محمد عبد الشكور يكتب: عودة ماسح الأحذية للقصر للمرة الرابعة!
إن عودة ماسح الأحذية إلى قصر "البلانالتو" في برازيليا تعيد رسم خارطة التوازنات في أمريكا اللاتينية حيث يتحتم عليه الموازنة الدقيقة بين الضغوط الداخلية الصعبة وتجاذبات المحاور الدولية بين واشنطن والغرب من جهة
لولا دا سيلفا ماسح الأحذية الذي قهر ترامب
”لقد علّمتني أمي كيف أمشي مرفوعَ الرأس ، وكيف أحترمُ نفسي حتى يحترمني الآخرون”.. بهذه الكلمات البسيطة ذات الحمولة الأخلاقية والبراغماتية المكثفة، يتأملُ المرءُ السيرةَ الملحمية لِلُويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ذلك “الصبي الحافي” الذي لم يتسلق سُلم السلطة عبر الانقلابات العسكرية أو غرف العائلات الأرستقراطية ، بل اقتحم القصر الرئاسي مجددًا من بين أحياء الفقر وشقاء الورش وسنوات الاعتقال ، ليُثبت للعالم أن عقيدة العصامية والانحياز للمعدمين أقوى من آلات اليمين المتطرف وأسوار المؤسسات المحافظة.
من زوايا الفقر ومهانة الورش إلى صخب النقابات
تجلّت محنة البدايات في حجرةٍ ضيّقة احتضنت أمه الأبية وإخوته السبعة ، بعد أن ترك والده الأسرة وتزوج بأخرى.
لم يكن أمام الفتى سبل ترف التعليم ، فغادر المقاعد الدراسية مبكرًا ليمتهن أشق الأعمال وأقساها ؛ فعمل ماسحًا للأحذية في الشوارع ، وصبيًا في محطة وقود ، ثم حرفيًا في ورشة ، وميكانيكيًا لإصلاح السيارات ، وبائعًا للخضراوات.
ولم تكن الأقدار تكتفي باختبار صبره عبر العوز ، بل داهمته حادثةٌ قاسية في سن التاسعة عشرة أثناء عمله بمصنعٍ لقطع غيار السيارات ، أسفرت عن بتْر خنصر يده اليسرى.
كانت تلك القطعة المبتورة من جسده بمثابة الوقود الروحي الذي أيقظ في وجدانه الوعي بالظلم والطبقية ؛ إذ عانى الأمرين للحصول على العلاج وتلمس مرارة القسوة التي يُعامل بها أصحاب الأموال الطبقة العاملة.
ومن رحم هذه التجربة ، انخرط “دا سيلفا” في العمل النقابي بمساعدة أخيه فريرا ، وتدرج بذاته الصلبة ليصبح نائبًا لرئيس نقابة عمال الحديد عام 1967 ، قبل أن ينتخبه مائة ألف عامل رئيسًا مطلقًا للنقابة عام 1978.
مقارعة العسكر وصناعة الديمقراطية البرازيلية
في زمن سيطرة الحكم العسكري ، لم يتردد الزعيم النقابي الشاب في اعتلاء منصات الخطابة وقيادة إضرابات المصانع الكبرى عام 1980 معارضًا السلطة الغاشمة ، مما أدخله زنزانة الاحتجاز لمدة ثلاثين يومًا.
ولم تكتفِ المحكمة العسكرية بذلك ، بل أصدرت بحقه حكمًا بالسجن لثلاث سنوات ونصف بتهمة التحريض عام 1981 ، ليُطلق سراحه عام 1982 وينطلق في ميدان السياسة ؛ حيث خسر أولى جولاته في انتخابات حكومة ساو باولو.
لكن “ماسح الأحذية” لم يكن ممن يعتريهم اليأس ، فقاد عام 1984 حراكًا شعبيًا وهياكل انتخابية لإعادة الديمقراطية وحق الانتخاب المباشر ، وتوِّجت جهوده بالفوز بعضوية البرلمان عن ساو باولو عام 1986 ، وشارك ببراعة في صياغة الدستور عام 1988.
ورغم هزيمته في الجولة الثانية من أول انتخابات رئاسية مباشرة عام 1989 عقب الانقلاب العسكري ، إلا أنه حافظ على حضور حزبه وموقعه كمرشح الطبقات الفقيرة غير المتوج.
المعجزة الاقتصادية ووفاء الزعيم للدستور
في عام 2002 ، نجح “لولا” في الوصول إلى سدة الحكم لأول مرة ، ليتسلم الرئاسة في الأول من يناير 2003 ، ويُعاد انتخابه لولاية ثانية عام 2006، وخلال ثماني سنوات فقط، قاد البلاد إلى نهضةٍ اقتصادية تاريخية وسدد قروضها للخارج وتحولت البرازيل على يديه إلى دائنة بذخيرة وفيرة، مخلّفًا فائضًا مالياً تجاوز 200 مليار دولار ، ومخرجًا 20 مليون مواطن من قاع الفقر، بينما أعاد ثلاثة ملايين برازيلي من منافي الهجرة، ليرتقي بالبرازيل إلى المرتبة السادسة بين أقوى اقتصادات العالم.
وحين احتشد أنصاره وطالبوه بتعديل الدستور للترشح لولاية ثالثة متتالية، أطلق مقولته التاريخية الخالدة : “ناضلتُ قبل عشرين سنة، ودخلت السجن لمنع الرؤساء من أن يبقَوا في الحكم أطول من المدة القانونية.. كيف أسمح لنفسي أن أفعل ذلك الآن؟!”.
السباق التاريخي ومنازلة اليمين المتجذر
لم تنتهِ الحكاية عند الاعتزال التكتيكي، بل مر الفارس باختبارات كيدية وملاحقات سياسية وقضائية شائكة هدفها إبعاد اليسار ، ليخوض فى منذ 4 سنوات معركةً انتخابية استثنائية وحابسة للأنفاس ضد القائد العسكري السابق واليميني المتطرف جايير بولسونارو.
وفي ماراثون قطعت فيه البرازيل أنفاسها وسط استقطابٍ حاد، حسم لولا دا سيلفا الاقتراع بنسبة 51.76% متجاوزًا 60 مليون صوت ، مقابل 48.24% لمنافسه اليميني ، في فارقٍ حبس الأنفاس لم يزد عن مليوني صوت.
وضعت هذه العودة التاريخية “لولا” في قلب حقل أغمام إذ واجه مجالس نيابية وكونغرس يغلب عليه الكتل المحافظة والمعادية له ، ونفوذًا عسكريًا وأمنيًا متجذرًا ، وقطاعات اقتصادية انحازت للتيار اليميني.
غير أن رصيده النضالي وقدرته الفائقة على إجراء التوازنات جعلته قادراً على حماية مكتسبات الطبقات البائسة وتجاوز حقول الألغام السياسية الداهمة.
وها هو الآن يعود وينتصر فى الانتخابات الأخيرة التي جرت في أكتوبر 2026، على السيناتور اليميني فلافيو بولسونارو ابن الرئيس الأسبق جايير بولسونارو الذي كان مرشحا ضد دا سيلفا الانتخابات الماضية وتغلب عليه كما تغلب على ابنه الآن ليعود للقصر للمرة الرابعة بعد أن حاز على نحو 51.76% من الأصوات في جولة الإعادة.
صلابة النضال الخارجي والانحياز المطلق لفلسطين
على الساحة الدولية، لم تكن عودة “دا سيلفا” مجرد تغيير في الحقائب الدبلوماسية، بل تمثلت في استعادة البرازيل لبوصلتها الأخلاقية والسياسية المبدئية، وعلى رأسها التضامن غير المشروط مع القضية الفلسطينية.
فلم يتوانَ “لولا” عن اتخاذ مواقف صلبة وجريئة ضغطت على الضمير العالمي، حيث شن هجومًا لاذعًا على الممارسات العسكرية والانتهاكات الإسرائيلية في قطاع غزة، متهمًا إياها بصلابة وشجاعة بارتكاب أعمال “إبادة جماعية” بحق الأطفال والنساء والمدنيين العزل ومقارنًا إياها بأبشع المآسي التاريخية.
كما انتقد تخاذل المؤسسات الدولية والأمم المتحدة عن وقف القتل ، مؤكدًا موقف البرازيل الراسخ في دعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
رهانات المستقبل وسقف الطموح اللاتيني
إن عودة ماسح الأحذية إلى قصر “البلانالتو” في برازيليا تعيد رسم خارطة التوازنات في أمريكا اللاتينية حيث يتحتم عليه الموازنة الدقيقة بين الضغوط الداخلية الصعبة وتجاذبات المحاور الدولية بين واشنطن والغرب من جهة ، وبين الصين وروسيا ومجموعة “بريكس” من جهة أخرى ، محققًا العدالة الاجتماعية والدعم للفقراء دون الانزلاق إلى الشعوبية أو العجز المالي.
تبقى قصة هذا الرجل الذي انتزع حريته وحق شعبه بالبندقية النقابية والديمقراطية ردًا ناصعًا على أن أصحاب الجذور الصلبة والضمائر الرافضة للاستعباد ، هم وحدهم القادرون على كتابة التاريخ ، وتجاوز حدود الزنازين والفقر ليصبحوا بوصلةً للشعوب الحرة في أعتى الأزمات.
شاركنا برأيك