علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
آراء و تحليلات
سارة سويلم
سارة سويلم

صحفية أردنية

مصر والخليج وغزة.. لمن تكون الأولوية في الأمن العربي؟

لماذا تبدو الاستجابة السياسية والأمنية أسرع وأكثر وضوحًا حين يتعلق الأمر بأمن الدول، فيما لا تزال غزة تكافح لتأمين الغذاء والدواء والمأوى.

مشاركة:
حجم الخط:

ليس من حق أحد أن يعترض على حماية السعودية من الهجمات

أو على تضامن الدول العربية عندما تتعرض أمنها للخطر.

لكن من حق الرأي العام أن يسأل، في المقابل، لماذا تبدو الاستجابة السياسية والأمنية أسرع وأكثر وضوحًا حين يتعلق الأمر بأمن الدول،

فيما لا تزال غزة تكافح لتأمين الغذاء والدواء والمأوى، رغم سنوات من الحرب والدمار والنزوح؟

السؤال هنا ليس مفاضلة بين السعودية وفلسطين،

ولا دعوة إلى مواجهة عسكرية جديدة،

بل مساءلة عن معنى الأمن العربي نفسه:

هل يقتصر على حماية الحدود والمنشآت والممرات التجارية،

أم يشمل أيضًا حماية الإنسان وحقوقه الأساسية؟

استعداد مصري لدعم السعودية.. ورسالة تتجاوز اليمن

في 17 و18 أكتوبر/تشرين الأول 2026، نقلت تقارير صحفية أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

أعلن استعداد بلاده لاتخاذ ما يلزم للدفاع عن السعودية

إذا طلبت الرياض ذلك،

في ظل تصاعد هجمات الحوثيين.

وتحدثت التقارير كذلك عن السعي إلى الحصول على دعم برلماني لأي تحرك محتمل.

وهذا إعلان عن استعداد مشروط،

ولا ينبغي الخلط بينه وبين القول إن مصر بدأت بالفعل تدخلًا عسكريًا.

للقاهرة أسباب استراتيجية واضحة للاهتمام بأمن السعودية والخليج؛

فالعلاقات الاقتصادية والسياسية وثيقة،

كما أن أمن البحر الأحمر وباب المندب والملاحة الدولية يرتبط بمصالح مصر وقناة السويس.

ومن الطبيعي أن تنظر الدولة المصرية إلى أي تهديد لهذه المصالح باعتباره ملفًا يمس أمنها القومي.

لكن الاعتبارات نفسها تفتح بابًا لسؤال موازٍ:

كيف يمكن توظيف الثقل المصري وعلاقات القاهرة الإقليمية في تخفيف معاناة الفلسطينيين؟

فغزة ليست بعيدة عن مصر، بل تقع على حدودها،

ويظل معبر رفح أحد أكثر الملفات حساسية في وصول المساعدات وحركة المرضى والعالقين.

رفح.. معبر إنساني لا مجرد نقطة حدودية

لا يصح اختزال مسؤولية ما يجري في غزة بمصر وحدها؛

فواقع المعابر يتأثر بالسيطرة العسكرية، والترتيبات الأمنية، والقرارات الإسرائيلية، والتفاهمات الدولية والإقليمية.

ومع ذلك، فإن الموقع الجغرافي والدور الدبلوماسي المصري يمنحان القاهرة قدرة مهمة على التفاوض

والضغط والتنسيق من أجل ضمان حركة إنسانية أكثر انتظامًا.

وقد شددت بيانات مصرية وعربية مشتركة خلال عام 2026

على ضرورة فتح معبر رفح في الاتجاهين،

ورفض أي ترتيبات تؤدي إلى تهجير الفلسطينيين قسرًا من أرضهم.

وهذه نقطة جوهرية: فتح المعبر لا ينبغي أن يتحول إلى ممر باتجاه واحد يدفع السكان إلى مغادرة غزة،

بل يجب أن يضمن حرية الحركة،

وإجلاء المرضى عند الحاجة، وعودة من يحق لهم العودة،

وتسهيل دخول المساعدات والمواد الأساسية وفق ترتيبات واضحة.

كما تشير تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى استمرار الاحتياجات الواسعة في القطاع،

وإلى أن القيود على دخول بعض المواد الأساسية ونقص التمويل يفاقمان هشاشة الخدمات والمأوى.

وفي تقرير صدر في 2 أكتوبر/تشرين الأول،

ذكر المكتب أن نحو 279 ألف شخص كانوا يقيمون في مواقع نزوح معرضة للفيضانات أو في مبانٍ غير آمنة.

هذه الأرقام تذكّر بأن الأزمة ليست ملفًا سياسيًا مؤجلًا، بل حياة يومية معرضة للخطر.

من هنا، لا يكفي أن يبقى فتح رفح مطلبًا في البيانات.

المطلوب مساعٍ دبلوماسية متواصلة،

وضمانات عملية لاستمرار تدفق الغذاء والدواء والوقود ومواد الإيواء،

وآليات تنسيق معلنة تمنع تعطّل الإمدادات،

مع التأكيد أن المسؤولية عن القيود المفروضة على دخول المساعدات لا تقع على طرف واحد.

اختلاف الأزمات لا يبرر تفاوت قيمة الإنسان

ثمة اختلاف حقيقي بين التعامل مع تهديد عسكري لدولة وبين الاستجابة لكارثة إنسانية ممتدة؛

فلكل ملف أدواته القانونية والسياسية،

كما أن التدخل العسكري قد يوسع نطاق الصراع ولا يمثل حلًا تلقائيًا للأزمات.

لكن هذا الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتراجع الاهتمام السياسي بغزة

أو التعامل مع معاناة سكانها باعتبارها خبرًا متكررًا.

عندما تتعرض منشآت حيوية أو طرق ملاحة للخطر،

تتحرك الحكومات عبر الاتصالات العاجلة والتنسيق الأمني والدبلوماسي.

أما في غزة، فتتكرر الدعوات إلى إدخال المساعدات ووقف الانتهاكات وحماية المدنيين،

فيما تبقى النتائج دون مستوى الاحتياجات.

وهذه الفجوة تستحق النقاش لا لأنها تثبت غياب كل جهد عربي،

بل لأنها تكشف أن الجهود القائمة لم تضمن بعد حماية كافية للسكان.

لقد شاركت مصر في جهود الوساطة،

وأعلنت مع دول عربية أخرى رفض التهجير والدعوة إلى فتح المعبر في الاتجاهين وإدخال المساعدات.

ومن الإنصاف الإشارة إلى هذه المواقف،

كما أن من حق الفلسطينيين والرأي العام أن يسألوا عن مدى ترجمتها إلى نتائج ملموسة،

وعن الأدوات الإضافية التي يمكن استخدامها لزيادة الضغط السياسي والدولي.

يمكن للقاهرة، بالتنسيق مع الرياض وعواصم عربية أخرى،

أن تجعل حماية المدنيين وتدفق المساعدات ورفض التهجير عناصر ثابتة في تحركاتها الدبلوماسية،

وأن تدفع نحو آليات متابعة واضحة لا تكتفي بالتصريحات.

كما يمكن للدول العربية توحيد رسائلها في المحافل الدولية وربط أي تفاهمات إنسانية بضمانات قابلة للتحقق،

مع دعم المساءلة القانونية عن الانتهاكات وفق القانون الدولي.

الأمن العربي يبدأ من الإنسان

إن حماية السعودية من الهجمات حق مشروع،

مثلما أن حماية الفلسطينيين من القتل والجوع والتهجير حق لا يقل أهمية.

ولا ينبغي وضع أمن الشعوب العربية في مواجهة بعضها بعضًا؛

فالتحدي هو بناء مفهوم للأمن لا يقتصر على سلامة الحدود والمنشآت،

بل يشمل أيضًا استقرار المجتمعات وصون الحقوق ومنع تحويل المدنيين إلى أدوات ضغط.

لا تحتاج غزة إلى منافسة السعودية على التضامن،

ولا تحتاج مصر إلى الاختيار بين أمن الخليج ومسؤوليتها تجاه الفلسطينيين.

ما تحتاجه المنطقة هو أن يتحول التضامن العربي إلى سياسة متكاملة:

دعم أمن الدول، وحماية المدنيين، وفتح المعابر أمام المساعدات والحركة الإنسانية،

ورفض التهجير القسري، والعمل على مسار سياسي يضمن للفلسطينيين حقوقهم.

خاتمة: ماذا تعني الأولوية في الأمن العربي؟

السؤال ليس لماذا تتحرك مصر لدعم السعودية؛

فهذا يمكن فهمه في ضوء المصالح المشتركة والروابط الاستراتيجية.

السؤال الأهم هو كيف يمكن أن يقابل هذا التحرك مستوى مماثل من الاستمرارية والوضوح في حماية سكان غزة،

عبر الوساطة والضغط الدبلوماسي وتيسير المساعدات

وضمان فتح معبر رفح في الاتجاهين وفق ترتيبات تمنع التهجير وتراعي الاحتياجات الإنسانية.

الأمن العربي لا ينبغي أن يكون معادلة صفرية،

ولا أن يصبح الإنسان فيها أقل أهمية من الممرات التجارية والمنشآت الحيوية.

فحين تصبح حماية المدنيين جزءًا أصيلًا من حسابات الأمن،

لا بندًا ثانويًا في البيانات، يمكن للتضامن العربي أن يتجاوز حدود الخطاب إلى أثر ملموس في حياة الناس.

شارك المقال:

شاركنا برأيك