علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

معتز منصور يكتب: ترامب ونتنياهو، الحرب على إيران ومعركة إعادة تشكيل المنطقة

نتنياهو فيريد المظلة الأمريكية، مع الاحتفاظ بأوسع هامش ممكن من القرار الإسرائيلي. قد يخفي التحالف هذا التناقض، لكنه لا يلغيه

مشاركة:
حجم الخط:

يريد بنيامين نتنياهو حربا تفتح أمام إسرائيل ما عجزت عن انتزاعه بالقوة وحدها، ويريد دونالد ترامب أن تبقى الولايات المتحدة صاحبة القرار في توقيت الحرب ونهايتها، وأن تحصل إسرائيل على ما تريده من دون أن تجد واشنطن نفسها غارقة في مواجهة مفتوحة. يتفق الرجلان على استهداف إيران، لكن اتفاقهما على العدو لا يعني تطابقهما في الغاية، ولا يضمن أن يقود كل منهما الحرب إلى النتيجة نفسها.

التقارير المتتالية عن خطط استئناف الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، والحديث عن تأجيلها إلى ما بعد الانتخابات، تكشف أن المسألة تتجاوز خلافا على موعد الضربة. نحن أمام صراع على شكل المنطقة التي يريد كل طرف فرضها، وعلى حدود ما تستطيع القوة العسكرية تحقيقه حين تواجه دولة ترفض التخلي عن خياراتها الاستراتيجية تحت الضغط.

نتنياهو يريد استثمار القوة الأمريكية إلى أقصى مدى ممكن. إضعاف إيران، وتدمير قدراتها الصاروخية والنووية، وتقليص قدرتها على مساندة قوى المقاومة، أهداف تتجاوز الحسابات الأمنية الإسرائيلية المباشرة. إنها جزء من مشروع يريد إخراج إسرائيل من موقع الدولة التي تواجه مقاومة مستمرة على أكثر من جبهة، إلى موقع القوة التي تفرض شروطها على محيطها، فيما تتولى واشنطن ردع من يحاول كسر هذه المعادلة.

وفلسطين في قلب هذا الصراع، حتى عندما تتوارى خلف عناوين البرنامج النووي والصواريخ وأمن الملاحة. فإسرائيل التي تريد تجريد خصومها من أدوات الردع تسعى إلى تثبيت واقع يسمح لها بمواصلة احتلال الأرض وتوسيع الاستيطان وفرض الوقائع على الفلسطينيين، من دون أن تواجه قوة إقليمية قادرة على رفع كلفة مشروعها. لذلك لا يمكن فصل استهداف إيران عن الحرب على قوى المقاومة، ولا عن محاولة إخضاع المنطقة لمعادلة يصبح فيها أمن الكيان الغاصب ومصالحه فوق حقوق شعوبها.

لكن نتنياهو يحتاج إلى واشنطن أكثر مما تحتاج إليه إسرائيل. فالولايات المتحدة تملك القدرات العسكرية والاستخباراتية واللوجستية التي لا تستطيع إسرائيل الاستغناء عنها في مواجهة بهذا الحجم. ومع ذلك، فإن امتلاك أدوات الضربة لا يعني امتلاك نتائجها. تستطيع واشنطن تدمير منشآت، وتستطيع إسرائيل اغتيال قادة وضرب مواقع، لكن إخضاع إيران وإجبارها على التخلي عن خياراتها الاستراتيجية مسألة مختلفة تماما.

هنا تبدأ حسابات ترامب التي لا تتطابق بالضرورة مع اندفاعة نتنياهو. يريد الرئيس الأمريكي أن يظهر بمظهر من فرض إرادته على طهران، وأن يقدم المواجهة باعتبارها إنجازا حاسما، لا بداية استنزاف جديد. واتساع الحرب قد يهدد أسواق الطاقة، ويرفع كلفة الانتشار العسكري الأمريكي، ويضع القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة تحت ضغط الرد الإيراني. وإذا تعذر الحسم السريع، فقد يجد ترامب نفسه أمام حرب لا تمنحه صورة المنتصر التي يبحث عنها.

ولنتنياهو حساباته الداخلية أيضا. فالانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر تتداخل مع قضايا الأمن والحرب ومستقبله السياسي. وقد تحدثت تقارير عن خلافات بشأن توقيت استئناف الهجمات على إيران، وعن تردد ترامب في العودة إلى القتال قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في الثالث من نوفمبر. كما أعلن ترامب تأييده العلني لنتنياهو وربط الشراكة بينهما بمواجهة إيران.

هذه التقارير لا تعني أن قرار الحرب قد اتُّخذ، لكنها تكشف مدى تداخل الحسابات الانتخابية مع قرار قد يدفع ثمنه ملايين البشر. حين تصبح الحرب جزءا من معركة البقاء السياسي، يسهل تقديم مصلحة الحاكم باعتبارها مصلحة الدولة، واستدعاء المخاوف الأمنية لتبرير مغامرة لم تُحسم نتائجها.

وتأييد ترامب لنتنياهو لا يقتصر على منحه دفعة انتخابية، إنه تأكيد للدور الذي يريد لإسرائيل أن تلعبه في مشروعه الإقليمي. غير أن واشنطن تريد من تل أبيب أن تعمل ضمن حساباتها، لا أن تجرها إلى حرب لا تتحكم في نهايتها. أما نتنياهو فيريد المظلة الأمريكية، مع الاحتفاظ بأوسع هامش ممكن من القرار الإسرائيلي. قد يخفي التحالف هذا التناقض، لكنه لا يلغيه.

إيران، في المقابل، لا تقيس المواجهة بعدد الطائرات التي تقلع أو المنشآت التي تتعرض للقصف وحده. هناك قدرة على الرد، ومصالح أمريكية منتشرة في المنطقة، وممرات حيوية للطاقة والتجارة، وقوى مقاومة لا يمكن التعامل معها باعتبارها تفاصيل تابعة لقرار واحد. وقد أفادت تقارير باستمرار نقل الرسائل بين طهران وواشنطن عبر وسطاء، رغم تعثر المفاوضات وتصاعد التهديدات. فالحرب والدبلوماسية تتحركان معا، وقد يكون التلويح بالقوة محاولة لفرض شروط التفاوض، بقدر ما قد يكون تمهيدا لجولة جديدة من القتال.

المعضلة أن كل تصعيد يستهدف تقليص قدرة إيران على التأثير قد يدفعها إلى التمسك بأدوات الردع التي تراها ضمانة لبقائها واستقلال قرارها. وكلما ارتفع سقف المطالب إلى حد إخضاعها بالكامل، ازدادت صعوبة الوصول إلى تسوية تقبل بها. فالتفوق العسكري لا يمنح صاحبه حق تقرير مستقبل الآخرين، ولا يضمن أن تنتهي الحرب وفقا لما رسمه مخططوها.

ولا تنفصل هذه المواجهة عن محاولة إعادة ترتيب المنطقة بما يضمن التفوق الإسرائيلي ويُبقي القرار الاستراتيجي في يد واشنطن. لكن ما تريده القوى المهيمنة لا يتحول بالضرورة إلى واقع. فالمقاومة الفلسطينية لم تختف تحت القصف، وقوى المقاومة في المنطقة لم تتحول إلى ملفات أمنية يمكن إغلاقها بقرار أمريكي، وإيران لم تُختزل في منشآتها العسكرية حتى يصبح تدميرها كافيا لإنهاء دورها.

السؤال ليس فقط ما إذا كان ترامب سيوافق على ضربة جديدة، أو ما إذا كان نتنياهو سيحصل على توقيتها الذي يريده. السؤال هو: هل يستطيع الطرفان تحويل التفوق العسكري إلى استسلام سياسي، أم أن محاولة فرض شرق أوسط يخدم إسرائيل وحدها ستفتح أبواب مواجهة يصعب التحكم في نتائجها؟

يريد ترامب أن يختار لحظة الحرب ونهايتها، ويريد نتنياهو حربا تمنحه ما عجز عن تحقيقه في ساحات أخرى. وبين الرغبتين تقف إيران، ومعها معركة أوسع على مستقبل المنطقة وحق شعوبها في مقاومة الهيمنة والاحتلال. والفلسطينيون، الذين يدفعون ثمن المشروع الإسرائيلي منذ عقود، لن يصبحوا أقل حضورا لأن واشنطن وتل أبيب نقلتا مركز المواجهة إلى طهران. فالمعركة على إيران جزء من معركة إعادة تشكيل المنطقة، ولن تحسمها الضربة الأولى وحدها، وإنما قدرة الأطراف على تحمل كلفة الصراع ومنع خصومها من تحويل القوة العسكرية إلى سيادة دائمة على الآخرين.

شارك المقال:

شاركنا برأيك