غزة بعد الحرب: من يحكم الركام؟
من يملك حق إدارة غزة بعد أن تحولت إلى مساحة مدمرة سياسيًا وعمرانيًا وإنسانيًا؟

صورة تعبيرية للمقال
لم تعد غزة سؤالًا فلسطينيًا داخليًا، ولا مجرد ملف إنساني عالق على طاولة المفاوضات. بعد أكثر من عامين ونصف من الحرب، وبعد أن تجاوزت أعداد الشهداء وفق مصادر طبية فلسطينية أكثر من – 72 ألف شهيد ونحو 172 ألف مصاب- حتى ربيع 2026، لم يعد النقاش العالمي يدور حول وقف إطلاق النار وحده، بل حول السؤال الأخطر:
من يملك حق إدارة غزة بعد أن تحولت إلى مساحة مدمرة سياسيًا وعمرانيًا وإنسانيًا؟
لم تعد الأزمة مرتبطة بامتداد الحرب زمنيًا بقدر ما أصبحت مرتبطة بما سيأتي بعدها؛ إذ بدا واضحًا أن مرحلة ما بعد القتال أكثر تعقيدًا من العمليات العسكرية ذاتها.
فوقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025 ضمن ترتيبات دولية متعددة الأطراف لم يُنهِ الخلافات، بل نقلها إلى مستوى آخر أكثر حساسية يتعلق بشكل السلطة المستقبلية وآليات الأمن وإعادة الإعمار ومصدر الشرعية السياسية.
في هذا السياق برزت فكرة مجلس السلام بوصفها محاولة لتأسيس إطار إداري وسياسي انتقالي لا يقتصر على إدارة الوضع الإنساني فحسب، بل يمتد إلى رسم ملامح المرحلة المقبلة في القطاع.
وقد طُرحت للمجلس مهام تتعلق بالإشراف على برامج الإغاثة وإعادة الإعمار، والتنسيق الأمني، وإدارة المساعدات الدولية، وتهيئة الظروف لقيام إدارة فلسطينية مستقرة.
كما طُرحت تصورات بأن يضم ممثلين دوليين وإقليميين إلى جانب شخصيات فلسطينية ذات طابع إداري وفني، بما يمنحه غطاءً سياسيًا وقدرة تنفيذية أوسع.
غير أن الجدل الحقيقي لم يكن حول هياكل المجلس أو أعضائه المحتملين، بل حول أهدافه العميقة: هل يمثل خطوة انتقالية نحو تمكين الفلسطينيين من إدارة شؤونهم، أم أنه صيغة جديدة لوصاية سياسية تُدار تحت عنوان الاستقرار وإعادة الإعمار؟
وهنا انتقل الصراع من سؤال السيطرة على الأرض إلى سؤال أكثر خطورة: من يملك حق تقرير مستقبل الفلسطينيين؟
من يحكم غزة؟ السؤال الذي يسبق الإعمار
تدور التصورات الحالية حول ثلاث صيغ رئيسية: إدارة تكنوقراطية فلسطينية انتقالية، إشراف دولي عبر “مجلس السلام” وقوة استقرار دولية تضبط الأمن وتراقب نزع السلاح.
غير أن المشكلة ليست في العناوين، بل في الشرعية. فالإدارة التي لا يراها الفلسطينيون امتدادًا لإرادتهم ستبدو، مهما جرى تجميلها، نوعًا من الوصاية.
والإدارة التي تقبلها واشنطن وتل أبيب ولا يقبلها المجتمع المحلي لن تصنع استقرارًا، بل ستنقل الصراع إلى شكل جديد.
هنا يظهر اسم نيكولاي ملادينوف، الممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، بوصفه أحد أبرز الوجوه الفاعلة في المرحلة الراهنة.
فقد دفع باتجاه ربط إعادة الإعمار بترتيبات نزع سلاح حماس والفصائل، بينما ترد حماس بأن أي نقاش في المرحلة الثانية يجب أن يقترن أولًا بانسحاب إسرائيلي كامل وتنفيذ بنود الإغاثة وفتح المعابر.
هذه ليست تفصيلة إجرائية؛ إنها جوهر المعركة السياسية الجديدة.
إسرائيل وخط التقسيم الجديد
الأخطر أن غزة لم تعد تُدار كمساحة واحدة. فالتقارير الأخيرة تشير إلى أن إسرائيل وسّعت سيطرتها داخل القطاع إلى نحو – 59% – عبر ما يُعرف بخط “الأصفر” مع تحصينات وخنادق ومواقع عسكرية جديدة.
هذا يعني أن الهدنة قد تتحول من مرحلة انتقالية إلى واقع تقسيم دائم: جزء تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة أو الأمنية، وجزء آخر متروك للفلسطينيين تحت الحصار والخراب.
وفي هذه النقطة تحديدًا، يصبح السؤال: هل يجري البحث عن حكم غزة، أم عن طريقة لإدارة شطر من غزة وترك الشطر الآخر تحت معادلة أمنية إسرائيلية طويلة المدى؟
حرب إيران وأثرها على غزة
التطور الأكثر تأثيرًا في الملف لم يكن داخل غزة وحدها، بل في إيران. فالحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران، وما رافقها من إغلاق أو تهديد لمضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة والضغط على الأسواق، نقلت مركز الاهتمام الدولي مؤقتًا من غزة إلى طهران.
وقد حذرت تحليلات غربية من أن حرب إيران جعلت غزة “ملفًا مهملًا”، وعمّقت جمود المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار.
لكن هذا الإهمال لم يكن حياديًا. فقد استفادت إسرائيل من انشغال العالم بالجبهة الإيرانية لتثبيت وقائع ميدانية داخل غزة، بينما وجدت واشنطن نفسها مضطرة إلى ترتيب الأولويات: احتواء إيران أولًا، ثم العودة إلى غزة.
ولهذا فإن أي تسوية مع طهران ستنعكس مباشرة على القطاع. فإذا جرى تثبيت وقف إطلاق النار مع إيران، قد تعود غزة إلى الواجهة بوصفها ملفًا قابلًا للتسوية.
أما إذا بقيت الجبهة الإيرانية مفتوحة، فستظل غزة عالقة بين إدارة إنسانية مؤقتة وانقسام أمني طويل.

بين الجغرافيا والنفوذ: معركة ما بعد المعركة
في المشهد الحالي لا تتحرك غزة داخل فراغ سياسي، بل عند نقطة تقاطع لمصالح وحسابات تتجاوز حدود القطاع نفسه.
فهناك عقل في واشنطن يحاول إعادة تشكيل المشهد وفق تصور أوسع لا يتوقف عند وقف الحرب، بل يمتد إلى إعادة ترتيب خرائط النفوذ الإقليمي وإنتاج معادلة أمنية وسياسية جديدة للمنطقة.
وفي المقابل، تتحرك المؤسسة الحاكمة في تل أبيب من منطلق مختلف؛ فهي لا تنظر إلى اليوم التالي باعتباره مسألة إدارة مدنية أو إعادة إعمار بقدر ما تراه مسألة تتعلق بإعادة صياغة مفهوم الردع ومنع إعادة إنتاج البيئة التي أفرزت المواجهة من الأساس.
وبين هذين التصورين يتحرك المبعوثون الدوليون، وفي مقدمتهم بعض الوجوه ذات الخبرة الطويلة في ملفات الشرق الأوسط، لمحاولة تحويل الخطط النظرية إلى ترتيبات قابلة للحياة على الأرض، عبر هندسة هياكل انتقالية وإيجاد توازن بين المتطلبات الأمنية والاعتبارات السياسية والإنسانية.
وعلى هامش هذه الحركة الدولية تبدو العواصم العربية وكأنها لا تؤدي دور الوسيط التقليدي فقط، بل دور الشريك في صناعة المرحلة المقبلة.
فالدولة التي تمتلك الجغرافيا والمعابر تتحرك وهي تدرك أن أي تغيير داخل غزة سيترك أثره المباشر على أمنها القومي وحدودها.
بينما تتحرك دولة أخرى مستندة إلى شبكة علاقاتها التفاوضية الطويلة وخيوط التواصل المفتوحة مع الفاعلين الرئيسيين داخل القطاع.
في حين تسعى قوة إقليمية ثالثة إلى تثبيت حضورها السياسي من خلال إعادة تموضع دبلوماسي وأمني متزايد.
لذلك لم تكن اللقاءات المتكررة في القاهرة أو الدوحة أو غيرهما مجرد جولات وساطة لوقف إطلاق النار، بل بدت أشبه بمحاولات لإعادة كتابة الفصل التالي من الصراع نفسه، فصل لم يعد يدور حول كيفية إنهاء الحرب، بل حول من يملك حق تصميم ما بعدها.
لكن غياب الفلسطينيين كطرف مقرر في كثير من هذه التصورات يظل نقطة الضعف الكبرى.
فحين يناقش الآخرون مستقبل غزة أكثر مما يناقشه أهلها، يصبح السلام مشروع إدارة لا مشروع تحرير سياسي.
إعادة الإعمار: المال موجود جزئيًا.. والثقة غائبة
تقديرات إعادة إعمار غزة تتحدث عن خطة ضخمة تصل إلى نحو – 70 مليار دولار – ، بينما لا تتجاوز التعهدات المعلنة حتى الآن نحو – 17 مليار دولار- ، مع فجوة كبيرة بين الوعود والصرف الفعلي.
وتقول تقارير إن نحو – 85% – من البنية التحتية تضرر أو دُمر، وإن إزالة الركام وحدها تمثل عملية هائلة.
غير أن المشكلة الأعمق ليست مالية فقط.
فمن سيمول غزة إذا لم يعرف من يحكمها؟ ومن سيعيد بناء المدارس والمستشفيات إذا كانت الطائرات قد تعود لقصفها؟ ومن سيقبل بضخ الأموال في بيئة بلا ضمان سياسي ولا وحدة إدارية ولا أفق وطني؟
هل انتهى عصر الحلول التقليدية؟
نعم، إلى حد كبير. فالحلول القديمة القائمة على هدنة، ومساعدات، وترتيبات أمنية، ثم انتظار الانفجار التالي، لم تعد قادرة على إنتاج استقرار. غزة الآن تختبر ثلاثة مشاريع متصارعة: مشروع أمني إسرائيلي، مشروع إدارة دولية انتقالية، ومشروع فلسطيني يبحث عن شرعية مفقودة بين الانقسام والحصار والدمار.
وما لم تُربط إدارة غزة بمسار سياسي أوسع يعيد الاعتبار للحقوق الفلسطينية، فإن كل حديث عن “اليوم التالي” سيبقى حديثًا عن تنظيم الركام لا عن بناء المستقبل.






