كرة الغضب تشتعل في أوروبا.. هل تعبر «ثورة الجياع» المتوسط إلى العواصم العربية؟
ظلت مسيرات عديدة سلمية، لكن مجموعات عنيفة استغلت الفوضى لنهب المتاجر وإحراق الممتلكات ومهاجمة منشآت عامة.
تقرير د. محمد فؤاد
من باريس إلى بروكسل وميلانو ولشبونة.. احتجاجات تكشف أزمة المعيشة وتضع الحكومات أمام اختبار الإصلاح قبل اتساع الغضب
صفوف من شرطة مكافحة الشغب تسد الطرق، وغاز مسيل للدموع يخترق سماء المدن،
وواجهات متاجر فاخرة تتحطم، فيما تتعالى هتافات المحتجين ضد الغلاء وتراجع الخدمات.
في باريس، لم تعد مشاهد السبت 17 أكتوبر مجرد مسيرات مطلبية؛
إذ انتهت بعض التحركات إلى حرائق ونهب واعتداءات على منشآت عامة.
وعلى مسافة من العاصمة الفرنسية، كانت بروكسل وميلانو ولشبونة تشهد بدورها احتجاجات تحمل مطالب مختلفة،
لكنها تلتقي عند سؤال واحد: كيف يعيش المواطن في ظل ارتفاع الأسعار وتآكل دخله؟
المشهد لا يثبت أن أوروبا تتجه حتمًا إلى ثورة شاملة، لكنه يكشف أزمة لا يمكن احتواؤها بالشرطة وحدها.
كما يضع الحكومات العربية أمام إنذار مبكر؛ فالغضب لا يعبر البحر المتوسط بالضرورة، لكن أسبابه قد تتكرر على ضفتيه.
فرنسا.. حين تتجاوز الشرارة حدود المدرسة
بدأت التحركات الفرنسية باحتجاجات طلابية على نقص المدرسين، وتدهور أوضاع المدارس، وطول اليوم الدراسي، وتعقيدات القبول الجامعي.
ثم انضمت إلى المطالب التعليمية شكاوى أوسع من الأجور والمعاشات وأسعار الوقود والخدمات العامة،
لتتسع المشاركة وتدخل النقابات وأنصار حركة «السترات الصفراء» على خط الاحتجاج.
وقدّرت وزارة الداخلية عدد المشاركين في 17 أكتوبر بنحو 550 ألف شخص،
بينما رفع المنظمون تقديرهم إلى 800 ألف، عبر 110 مسيرات في أنحاء البلاد.

وظلت مسيرات عديدة سلمية، لكن مجموعات عنيفة استغلت الفوضى لنهب المتاجر وإحراق الممتلكات ومهاجمة منشآت عامة.
في ليموج، دمّر حريق جزءًا كبيرًا من مبنى البلدية التاريخي،
وفي ليون اشتعل مكتب السياحة، بينما شهدت مرسيليا اعتداءات وتخريبًا داخل مبنى البلدية.
وتدرجت حصيلة التوقيفات من نحو 400 في التقديرات الأولية إلى أكثر من 2400 في تحديثات لاحقة.
غير أن العنف، مهما بلغت خطورته، لا يفسر وحده حجم الغضب.
فالمشكلة التي بدأت بمطالب تعليمية اتسعت لأن شرائح مختلفة وجدت في الشارع فرصة للتعبير عن ضغوط معيشية متراكمة.
وهنا تواجه الحكومة معادلة صعبة: استعادة النظام، من دون تجاهل المطالب التي دفعت المواطنين إلى الاحتجاج.
من بروكسل إلى ميلانو.. تختلف الشرارات وتتقاطع الضغوط
إذا كانت فرنسا قد شهدت أوسع التحركات وأكثرها عنفًا، فإن المشهد البلجيكي بدأ من باب التعليم.
ففي بروكسل ولييج، احتج طلاب على ارتفاع تكاليف الدراسة ورسوم التسجيل الجامعي،
قبل أن تتصاعد مواجهات استخدمت خلالها الشرطة الغاز وخراطيم المياه.
أما في إيطاليا، فقد اتخذ الغضب مسارًا أوسع.
ففي ميلانو وبولونيا، خرج محتجون ضد ارتفاع تكاليف المعيشة، وامتزجت المطالب الاقتصادية باعتراضات سياسية ومواقف من الحروب.
وانتهت بعض المواجهات إلى رشق الشرطة بالحجارة وإحراق حواجز وتخريب ممتلكات،
فيما أُصيب أفراد من الأمن وأُوقف عشرات المشاركين.
لكن الانتقال من بلجيكا إلى إيطاليا يكشف اختلافًا مهمًا:
فليست كل احتجاجات القارة امتدادًا مباشرًا للحركة الفرنسية، ولا تديرها جهة واحدة.
إنها تحركات متزامنة، تغذيها مشكلات محلية، وتجمع بينها مخاوف تتعلق بالدخل والفرص المستقبلية وكلفة الخدمات الأساسية.

لشبونة ومدريد.. السكن يتحول إلى أزمة اجتماعية
على الضفة الغربية للقارة، ظهرت أزمة السكن في صدارة الاحتجاجات البرتغالية.
فقد شهدت لشبونة مسيرات طالبت بزيادة الأجور والمعاشات وتحسين الخدمات وكبح ارتفاع الإيجارات.
وتكشف الأرقام عمق المشكلة: ارتفعت أسعار المساكن في البرتغال 124% بين عامي 2015 و2024، وفق البيانات الرسمية.
وفي إسبانيا، سبقت احتجاجات مرتبطة بالسكن والإخلاء موجة أكتوبر الحالية.
وأعاد إخلاء امرأة مسنة من منزلها، بعد زيادة كبيرة في الإيجار، إشعال النقاش حول حقوق المستأجرين ودور صناديق الاستثمار في سوق العقارات.
وهكذا انتقل مركز الثقل من المدرسة في فرنسا وبلجيكا إلى الشارع التجاري في إيطاليا،
ثم إلى أزمة السكن في شبه الجزيرة الإيبيرية.
لكن النتيجة الاجتماعية واحدة: عندما يستهلك السكن والغذاء والطاقة معظم دخل الأسرة،
لا يعود النمو الاقتصادي وحده دليلًا كافيًا على تحسن مستوى المعيشة.
وتشير بيانات يوروستات إلى ارتفاع أسعار الأغذية والمشروبات غير الكحولية في الاتحاد الأوروبي 34% بين أغسطس 2021 وأغسطس 2026.
والمفارقة أن تراجع معدل التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة؛
فهو يعني في العادة أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ، لا أنها تنخفض.
لذلك قد تتحسن المؤشرات الاقتصادية بينما تظل ميزانية الأسرة تحت ضغط شديد.
ماذا تحتاج العواصم الأوروبية لاحتواء الغضب؟

تحتاج الحكومات الأوروبية إلى استجابة تتجاوز الانتشار الأمني، وتبدأ من ثلاث أولويات مترابطة.
أولًا، حماية القدرة الشرائية.
ينبغي توجيه الدعم إلى الأسر الأكثر تضررًا، وقياس أثر الضرائب وأسعار الطاقة والسياسات المالية على الدخول المنخفضة.
فالمعيار الحقيقي ليس زيادة الراتب اسميًا،
بل ما يستطيع شراءه بعد دفع الإيجار والفواتير والغذاء.
ثانيًا، تخفيف أزمة السكن وإصلاح التعليم.
زيادة المعروض من المساكن الميسورة، وتطوير الإسكان الاجتماعي، ومعالجة نقص المدرسين، وتوسيع فرص التدريب والعمل,
كلها إجراءات تمس جذور الغضب، لا مظاهره فقط.
ثالثًا، فتح قنوات للحوار والمحاسبة.
إشراك النقابات والطلاب وأصحاب الأعمال في القرارات الاقتصادية قد يساعد على اكتشاف الاعتراضات مبكرًا، ويمنح الإصلاح قدرًا أكبر من الشفافية.
وفي الوقت نفسه، يجب حماية حق التظاهر السلمي ومحاسبة المتورطين في النهب والاعتداءات؛
فلا مشروعية للمطالب تبرر تدمير الممتلكات، ولا مكافحة العنف تعفي الحكومة من معالجة أسباب الاحتجاج.
إلى الحكومات العربية.. لا تنتظروا وصول الإنذار إلى الشوارع
على الضفة الجنوبية للمتوسط، لا يجوز التعامل مع المشهد الأوروبي بوصفه نبوءة بثورات قادمة،
لكن المؤشرات الاجتماعية تفرض تحركًا جادًا.
فقد أظهر تقرير أممي صدر في نوفمبر 2025 أن 77.5 مليون شخص في الدول العربية عانوا من الجوع خلال عام 2024، أي 15.8% من السكان،
فيما واجه نحو 198 مليون شخص انعدامًا متوسطًا أو شديدًا في الأمن الغذائي.
وفي سوق العمل، قدّرت منظمة العمل الدولية بطالة الشباب في الدول العربية بنحو 26.2% عام 2025، مقابل 22.6% في شمال أفريقيا،
مع وجود ثلث الشباب على الأقل خارج العمل والتعليم والتدريب في المنطقتين.
هذه الأرقام لا تعني أن الجوع يقود حتمًا إلى الاحتجاج، لكنها تكشف حجم الفئات التي تواجه صعوبات في تأمين احتياجاتها وبناء مستقبلها.
وتزداد المخاطر عندما تتزامن الضغوط المعيشية مع انسداد فرص العمل،
واتساع التفاوت، وضعف الثقة في قدرة المؤسسات على الاستجابة.
وتقدم احتجاجات يناير 1977 في مصر، ثم الانتفاضة التونسية عام 2010، دروسًا تاريخية مختلفة في أسبابها ونتائجها.
ففي الحالتين، لا يمكن فهم الأحداث من خلال مطلب اقتصادي واحد، بمعزل عن السياق الاجتماعي والسياسي الأوسع.
لذلك لا يصح إسقاط الماضي آليًا على الحاضر، لكن يصح الاستفادة منه في إدراك كلفة تجاهل المظالم المتراكمة.
ما تحتاج إليه الحكومات العربية ليس دعمًا مفتوحًا بلا حساب،
في ظل قيود الديون والعجز والموارد المحدودة، بل إصلاحًا يوازن بين الاستدامة المالية والحماية الاجتماعية:
دعم غذائي يصل إلى مستحقيه، وفرص عمل منتجة للشباب، وتخفيف أعباء السكن،
ومراجعة أثر القرارات الاقتصادية قبل تطبيقها، مع شرح واضح لتكاليفها وبدائلها.
واخيرا وليس آخرا .. الوقاية تبدأ قبل أن تمتلئ الميادين
تواجه العواصم الأوروبية مهمة مزدوجة: حماية الأمن العام، واستعادة ثقة المواطنين عبر حلول ملموسة للغلاء والسكن والتعليم والعمل.
أما العواصم العربية، فلديها فرصة لتقرأ هذه التجربة قبل أن تصبح الضغوط المحلية أكثر تعقيدًا.
كرة الغضب لا تعبر المتوسط بالضرورة،
لكنها قد تتشكل في أي مجتمع تتراكم فيه أسبابها.
وما يحدد مسارها ليس عدد المتظاهرين في باريس أو بروكسل،
بل قدرة كل دولة على معالجة مشكلاتها الخاصة قبل أن تتحول الشكوى إلى أزمة ثقة شاملة.
فالاستقرار لا يقاس بهدوء الشوارع وحده، بل بقدرة الأسرة على توفير احتياجاتها،
وبفرصة الشاب في الحصول على عمل ومسكن،
وبشعور المواطن أن صوته مسموع وأن أعباء الإصلاح موزعة بعدالة.
السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانعي القرار على ضفتي المتوسط
ليس ما إذا كانت الاحتجاجات ستعبر البحر،
بل ما إذا كانت الحكومات ستتحرك لمعالجة أسباب الغضب
قبل أن تصبح كلفة التأخر أكبر من كلفة الإصلاح.
شاركنا برأيك