معتز منصور يكتب: من أوقف الحرب؟
الحروب لا تُقاس بما يعلنه المنتصرون في مؤتمراتهم، بل بما تفرضه نتائجها على الأرض. وعندما تنتهي المواجهة بينما لا تزال إيران تخصب اليورانيوم داخل أراضيها، وتحتفظ بدورها الإقليمي

صوة تعبيرية للمقال
كيف انتهت المعركة إلى إعادة إنتاج التوازن؟
لم تدخل واشنطن وتل أبيب الحرب من أجل وقف إطلاق النار، ولا من أجل التوصل إلى تفاهمات مؤقتة، بل دخلتاها وهما تتحدثان عن شرق أوسط جديد، وعن تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وإنهاء دور حزب الله، وإخراج طهران من معادلات الخليج والمشرق، وإعادة رسم توازنات المنطقة تحت سقف الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية.
لكن الحروب لا تُقاس بما يعلنه المنتصرون في مؤتمراتهم، بل بما تفرضه نتائجها على الأرض. وعندما تنتهي المواجهة بينما لا تزال إيران تخصب اليورانيوم داخل أراضيها، وتحتفظ بدورها الإقليمي، ويظل حزب الله بعد الحرب غير منزوع السلاح، فإن السؤال لا يعود: ماذا أخذت إيران؟ بل ماذا عجزت الحرب عن انتزاعه منها؟
يكشف مسار التهدئة أن القوة العسكرية بلغت حدودها قبل أن تبلغ أهدافها. فبعد خطاب طويل عن الإخضاع والاستسلام الكامل، عادت واشنطن إلى التفاوض، لا لأنها اكتشفت فضيلة الدبلوماسية فجأة، بل لأن الحرب لم تستطع إنتاج الوقائع التي وُعد بها أصحابها.
صحيح أن طهران تحتاج إلى الأموال ورفع الضغوط واستعادة هامش الحركة الاقتصادية، لكنها لم تكن تبحث عن نصر استعراضي بقدر ما كانت تسعى إلى منع خصومها من تحقيق نصر استراتيجي. وهذا تحديدًا ما حدث. فالدولة التي قيل إن الحرب ستجبرها على التخلي عن برنامجها النووي، تجد نفسها تفاوض على ضوابط التخصيب لا على مبدأ التخصيب نفسه. والدولة التي قيل إنها ستُخرج من الخليج، تعود إلى ممارسة دورها الطبيعي في معادلاته. أما محور المقاومة، الذي بشرت إسرائيل بتفكيكه، فقد تعرض للاستنزاف والضربات، لكنه لم يتحول إلى ذكرى سياسية.
في لبنان تحديدًا، تتكثف المفارقة. فالحرب التي كان يُفترض أن تنتهي بنزع سلاح حزب الله، انتهت بتبريد الجبهة لا بإزالة أسباب اشتعالها. توقفت الحرب، لكن السلاح بقي. تراجع الاشتباك، لكن معادلة الردع لم تختفِ. وهذا ليس تفصيلًا، بل اعتراف ضمني بأن الحرب نجحت في إلحاق الأذى، لكنها فشلت في إنتاج بديل يسمح بإلغاء وظيفة المقاومة من المعادلة الإقليمية.
لهذا، تبدو الضجة التي ترافق الحديث عن “التنازلات الإيرانية” أقرب إلى محاولة لتجميل الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية. فحين تبدأ الحرب بشعار الاستسلام الكامل، وتنتهي بالاعتراف الضمني بحق التخصيب، وبالتفاوض على التفاصيل بدلًا من تصفية الملف، يصبح السؤال المشروع: من الذي تراجع عن سقفه السياسي؟
لا يعني ذلك أن إيران خرجت منتصرة بالمعنى المطلق، فالحرب استنزفتها، وألحقت أضرارًا كبيرة بمحورها، وكشفت نقاط ضعفها. لكن الفارق بين الاستنزاف والهزيمة كبير. فالهزيمة تعني انهيار الوظيفة الاستراتيجية وسقوط المشروع، بينما تشير الوقائع إلى أن المشروع نفسه لا يزال قائمًا، وأن خصومه انتقلوا من محاولة تصفيته إلى محاولة احتوائه.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فالحرب التي قيل إنها ستدشن شرقًا أوسط جديدًا، انتهت بإعادة الجميع إلى الحقيقة القديمة نفسها، وهي أن موازين القوى التي تشكلت خلال عقود لا تسقط بضربة واحدة، وأن ما عجزت النار عن انتزاعه، لن تنتزعه الأوراق والتوقيعات.
وفي النهاية، قد تستطيع واشنطن وتل أبيب تسويق وقف الحرب باعتباره نجاحًا، وقد تستطيع طهران تقديمه باعتباره صمودًا، لكن الحقيقة الأعمق أن المنطقة عادت إلى النقطة التي حاولت الحرب تجاوزها، أي إلى توازن الردع نفسه، مع فارق جوهري واحد، أن المشروع الذي أراد إعادة تشكيل الشرق الأوسط وجد نفسه مضطرًا مرة أخرى إلى التعايش مع الشرق الأوسط الذي حاول تغييره.






