذه الملاحظة تبرئة مسبقة لكل قرار إيراني، وإنما رفض لمعيار يجعل أمن طرف حقا مطلقا، وأمن الطرف الآخر موضوعا مشروعا للضغط والعقاب.

أما إعلان ترمب تأجيل الهجوم إلى ما بعد الانتخابات، فيكشف أن القرار العسكري الأمريكي ليس منفصلا عن الحسابات الداخلية. فالحرب التي تُقدَّم للجمهور بوصفها مسألة أمن قومي يمكن أن تتحول، في حسابات البيت الأبيض، إلى عبء انتخابي إذا أدت إلى ارتفاع أسعار الوقود واتساع الخسائر وتعاظم الخوف من حرب طويلة. وقد أشارت التقارير إلى أن توقيت أي تصعيد محتمل يرتبط أيضا بمخاوف من انعكاس ارتفاع أسعار النفط على الناخب الأمريكي.

لكن المأساة أن شعوب المنطقة لا تملك ترف التعامل مع الحرب بوصفها ورقة انتخابية. فالمواطن الأمريكي قد يحاسب رئيسه عند صندوق الاقتراع على سعر الوقود، بينما يدفع المواطن الإيراني ثمن القصف والتهديد، ويدفع اللبناني ثمن المواجهة على أرضه، ويدفع اليمني ثمن حرب لم تتوقف آثارها الإنسانية والسياسية. وتتحمل المجتمعات العربية، من أمنها واقتصادها ومرافقها المدنية، نتائج صراع لا تملك حكومات كثيرة فيها قرار الحرب أو السلام. إن اختزال هذه المأساة في حسابات ترمب الانتخابية يكشف خللا أعمق في نظام إقليمي تُدار فيه حياة الملايين باعتبارها كلفة جانبية لصراع القوى.

ولا يمكن فصل التهديد باستئناف الحرب عن الجبهات الأخرى المفتوحة في المنطقة. فالمواجهة في لبنان، والتوتر في البحر الأحمر، والاضطراب حول مضيق هرمز، كلها عوامل تجعل الحساب العسكري أكثر تعقيدا. لا يعني ذلك أن تعدد الجبهات يضمن انتصار إيران أو حلفائها، ولا أن كل ضربة تصيب هدفا إسرائيليا أو أمريكيا تقلب ميزان الحرب. لكنه يعني أن القوة التي تستطيع تدمير أهداف في جبهة واحدة قد تجد نفسها مضطرة إلى توزيع مواردها، وحماية قواعدها وممراتها البحرية، والاستعداد لردود لا تستطيع تحديد مكانها أو توقيتها بصورة كاملة.

وتظل الجغرافيا الاقتصادية إحدى أهم أوراق الصراع. فقد ارتفعت أسعار خام برنت فوق 105 دولارات للبرميل في ظل تصاعد الهجمات على السفن وتراجع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وفق تقارير اقتصادية منشورة في الثامن من أكتوبر. (Financial Times) ولا تكمن أهمية المضيق في حجم النفط الذي يمر عبره فحسب، بل في أنه يربط الأمن العسكري بأسعار الطاقة والتجارة العالمية، ويجعل أي تصعيد قابلا للانتقال من ساحات القتال إلى الأسواق والبيوت. تستطيع واشنطن أن تحشد الأساطيل وتعلن قدرتها على حماية الملاحة، لكن استمرار التهديد يكشف أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة استعادة الاستقرار الاقتصادي، وأن الحرب قد تفرض على حلفائها كلفة لم يختاروا توقيتها ولا يملكون ضمانات لتفاديها.

وفي السعودية، أظهرت الهجمات التي طالت مطاري الرياض وأبها مدى هشاشة البنية الأمنية أمام اتساع المواجهة اليمنية. وقد أعلنت جماعة أنصار الله مسؤوليتها عن هجمات على مطار الملك خالد، بينما تحدثت تقارير عن أضرار أصابت طائرة مدنية وتعطل رحلات جوية.

جانب من ضرب مطار الرياض الذي كشف المنظومة الأمنية في السعودية
جانب من ضرب مطار الرياض الذي كشف المنظومة الأمنية في السعودية

ومع ذلك، فإن ما ثبت من استهداف المطارات وتعطيل حركة الطيران يكفي لطرح السؤال السياسي: إلى أي مدى تستطيع الدول التي تنخرط في الصراع أو توفر الدعم لأطرافه أن تبقى بمنأى عن ارتداداته؟ لقد أظهرت الحرب اليمنية مرارا أن التفوق في السلاح لا يلغي أثر الجغرافيا، وأن امتلاك القدرة على شن الغارات لا يضمن إنهاء الصراع وفق الشروط المعلنة. ومن يدفع باتجاه توسيع الحرب لا يستطيع أن يفترض أن آثارها ستظل محصورة في حدود الدولة التي يستهدفها.

لا أحد يستطيع الجزم الآن بالنتيجة النهائية لهذه المواجهة. فإيران تواجه ضغوطا عسكرية واقتصادية كبيرة، والولايات المتحدة وإسرائيل تملكان قدرات تدميرية هائلة، كما أن استمرار الحرب قد يفرض على جميع الأطراف خسائر متزايدة. لكن الخطأ الأكبر هو تحويل التهديد الأمريكي إلى دليل على حسم النتيجة سلفا، أو التعامل مع قدرة واشنطن على القصف باعتبارها حقا في تقرير مستقبل المنطقة.

إن جوهر الصراع يتجاوز عدد الطائرات والصواريخ والأهداف التي يمكن تدميرها. إنه صراع على من يملك حق تحديد قواعد الأمن الإقليمي، ومن يتحمل كلفة فرضها بالقوة، وما إذا كانت دول المنطقة ستظل موضوعا لقرارات الآخرين أم أطرافا تملك إرادتها ومصالحها.

تستطيع واشنطن أن تختار موعد بدء الحرب، لكنها لا تستطيع أن تضمن وحدها شكل نهايتها، لأن القرار العسكري مهما بلغ تفوقه يظل محكوما بردود الفعل، وبقدرة الخصم على الاستمرار، وبالكلفة التي تنتقل من الميدان إلى الاقتصاد والسياسة والمجتمع.

والمنطقة التي دفعت أثمانا باهظة للحروب والتدخلات لا تحتاج إلى جولة جديدة تثبت فيها الولايات المتحدة قدرتها على التدمير. ما تحتاج إليه هو كسر القاعدة التي تجعل القوة بديلا عن العدالة، وتمنح طرفا حق فرض شروطه على الآخرين تحت تهديد السلاح. فالحرب قد تفرض وقائع مؤقتة، لكنها لا تمنح أصحابها شرعية دائمة، ولا تحول الهيمنة إلى حق، ولا تجعل الخضوع سلاما.

شارك المقال:

شاركنا برأيك