علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
محمد سعد عبد اللطيف
محمد سعد عبد اللطيف

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية

محمد سعد عبد اللطيف يكتب: صناعة الوجاهة الاجتماعية حين تصبح المكانة بديلا للعمل العام

بعض الذين يرفعون شعارات المشاركة والعمل التطوعي لا يتحملون فكرة أن يشاركهم أحد في الدور نفسه وكأن المجتمع المدني ملكية خاصة وكأن العمل العام ميراث عائلي لا يحق لأحد الاقتراب منه.

مشاركة:
حجم الخط:

في بعض البيئات الشعبوية لم يعد البحث عن الهوية مرتبطا بما يمتلكه الإنسان من أفكار أو بما يقدمه لمجتمعه من عمل حقيقي بل أصبح مرتبطا بالصورة التي يريد أن يراها الآخرون فيها.

هناك من لا يشغله ماذا يستطيع أن يقدم بقدر ما يشغله كيف يبدو أمام الناس ومن يناديه بلقبه ومن يفسح له مكانا في الصف الأول ومن يذكر اسمه في المناسبات واللقاءات العامة.

إنها ظاهرة البحث عن الدور قبل امتلاك أدواته والبحث عن المكانة قبل تقديم الاستحقاق

تجد شخصا يستيقظ ذات صباح، وقد قرر أنه رجل مجتمع مدني وناشط في العمل العام، وربما صاحب مشروع للتغيير والإصلاح، لكنه لا يعرف على وجه الدقة ما الذي يريد تغييره، ولا يمتلك تصورا لما يريد إصلاحه وكل ما يعرفه أنه يريد أن يكون حاضرا في المشهد.

وأخر يبحث عن لقب، وثالث يبحث عن منصة، ورابع يبحث عن مقعد في اجتماع، ولا يعنيه كثيرا موضوع الاجتماع بقدر ما يعنيه أن يظهر اسمه بين الحاضرين.

هكذا يتحول العمل العام في بعض البيئات إلى سباق محموم على الأدوار، لا على الإنجاز وتصبح الجمعية وسيلة لاكتساب الوجاهة الاجتماعية، ويصبح المجتمع المدني في نظر البعض بطاقة تعريف، ومصدرا للمكانة وليس مساحة لخدمة الناس وتنظيم مصالحهم والدفاع عن حقوقهم.

والمفارقة الساخرة أن الجميع تقريبا يتحدث عن المصلحة العامة بينما لكل واحد مصلحة خاصة يريد تمريرها من بوابة المصلحة العامة.

هناك من يريد أن يكون قائدا دون أن يقود وهناك من يريد أن يكون صاحب رأي دون أن يمتلك مشروعا وهناك من يبحث عن جمهور قبل أن يكون لديه ما يقوله لهذا الجمهور.

الأكثر طرافة أن بعض الذين يرفعون شعارات المشاركة والعمل التطوعي لا يتحملون فكرة أن يشاركهم أحد في الدور نفسه، وكأن المجتمع المدني ملكية خاصة، وكأن العمل العام ميراث عائلي لا يحق لأحد الاقتراب منه.

لكن المشكلة ليست في البحث عن دور، فكل إنسان يحتاج إلى أن يشعر بقيمته ومكانه داخل المجتمع، وإنما المشكلة أن يتحول الدور إلى غاية في حد ذاته، وأن تصبح الشهرة بديلا عن الكفاءة، والظهور بديلا عن الفعل، والكلام بديلا عن العمل.

إن المجتمع المدني ليس مسرحا لاستعراض الوجاهة، ولا ساحة لتوزيع الألقاب، ولا منصة لتضخيم الذات، بل هو مساحة للمبادرة والمساءلة، والمشاركة الحقيقية وبناء الثقة بين الناس.

فليس كل من جلس على مقعد في جمعية أصبح صاحب رسالة، وليس كل من التقط صورة في مؤتمر صار صاحب مشروع، وليس كل من تحدث باسم الناس أصبح معبرا عنهم.

إن قيمة الإنسان في العمل العام لا تقاس بعدد الصور التي يظهر فيها، ولا بعدد الألقاب التي تسبق اسمه، وإنما بما يتركه من أثر ،وبما يقدمه من حلول، وبقدرته على أن يعمل مع الآخرين، لا أن يحتكر المشهد لنفسه.

وربما نحتاج في هذه البيئات إلى مراجعة ثقافة كاملة صنعت من الظهور قيمة، ومن اللقب إنجازا، ومن القرب من أصحاب النفوذ دليلا على النجاح.

فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس من أنت داخل المشهد؟ ولا ما هو اللقب الذي تحمله؟ بل ماذا قدمت لهذا المجتمع؟ وماذا تغير في حياة الناس بسبب وجودك؟

هل نبحث عن دور نؤديه من أجل المجتمع أم نبحث عن مجتمع يمنحنا دورا نشعر من خلاله بأهميتنا؟

بين السؤالين مسافة كبيرة بين من يريد أن يخدم الناس، ومن يريد أن يراه الناس، وهو يخدمهم تتكشف أزمة حقيقية في فهم معنى العمل العام.

شارك المقال:

شاركنا برأيك