مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

ليبيا مسار دولة سقطت بين الأمل والانفجار والإنهاك

دخل الإعلام بقوة إلى المشهد التغطية كانت متسارعة، عالية النبرة، تسبق الوقائع وتؤطر الأحداث في ثنائيات حادة.

مشاركة:
حجم الخط:

ليبيا 2007: هدوء الدولة وصمت الأسئلة

في شتاء 2007، كانت ليبيا تبدو بلدًا مستقرًا، هادئ الإيقاع، متماسك الشكل .. الدولة حاضرة، الشوارع آمنة، والحياة اليومية تسير بلا خوف من الغد.. لم تكن السياسة مفتوحة، لكن الاستقرار كان حقيقة ملموسة.
في تلك الفترة، وخلال أسبوعين بين بنغازي وطرابلس، شاركتُ بصفتي خبيرًا إعلاميًا في ملف إنساني بالغ الحساسية: قضية الأطفال الذين حُقنوا غدرًا بفيروس الإيدز.
التقيتُ مسؤولين، وشاركتُ في نقاشات، ولاحظتُ حضورًا لافتًا للمرأة الليبية في اللجان الشعبية والمنتديات والحياة العامة.
كان سيف الإسلام القذافي آنذاك شابًا مفعمًا بالحماس، يتحدث عن الإصلاح والانفتاح، ويحاول – أو هكذا بدا – أن يفتح نافذة داخل نظام مغلق.
ليبيا لم تكن مثالية، لكنها كانت دولة تُدار من مركز واحد، بسلاح واحد، وصوت واحد.
ذلك الهدوء، الذي بدا طبيعيًا يومها، سيتحوّل لاحقًا إلى ذكرى بعيدة.
ليبيا 2011: حين انفجر كل شيء
ثم جاء العام الذي غيّر كل شيء .. سقط السقف فجأة، وانكشفت الجدران، وتحوّل الاختلاف إلى رصاص , في فبراير 2011، خرجت احتجاجات محدودة في بنغازي، متأثرة بمناخ إقليمي مضطرب.
مطالبها الأولى كانت إصلاحية، لكن التعامل الأمني، وسقوط قتلى في الأيام الأولى، سرّعا انتقال البلاد من الاحتجاج إلى المواجهة.
في تلك اللحظة، دخل الإعلام بقوة إلى المشهد.
التغطية كانت متسارعة، عالية النبرة، تسبق الوقائع وتؤطر الأحداث في ثنائيات حادة.
العناوين سبقت التحقيق، والصورة سبقت السياق، وتحولت الأزمة إلى معركة سرديات قبل أن تصبح حربًا.
من موقع الخبرة الإعلامية، كان واضحًا أن الدولة خسرت سريعًا أخطر معاركها: معركة الرواية.
الإعلام الرسمي بدا متخشبًا وبطيئًا، بينما فرضت منصات أخرى خطابًا تعبويًا أغلق باب الحلول الوسطى.

مع فتح مخازن السلاح، وتشكّل كتائب محلية بلا قيادة موحدة، انتهت السياسة عمليًا.
تحوّل السلاح إلى لغة يومية، وساهم الإعلام – بقصد أو دون قصد – في تطبيع العنف ومنحه شرعية رمزية.
التدخل الدولي جاء لاحقًا، لكنه لم يكن مفاجئًا.
فالمشهد الإعلامي كان قد مهّد نفسيًا ورمزيًا لقرار مجلس الأمن 1973، ولعمليات الناتو التي قلبت موازين القوى، ودمّرت بنية الجيش النظامي.
سقطت طرابلس في أغسطس 2011، ثم حوصرت سرت.
وفي 20 أكتوبر، قُتل معمر القذافي في مشهد صادم وثّقته الكاميرات.
كان ذلك اغتيالًا أنهى نظامًا، لكنه لم يُنهِ الصراع، بل فتح بابًا لفوضى بلا أفق.
وللحديث بقية

شارك المقال: