ماذا تريد الحكومة المصرية أن تقول للمواطن في تقرير إنجازات أكتوبر؟
يجب أن يوضح التقرير حجم الإنفاق، ومصادر التمويل، والنتائج الفعلية للمشروعات، وتكلفتها الاجتماعية، والعائد الذي وصل إلى المواطن، إضافة إلى أثر السياسات الاقتصادية على الدخل والأسعار ومستوى المعيشة.
تستعد الحكومة المصرية لعرض تقرير شامل عن حصيلة عملها خلال السنوات الأخيرة. ويشمل التقرير حجم الإنفاق، والمشروعات المنفذة، والنتائج التي تحققت.
لكن المواطن ينظر إلى هذه الحصيلة من زاوية مختلفة.
ماذا تغيّر في حياته بعد كل هذا الإنفاق؟
يمكن للحكومة أن تعرض أرقامًا عن الطرق والكباري والمدن الجديدة والمشروعات القومية والاستثمارات. كذلك تستطيع الاستناد إلى مؤشرات النمو وتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية.
وبحسب البيانات الحكومية، سجل الاقتصاد المصري نموًا قدره 5.3% خلال النصف الأول من السنة المالية 2025/2026. ووصل الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 9.3 مليار دولار خلال الفترة نفسها.
ومع ذلك، لا يقيس المواطن الاقتصاد بهذه الأرقام وحدها.
فهو يلمسه في سعر الطعام، وفاتورة الكهرباء، وتكلفة المواصلات. كما يواجهه في مصروفات التعليم والعلاج والسكن.
وفي نهاية الشهر، يعود المواطن إلى السؤال الأكثر إلحاحًا:
ماذا تبقى من راتبي؟
ومن هنا تبدأ المسافة بين «حصاد الحكومة» و«حصاد المواطن».
أرقام ضخمة.. لكن أين المواطن؟
من حق الحكومة أن تعرض ما أنجزته. وفي المقابل، يحتاج المواطن إلى معرفة أين ذهبت الأموال، وما النتائج التي تحققت، وما العائد الذي عاد عليه.
وتقدم مبادرة «حياة كريمة» مثالًا واضحًا على حجم الإنفاق.
فقد أعلنت الحكومة أن تمويل المشروعات المنجزة ضمن المبادرة تجاوز 450 مليار جنيه. وشملت الأعمال أكثر من 1450 قرية، بينما استفاد منها نحو 20 مليون مواطن.
هذه أرقام كبيرة، لكنها لا تقدم الصورة كاملة.
السؤال الأهم: ماذا تغير على الأرض؟
هل أصبحت الخدمات أفضل؟
وهل أصبح الوصول إليها أسهل؟
وهل انخفضت تكلفتها؟
إضافة إلى ذلك، هل ظهرت فرص عمل جديدة؟ وهل ارتفعت دخول الأسر؟
ثم يبقى سؤال آخر: هل تستطيع هذه الاستثمارات إنتاج قيمة اقتصادية مستدامة بعد انتهاء الإنفاق الحكومي؟
لا تنتقص هذه الأسئلة من قيمة المشروعات. بل تساعد على قياس نتائجها بصورة أكثر دقة.
فالإنجاز لا يقاس بما أُنفق فقط، وإنما بما تحقق بعد الإنفاق.
المواطن لا يعيش داخل جدول مؤشرات
تقول الحكومة إن الاقتصاد المصري أصبح أكثر قدرة على مواجهة الصدمات. وترى أن الإصلاحات الاقتصادية ساعدت على استعادة قدر من الاستقرار.
ومن جهته، يشير صندوق النقد الدولي إلى قدرة الاقتصاد المصري على الصمود. ويربط ذلك بمرونة سعر الصرف وإجراءات ضبط المالية العامة.
لكن الصندوق يشير، في الوقت نفسه، إلى استمرار الحاجة إلى إصلاحات هيكلية. ومن بينها تقليص الدور الاقتصادي للدولة، وزيادة مساحة القطاع الخاص.
وهنا تظهر نقطة أساسية:
تحسن المؤشرات الاقتصادية لا يعني تلقائيًا تحسن حياة جميع الأسر.
فقد يرتفع النمو، بينما يبقى الدخل غير كافٍ. وقد يتراجع التضخم، لكن الأسعار تظل مرتفعة.
وفي الوقت ذاته، قد تتحسن الاحتياطيات الأجنبية، بينما يواجه المواطن مشكلة أكثر إلحاحًا:
كيف سيدفع نفقات الشهر؟
لذلك، لا تكفي المؤشرات الكلية وحدها للحكم على الوضع الاقتصادي. بل يجب النظر أيضًا إلى أثرها على الحياة اليومية.
الطبقة الوسطى.. بين دخل يتحرك ببطء وتكاليف تتصاعد
تحتاج الطبقة الوسطى إلى إجابة واضحة عند تقييم السنوات الأخيرة.
فهي لا تحصل عادة على معظم الدعم الموجه إلى الفئات الأكثر احتياجًا. وفي المقابل، لا تملك دائمًا قدرة مالية كبيرة على مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة.
يواجه الموظف هذه الضغوط. كذلك يتأثر صاحب العمل الصغير.
أما المعلم والمهندس والطبيب والصحفي وأصحاب المهن الحرة، فيجد كثير منهم أنفسهم أمام المشكلة ذاتها بدرجات مختلفة.
وتبدو المعادلة واضحة:
الدخل يتحرك ببطء.. بينما تتحرك التكاليف بسرعة.
ومع استمرار هذا الفارق، يتغير نمط حياة الأسرة.
قد تتراجع قدرتها على الادخار. وربما تضطر إلى تقليص نفقات التعليم.
وفي حالات أخرى، قد تؤجل بعض احتياجات العلاج. أما شراء المسكن، فقد يتحول إلى قرار مؤجل لسنوات.
ومن هنا يأتي السؤال:
هل تحسن مستوى حياة المواطن؟ أم أصبح أكثر قدرة على تحمل الضغوط؟
الإصلاح الاقتصادي.. من يدفع التكلفة؟
لا يمكن قراءة السنوات الأخيرة بعيدًا عن برنامج الإصلاح الاقتصادي.
فقد شهدت هذه الفترة تغييرات في سعر الصرف. كما جرت إعادة تسعير بعض الخدمات والطاقة.
وفي الوقت نفسه، اتبعت الدولة سياسات نقدية ومالية أكثر تشددًا.
ولهذه الإجراءات أهداف اقتصادية معلنة. ومع ذلك، تحمل السياسات الاقتصادية تكلفة اجتماعية تختلف من فئة إلى أخرى.
وبحسب صندوق النقد الدولي، كان متوقعًا أن يبلغ التضخم نحو 16.7% خلال النصف الثاني من عام 2026. ويرتبط ذلك، وفق تقييم الصندوق، بعوامل من بينها أسعار الطاقة وتغيرات سعر الصرف.
لذلك، لا يكفي الحديث عن الاستقرار الاقتصادي وحده.
هناك أسئلة أخرى تستحق الإجابة:
من دفع تكلفة الإصلاح؟
ومن حصل على مكاسبه؟
وكيف توزعت الأعباء بين الفئات الاجتماعية؟
هذه الأسئلة لا تعني رفض الإصلاح الاقتصادي. وإنما تساعد على تقييم نتائجه وآثاره الاجتماعية.
الدين.. كيف جرى تمويل سنوات الإنفاق؟
هناك سؤال آخر لا يمكن تجاهله:
كم كلفت المشروعات الحكومية؟
فالمشروع لا يقاس بحجم الإنفاق عليه فقط.
يجب معرفة مصدر التمويل، وكذلك تكلفة الاقتراض. ومن الضروري أيضًا تحديد العائد الاقتصادي والاجتماعي المتوقع.
وتظهر بيانات صندوق النقد الدولي وجود التزامات مالية على مصر خلال عام 2026. وتشمل هذه الالتزامات أقساطًا وفوائد ورسومًا مرتبطة ببرامج التمويل القائمة.
وبالتالي، يحتاج المواطن إلى أكثر من قائمة بالمشروعات.
إنه يحتاج إلى معرفة:
كم كلفت؟
كيف جرى تمويلها؟
ما العائد المتوقع؟
ومتى سيصل هذا العائد إليه؟
الإنجاز الحقيقي ليس في عدد الكباري
لا خلاف على أهمية البنية الأساسية. فالطرق والنقل والطاقة والمياه والاتصالات تمثل عناصر أساسية لأي عملية تنمية.
لكن بناء المشروع لا يعني بالضرورة اكتمال أثره.
فالطريق يكتسب قيمته عندما يخفض تكلفة النقل. والمصنع يصبح أكثر أهمية عندما يوفر وظائف مستقرة.
أما المدينة الجديدة، فتزداد قيمتها عندما ترتبط بفرص العمل والخدمات.
وفي القطاع الصحي، لا يكتمل أثر المشروع إذا ظل المواطن عاجزًا عن تحمل تكلفة العلاج.
وبالتالي، ينبغي أن يصاحب كل رقم في تقرير الإنجازات سؤال واضح:
ما الذي عاد به هذا الرقم على المواطن؟
الحكومة ترى الأرقام.. والمواطن يرى حياته
تنظر الحكومة إلى الدولة من خلال المؤشرات.
في هذه الصورة تظهر المشروعات الكبرى، ومعدلات النمو، والاستثمارات. كما تظهر الطرق والموانئ والمدن الجديدة وأرقام التجارة والسياحة والاحتياطيات.
أما المواطن، فيرى صورة مختلفة.
إنه يواجه الأسعار في السوق. ويحسب فاتورة الكهرباء.
ثم ينظر إلى مصروفات المدرسة وتكلفة العلاج والمواصلات والسكن.
وفي نهاية الشهر، يعود إلى راتبه ويسأل:
كم يستطيع أن يشتري به؟
وهنا يتحدد معنى الإنجاز بالنسبة إليه.
فالمواطن لا يدفع فاتورته بمعدل النمو. ولا يشتري الطعام بحجم الاستثمارات.
كذلك لا يسدد مصروفات المدرسة بعدد المشروعات المنفذة.
إنه يحتاج إلى دخل حقيقي، وخدمات أفضل، وقدرة أكبر على تحمل تكاليف الحياة.
خمسة أسئلة أمام تقرير الإنجازات
إذا أرادت الحكومة تقديم حصاد كامل، فهناك خمسة أسئلة أساسية تنتظر الإجابة:
- كم أنفقت الدولة؟
- من أين جاءت الأموال؟
- ماذا تحقق بالفعل؟
- ما التكلفة التي تحملها المواطن؟
- متى سيشعر المواطن بالعائد؟
وفوق هذه الأسئلة جميعًا، يبقى سؤال أكبر:
من المستفيد الحقيقي من النمو؟
فارتفاع النمو لا يكفي وحده. المطلوب أن يتحول إلى وظائف أفضل ودخول أعلى وخدمات أكثر كفاءة.
وفي المقابل، يحتاج المواطن إلى حماية أكبر من ارتفاع تكاليف المعيشة.
وعندما تتحقق هذه العناصر، يتحول الرقم الاقتصادي إلى تحسن ملموس في حياة الأسرة.
إنجازات الحكومة من وجهة نظر المواطن
تستعد الحكومة لعرض حصاد السنوات الأخيرة. ومن حقها أن تقدم مشروعاتها وأرقامها.
لكن المواطن يملك حقًا آخر:
أن يقيس النتائج من حياته اليومية.
قد تتحدث الحكومة عن مليارات الجنيهات التي أُنفقت، بينما ينظر المواطن إلى قيمة راتبه وقدرته الشرائية.
وقد تعرض مشروعات جديدة، لكنه يسأل عن فائدتها وتكلفتها.
وحين تشير إلى ارتفاع النمو، يبحث المواطن عن نصيبه منه.
أما الحديث عن الاستقرار الاقتصادي، فيقابله سؤال أكثر قربًا من حياته:
هل أستطيع تحقيق الاستقرار داخل منزلي؟
وهنا يجب أن يكون النقاش واضحًا.
المسألة ليست إنكار وجود المشروعات. كما أنها ليست رفض عرض أرقام الإنجاز.
القضية هي معرفة العائد الذي وصل إلى المواطن، مقارنة بالتكلفة التي تحملها المجتمع.
لذلك، لن يكون الاختبار الحقيقي لتقرير إنجازات أكتوبر في عدد صفحاته.
ولن يكون في حجم أرقامه.
ولن يكون في عدد المشروعات الواردة فيه.
بل يختصر الاختبار كله سؤال واحد:
بعد كل ما أنفقته الدولة خلال السنوات الأخيرة.. هل أصبح المواطن المصري أفضل حالًا؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يبدأ منه النقاش حول الحصاد الحكومي، لا أن ينتهي عنده.
شاركنا برأيك