محمود سيد محمد يكتب: فات الأوان أم أن الأسوأ قادم؟ نتنياهو والمنطقة في مواجهة مفتوحة
لقد تأخرت دول المنطقة في إدراك أن أمنها مترابط، وأن الانقسام يمنح الأطراف الخارجية فرصًا أوسع لفرض حساباتها.
مسؤولون من تركيا باكستان والسعودية وإيران في طهران
تدفع دول الشرق الأوسط اليوم ثمن سنوات من الانقسام وسوء تقدير طبيعة الخطر الذي يحيط بها.
فالحرب التي تبدأ بين أطراف محددة لا تظل بالضرورة داخل حدودها، وحين تتداخل الحسابات الإسرائيلية والأمريكية والإيرانية، تصبح الدول المجاورة معرضة لدفع فاتورة لم تشارك في تحديد شروطها.
وما يجري الآن يؤكد أن أمن المنطقة لا يمكن أن يُبنى على إضعاف طرف وترك الآخرين ينتظرون دورهم.
التحركات الدبلوماسية التي شهدتها طهران في 26 أكتوبر، بمشاركة مسؤولين من السعودية وتركيا وباكستان في لقاءات مع الجانب الإيراني، تعكس إدراكًا متزايدًا لخطر اتساع المواجهة.
ووفقًا لرويترز، تناولت الاتصالات احتواء التصعيد، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، والهجمات الحوثية، وإمكانات استئناف المحادثات الأمريكية الإيرانية.
هذه خطوة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها للقول إن المنطقة تجاوزت مرحلة الخطر.
فاجتماع المسؤولين قد يفتح بابًا للتفاهم، أما إغلاق باب الحرب فيحتاج إلى اتفاقات والتزامات يصعب التنصل منها.
لقد كان الاتفاق السعودي الإيراني الذي أُعلن في بكين يوم 10 مارس 2023 فرصة لإعادة ترتيب العلاقات بين البلدين.
ونص البيان الثلاثي على استئناف العلاقات الدبلوماسية واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
غير أن استعادة العلاقات لا تعني اختفاء الخلافات الأمنية، ولا تضمن أن تتحول التفاهمات السياسية تلقائيًا إلى تعاون قادر على منع التصعيد.
المطلوب الآن أن تتجاوز دول المنطقة فكرة أن خلافاتها مع إيران تمنح إسرائيل مساحة أوسع للتحرك، أو أن التقارب مع طهران يعني تجاهل المخاوف الأمنية العربية.
فلكل دولة مصالحها وحساباتها، لكن هناك فرقًا بين إدارة الخلافات وبين تركها تتحول إلى ثغرات يستفيد منها الآخرون. وأي ترتيب إقليمي جاد يجب أن يقوم على ضمانات متبادلة، لا على افتراض حسن النيات وحده.
ولعل مضيق هرمز هو المثال الأكثر وضوحًا على أن نتائج الحرب لا تتوقف عند حدود الدول المتحاربة.
فقد ذكرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن تدفقات النفط والسوائل البترولية عبر المضيق بلغت نحو 20.9 مليون برميل يوميًا في النصف الأول من عام 2025، وهو ما يعادل قرابة خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية. وهذا الرقم يشمل النفط الخام والمكثفات والمنتجات النفطية، وليس النفط الخام وحده.
وتزداد أهمية هذه الأرقام لأن المضيق ليس مجرد ممر بحري بين ضفتين؛ إنه شريان رئيسي لإمدادات الطاقة العالمية.
وأي اضطراب طويل في حركة الناقلات يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويضغط على الأسواق، وقد ينعكس على أسعار الوقود والغذاء في دول بعيدة عن ساحة الحرب.
وفي 26 أكتوبر 2026، هبطت أسعار النفط بنحو دولارين للبرميل مع ظهور آمال في التهدئة، لكن الأسعار ظلت مرتفعة وسط مخاوف من استمرار الهجمات واضطراب الملاحة. الأسواق نفسها تقول إن التفاؤل الدبلوماسي لا يكفي ما دامت المخاطر قائمة.
أما إسرائيل، فلا أرى أن المنطقة تستطيع بناء حساباتها على افتراض أن بنيامين نتنياهو سيتراجع عن الخيار العسكري بمجرد بدء الاتصالات السياسية.
ففي 14 أكتوبر، نقلت رويترز عنه قوله إنه لا يسعى إلى توجيه ضربة استباقية جديدة لإيران قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر، لكنه حذر من رد قوي إذا تعرضت إسرائيل لهجوم. ولم يحسم موقفه بشأن ما قد يحدث بعد الانتخابات.
هذا التصريح لا يثبت أن قرارًا جديدًا بالحرب قد اتُّخذ، ولا يصح تحويله إلى نبوءة بضربة وشيكة.
لكنه يوضح أن الخيار العسكري لا يزال حاضرًا في الحسابات الإسرائيلية.
والفرق كبير بين عدم الرغبة في بدء هجوم في توقيت معين وبين التخلي عن استخدام القوة أصلًا.
في تقديري، ستظل فرص التهدئة هشة ما لم تتغير حسابات الأطراف نفسها.
فإيران تريد تخفيف الضغوط والعقوبات والقيود المفروضة عليها، وإسرائيل تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني ونفوذ طهران الإقليمي باعتبارهما تهديدين استراتيجيين، بينما تحاول واشنطن إدارة الصراع من دون أن تتحول تكلفته إلى عبء مفتوح.
هذه المصالح المتعارضة لا تختفي بمجرد عقد اجتماع، وقد تعود إلى الواجهة إذا فشلت المفاوضات أو تعرض أحد الأطراف لهجوم جديد.
لهذا، فإن الرهان على التهدئة وحدها ليس سياسة كافية.
على الدول العربية حماية منشآتها الحيوية وممراتها البحرية، وتطوير التنسيق الدفاعي، والإبقاء على قنوات اتصال تمنع سوء التقدير، مع الضغط من أجل وقف استهداف البنية التحتية المدنية.
كما ينبغي أن تستند أي تسوية إلى القانون الدولي، ولا سيما ميثاق الأمم المتحدة الذي يدعو إلى حل النزاعات بالوسائل السلمية ويحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها بما يخالف مقاصده.
ولا يعني هذا تجاهل المخاوف العربية من إيران أو التساهل في الملفات العالقة معها.
بل يعني أن معالجة هذه المخاوف يجب ألا تترك المنطقة أمام حرب مفتوحة، تكون نتائجها أكبر من قدرة أي دولة على احتوائها منفردة.
فالأمن لا يتحقق بانهيار دولة مجاورة، ولا بترك طرف إقليمي يفرض إرادته بالقوة، وإنما بإقامة توازن تحكمه ضمانات واضحة ومصالح متبادلة.
أما رأيي الشخصي، فهو أن المواجهة لن تتوقف نهائيًا في المدى القريب، حتى لو نجحت الوساطات في فرض هدوء مؤقت.
فالأسباب الرئيسية للصراع لم تُحل، والثقة بين الأطراف ما زالت محدودة، وأي حادث أمني كبير يمكن أن يعيد المنطقة إلى التصعيد.
وأعتقد أن نتنياهو لن يتخلى بسهولة عن سياسة الضغط العسكري ما دام يرى أنها تخدم أهدافه الأمنية والسياسية، لكن لا توجد أدلة كافية تسمح بالجزم بموعد هجوم جديد أو باعتباره أمرًا محسومًا.
لقد تأخرت دول المنطقة في إدراك أن أمنها مترابط، وأن الانقسام يمنح الأطراف الخارجية فرصًا أوسع لفرض حساباتها.
ومع ذلك، لم يفت الأوان بعد لتصحيح المسار. فالمطلوب ليس إعلانًا جديدًا عن الرغبة في السلام، بل تفاهمات قابلة للتحقق، وحماية للملاحة والمنشآت المدنية، وموقف إقليمي يمنع تحويل الشرق الأوسط إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.
شاركنا برأيك