لماذا تعرقل إسرائيل مفاوضات أمريكا وإيران؟
لم يُقرأ هذا الصراع داخل بعض الدوائر الإسرائيلية والغربية كنزاع إقليمي عادي، بل كجزء من تهديد وجودي أوسع، تختلط فيه الحسابات الاستراتيجية بتصورات دينية وعقائدية،

صورة تعبيرية للمقال
لم تعد المشكلة أن إسرائيل تعارض المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران فحسب،
بل إن دورها يتجاوز الاعتراض إلى محاولة التأثير المباشر على مصير أي تسوية محتملة أو اتفاق طويل الأمد.
منذ البداية، لم يُقرأ هذا الصراع داخل بعض الدوائر الإسرائيلية والغربية كنزاع إقليمي عادي،
بل كجزء من تهديد وجودي أوسع، تختلط فيه الحسابات الاستراتيجية بتصورات دينية وعقائدية،
تصل أحيانًا إلى استدعاء رموز مثل «جوج وماجوج».
ورغم أن إسرائيل ليست طرفًا رسميًا على الطاولة، إلا أنها ظلت لاعبًا مؤثرًا يعمل من الخارج على تعطيل أي تسوية مستقرة.
وائل الغول يكتب: مفاوضات تحت النار
وائل الغول يكتب: إيديولوجيا ال40 يوما أسرار هدنة إيران
نحن أمام مشهد معقد:
ضغوط متبادلة لتحسين شروط التفاوض بين واشنطن وطهران، وإسرائيل تتحرك لمنع تثبيت أي اتفاق، بينما يسعى التحالف الرباعي (مصر، السعودية، تركيا، باكستان) إلى منع الانزلاق نحو مواجهة شاملة.
وخلف هذا الاشتباك السياسي، تبرز طبقة أعمق تحول الأزمة الإقليمية إلى صراع «أمن وجودي».
من الطاولة إلى الميدان
لم يكن التصعيد العسكري منفصلاً عن مسار المفاوضات، بل أصبح أداة موازية له.
في «حرب الـ12 يومًا» في يونيو 2025، وفي فبراير–مارس 2026، استهدفت إسرائيل (بدعم أمريكي) منشآت نووية رئيسية في نطنز وأصفهان وأراك ويزد، إضافة إلى مواقع سرية.
اللافت لم يكن حجم الضربات فقط، بل توقيتها:
كلما اقتربت الجولات التفاوضية من نقطة حساسة، ارتفع منسوب العمل العسكري.
النتيجة كانت دفع المسار الدبلوماسي إلى بيئة أكثر هشاشة وانعدام ثقة.

الجبهة اللبنانية وإعادة صياغة قواعد الاشتباك
بقي الملف اللبناني حاضرًا بقوة في المشهد.
في 16 أبريل 2026، توصلت إسرائيل ولبنان إلى وقف إطلاق نار مؤقت لمدة 10 أيام (قابل للتمديد) برعاية أمريكية، بهدف تمكين الجيش اللبناني من السيطرة على الجنوب ومنع أنشطة حزب الله.
عمليًا، أعادت إسرائيل صياغة قواعد الاشتباك، مع التركيز على ترتيبات أمنية طويلة الأمد.
وهكذا، لا تنهي التهدئة الصراع، بل تعيد تنظيمه ميدانيًا.
التأثير غير المباشر داخل واشنطن
يتجلى التأثير الإسرائيلي عبر الكونغرس ومراكز التفكير والإعلام في رفع سقف الشروط:
اتفاق دائم أو طويل الأمد، تفكيك المنشآت الرئيسية، وتسليم مخزون اليورانيوم المخصب.
هذا يحول التفاوض من «صفقة ممكنة» إلى «اتفاق صعب التحقق».
“ياجوج وماجوج”… بين النص والسرد السياسي
يبرز البعد الأيديولوجي داخل دوائر يمينية إسرائيلية وبعض التيارات المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة، حيث يُستدعى مفهوم «جوج وماجوج» من سفر حزقيال (الإصحاحين 38 و39).
حيث يُصوَّر «جوج» كقائد لتحالف يهاجم إسرائيل في معركة نهاية الأزمنة، وتُربط «فارس» بإيران المعاصرة.
هذا التأطير يخلق إطارًا ذهنيًا يرى الصراع «حتميًا» لا قابلًا للتسوية.
فيصبح أي اتفاق تنازلاً عن «مسار مقدر سلفًا»، مما يرفع مستوى التشدد ويقلص مساحة الحلول الوسط.
التحالف الرباعي… شبكة أمان إقليمية
يبرز التحالف الرباعي (مصر، السعودية، تركيا، باكستان) كمحور إقليمي يهدف لمنع الانفجار الشامل.
وتكمن قوته في تنوع الأدوار:
* باكستان: قناة الاتصال الخلفية والوسيط الرئيسي في المفاوضات.
مصر: منظم الإيقاع السياسي وضابط التوازن، ومقلص الفجوات التفاوضية.
السعودية: ضامن أمن الخليج، واستقرار الطاقة وأسواق النفط العالمية.
تركيا: منصة الحوار المرن والاتصالات غير المباشرة.
هذه الكتلة الإقليمية تسعى لاحتواء الصراع وتقليص مساحة التصعيد.
المعضلة
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الأبعاد العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية والعقائدية، يحاول التحالف الرباعي إبقاء باب الحوار مفتوحًا، بينما تمضي إسرائيل في مسار تعطيل التسوية وتأجيج التصعيد.
وهنا يبقى السؤال مفتوحًا:
هل ما زال الحوار قادرًا على إعادة ضبط هذا الصراع؟
أم أن منطق «الصراع الحتمي» بات هو اللغة الأقوى في تحديد مصيره؟






