مقالات
السفير معصوم مرزوق
السفير معصوم مرزوق

دبلوماسي وسفير سابق

غضب ترامب ” الملحمي”  أو نهاية ملحمة!

طلق ترامب وصف " ملحمة الغضب " علي الإعتداءات التي قام بها ومعه نتنياهو ضد إيران ، ولم يكن ذلك سوي افتئات آخر منه ، مثلما فعل كثيرا في الإسهال المصطلحي الذي يمارسه

مشاركة:
حجم الخط:

أطلق ترامب وصف ” ملحمة الغضب ” علي الإعتداءات التي قام بها ومعه نتنياهو ضد إيران ، ولم يكن ذلك سوي افتئات آخر منه ، مثلما فعل كثيرا في الإسهال المصطلحي الذي يمارسه .

وربما يستدعي ذلك محاولة الإقتراب من مفهوم “الملحمة” (Epic) فلسفياً وسياسياً وتاريخياً وانعكاساته على الأحداث الراهنة في الشرق الأوسط .

يُستخدم مصطلح “الملحمة” (Epic) في عدة سياقات معرفية:

أدبية، فلسفية، سياسية، وتاريخية.

وفهم هذه الأبعاد المختلفة يساعد على تفسير لماذا يصف بعض المحللين والكتّاب أحداثاً كبرى في الشرق الأوسط بأنها أحداث ملحمية.

فالمقصود ليس مجرد الضخامة أو الدراما، بل الإشارة إلى صراعات عميقة قد تعيد تشكيل الذاكرة التاريخية والنظام السياسي لحقبة طويلة.

معصوم مرزوق يكتب: دخول أمريكا إلي العالم!

معصوم مرزوق يكتب: هدنة قلقة مقلقة

معصوم مرزوق يكتب: أين روسيا في معمعة ترامب؟

معصوم مرزوق يكتب: المعضلة الصينية علي سواحل هرمز !

أولاً: المعنى الأدبي للملحمة:

في الأدب الكلاسيكي، تشير الملحمة إلى قصيدة سردية طويلة تروي أعمال بطل أو مجموعة أبطال تؤثر أفعالهم في مصير شعب أو حضارة.
من أشهر الأمثلة الإلياذة والأوديسا ..أو سيرة أبي زيد الهلالي سلامة ..إلخ

تتميز الملحمة الأدبية عادة بعدة عناصر رئيسية مثل وجود بطل ذو طابع استثنائي لديه جاذبية شخصية وقدرات خاصة علي الإقناع ، ويتداخل أيضا بروز صراع واسع النطاق ، وغالباً ما يكون حرباً كبيرة أو مواجهة حضارية حاسمة ، وكذلك تتطلب الملحمة التبارز حول رهانات أخلاقية أو كونية كبيرة ، بما يكسب الملحمة إرتباط عميق بالذاكرة الجماعية للشعوب ،تساعد في تفسير أصل الأمة أو مصيرها ، وبذلك تصبح الملحمة أكثر من مجرد قصة؛ فهي سردية حضارية تشرح كيف ترى الأمة نفسها وتاريخها.

ثانياً: المعنى الفلسفي للملحمة:

من الناحية الفلسفية، تعكس الملحمة الطريقة التي تبني بها المجتمعات معنى تاريخها من خلال الصراع.

وقد رأى الفيلسوف الألماني هيجل Friedrich Hegel ” أن التاريخ يتقدم عبر صراع بين قوى متعارضة، وفي هذا الإطار، تمثل الملاحم تعبيراً رمزياً عن حركة التاريخ”.

وتحمل الملحمة فلسفياً عدة أفكار ، مثل دور الإنسان الفرد في صنع التاريخ حيث يظهر الأبطال كأدوات لقوى تاريخية أكبر.
ليس هذا فحسب ، بل أنها تحمل أيضا دراما المصير التاريخي إذ يُنظر إلى التاريخ كعملية ذات معنى وليست مجرد سلسلة أحداث عشوائية ، وذلك له أثره في تكوين الهوية الجماعيةحيث تُعرّف المجتمعات نفسها من خلال قصص البطولة والصراع.
وهكذا لعبت الملاحم القديمة دوراً مهماً في تشكيل الهوية الثقافية للشعوب، كما فعلت ملحمة جلجامش في حضارات بلاد الرافدين.

ثالثاً: المعنى السياسي للملحمة:

في المجال السياسي، يُستخدم وصف الملحمة للدلالة على صراعات كبرى تغيّر بنية القوة والنظام الدولي أو الإقليمي.

وتتميز الصراعات الملحمية سياسياً بعدة سمات منها : مشاركة عدة دول أو قوى حضارية ، يساعد تأثيرها في توازن القوى الدولية ، كما أنها تنتج سرديات أيديولوجية طويلة الأمد ، وتسهم في ظهور رموز سياسية مثل الأبطال أو الشهداء.

ومن أمثلة الصراعات التي وُصفت لاحقاً بالطابع الملحمي الحرب العالمية الأولي والحرب العالمية الثانية والحرب الباردة (التي اعتبرتها في مقالات كثيرة بمثابة الحرب العالمية الثالثة)

هذه الأحداث لم تكن مجرد حروب، بل أصبحت فيما بعد ملاحم سياسية تُستخدم عادة لتفسير السياسات والتحالفات والهوية الوطنية.

رابعاً: المعنى التاريخي للملحمة :

من منظور المؤرخين، تشير اللحظة الملحمية إلى الأحداث التي تمثل نقاط تحول كبرى في مسار التاريخ.

وتظهر هذه اللحظات عادة عندما ينهار نظام سياسي قديم ، ويظهر نظام إقليمي أو دولي جديد، وتؤدي الصراعات إلى إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية، ومن أبرز الأمثلة في تاريخ الشرق الأوسط:
اتفاقية سايكس / بيكو، و إنشاء دولة إسرائيل، والثورة الإيرانية، وغزو العراق للكويت ..

هذه الأحداث أنتجت سرديات تاريخية لا تزال تؤثر في سياسات المنطقة حتى اليوم.

لا شك أن دلالات المصطلح فيما يتعلق بالأحداث الراهنة في الشرق الأوسط ، حيث تعني “الملحمية” (وفيما حاول ترامب التمسح فيه بإطلاق شعار ملحمة الغضب) أنها تشكل سردية تاريخية مفصلية، أطرافها الرئيسيين هي أيران وإسرائيل وأمريكا ، فهي بلا شك تمثل سردية تاريخية كبري، بحيث لم تعد تُفهم فقط بوصفها أزمات سياسية عابرة،بل كجزء من صراع طويل حول شكل النظام الإقليمي ومستقبله.

فلا جدال في أن ما يحدث يسهم في صناعة ذاكرة تاريخية طويلة المدي ، بما قد يحول تلك الأحداث – كما سبق أن أشرت في مقال سابق ـ إلى مرجعيات تاريخية مؤسسة للأجيال القادمة.

وكما شكّلت الحرب العالمية الثانية النظام الدولي الحديث، فإن صراعات اليوم قد تشكّل النظام الإقليمي المستقبلي في الشرق الأوسط.

فما يبدو حتي الآن من تحولات في موازين القوي ، يشير إلي تغير جذري في التحالفات أو التوازنات الإستراتيجية، بما قد يجعلها مرحلة إنتقال ملحمية في تاريخ الشرق الأوسط ولكن ليس تطبيقا لمفهوم ترامب .

لأن استخدام السرديات الملحمية كأداة سياسية غالباً ما تقوم به بعض الدول والحركات السياسية من خلال استغلال لغة “الملحمة” لتعبئة الشعوب وإضفاء الشرعية على سياساتها ، لأن السردية الملحمية قادرة على تعبئة الرأي العام ، وتبرير التضحيات، فضلاً عن تعزيز شرعية القيادة السياسية.

ولهذا فإن وصف الأحداث بالملحمية قد يكون تحليلاً تاريخياً، لكنه قد يكون أيضاً أداة دعائية مثلما حاول ترامب أن يفعل.

شارك المقال: