د. محمد الغمري يقدم لنا: سلسلة لعلهم يفكرون(1)
لم تكن الكلمة أمرًا بالقراءة، بل إدخالًا للمعرفة في صلب الفعل، شرطًا يجعل الفهم سابقًا على القرار، ويجعل الإدراك بنيةً تُنتج الأثر.

صورة من وحي سلسلة المقالات
اقرأ حين لم تعد القراءة شرطًا
حين قال جبريل عليه السلام للنبي محمد عليه الصلاة والسلام: “اقرأ”، جاء النداء مقرونًا بالتأسيس: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (سورة العلق، الآية 1).
لم تكن الكلمة أمرًا بالقراءة، بل إدخالًا للمعرفة في صلب الفعل، شرطًا يجعل الفهم سابقًا على القرار، ويجعل الإدراك بنيةً تُنتج الأثر.
بهذا المعنى، لم تكن “اقرأ” قيمة ثقافية تُستدعى، بل قاعدة سننية يُبنى عليها انتظام الحياة، حيث تتأسس العلاقة بين المعرفة والفعل بوصفها علاقة شرط لا ترف.
غير أن ما تغيّر في مصر والعالم العربي ليس حضور القراءة، بل موقعها داخل البنية التي يُنتج بها المجتمع فعله. لم تختفِ القراءة، لكنها لم تعد شرطًا؛ أي أنها لم تخرج من التداول، بل خرجت من الوظيفة.
وليس من قبيل المصادفة أن الجذر اللغوي لكلمة “اقرأ” (ق ر أ) يدل على الجمع والضم؛ أي جمع المتفرق في معنى، لا مجرد تلاوة اللفظ.
يمكن اليوم أن يتعلم الفرد، ويعمل، ويترقّى، بل ويؤثر… دون أن تكون القراءة جزءًا من الآلية التي يُنتج بها فعله.
وهنا يتجلى ما يمكن تسميته بـ “الانفصال القيمي- الوظيفي”: بقاء القيمة في الخطاب، وانسحابها من شروط الإنتاج.
القراءة في أصلها ليست مهارة تقنية، بل آلية تنظيم إدراكي؛ تعيد ترتيب الواقع داخل الذهن، وتحوّل المعطيات المتفرقة إلى معنى قابل للتوجيه.
إنها الوسيط الذي يربط الإدراك بالفعل، ويحوّل المعرفة من حالة سكون إلى طاقة إنتاج.
ومن ثم، فإن خروجها من هذا الموضع لا يعني ضعفها، بل يدل على أن البنية نفسها قد أُعيد تنظيمها بحيث لم تعد القراءة عنصرًا لازمًا فيها.
محمد الغمري يكتب: هدنة الأيام العشر في لبنان
د. محمد الغمري يكتب: اختبار لبنان
د. محمد الغمري يكتب: ترامب “الكابوي” حين تتحول الأسطورة إلى ترند
د. محمد الغمري يكتب: هم الحرب البرية ضد إيران
وهنا يعمل قانون بنيوي حاكم:
كل عنصر لا يدخل في إنتاج الفعل، يُزاح تدريجيًا إلى الهامش، ولو بقي حاضرًا في الوعي أو الخطاب.
يتجلى هذا التحول حين ننظر إلى اشتغال المجالات الحاكمة بوصفها أنظمة إنتاج للفعل:
في السياسة:
يُصنع القرار تحت ضغط الزمن ونقص المعلومات، فتتقدم التقديرات السريعة على المعرفة المتراكمة، وهو ما يفسَّر ضمن إطار “العقلانية المحدودة” كما صاغه هربرت سيمون(⁵).
وفي الاقتصاد:
تُعاد هيكلة القيمة حول السرعة والإنجاز الإجرائي، بما يجعل المعرفة النظرية أقل حضورًا في مسارات الإنتاج، وهو ما يقترب مما لاحظه مالك بن نبي بشأن انتقال المجتمعات من إنتاج الأفكار إلى استهلاكها.
كما يتقاطع مع تحليلات سمير أمين حول اختلال البنية الاقتصادية في الأطراف.
وفي الإعلام:
يُعاد تشكيل المعرفة وفق إيقاع مختزل، فيُضغط النص ويُختصر المعنى، فيتحول العمق إلى عبء ضمن منطق السرعة.
أما في التعليم، فتظهر الأزمة في صورتها الأوضح:
تنفصل القراءة عن الفهم، وتتحول إلى أداة حفظ، فينجح الطالب دون أن يكتسب القدرة على التفكير، وهو ما انتقده باولو فريري في نموذج “التعليم البنكي” كما نبّه إليه طه حسين في ربطه النهضة بالتعليم القائم على الفهم لا التلقين.
وفي العدالة، تتجلى المفارقة بأقسى صورها:
يوقّع الفرد على نص لا يقرأه، ويخضع لأثر لا يفهمه، فتغيب القراءة عن حماية الحق رغم حضورها في نصه، وهو ما يعكس – في مستوى أعمق- ما أشار إليه عبد الوهاب المسيري من تحوّل المعرفة إلى أداة وظيفية منفصلة عن المعنى.
لا نكون هنا أمام نقص في المعرفة، بل أمام اختلال في بنيتها الوظيفية.
المعرفة موجودة، بل متضخمة، لكنها لا تعمل؛ لا تتحول إلى فهم، ولا تنتج أثرًا.
وهذا ما يفسر المفارقة التي تميّز اللحظة الراهنة: وفرة في المعلومات يقابلها عجز في الإدراك، وانتشار في المعرفة يقابله ضعف في الفعل؛ وهي حالة تقترب مما وصفه زيغمونت باومان بـ “سيولة المعرفة”
السبب لا يكمن في الأفراد، بل في إعادة تنظيم البنية نفسها. فالمجتمعات لا تُبقي على القيم لأنها صحيحة في ذاتها، بل لأنها لازمة لوظيفتها.
وما لا يتحول إلى شرط، يتحول إلى رمز. وهنا تقع القراءة: قيمة عليا… بلا وظيفة.
وهو ما يتقاطع مع ما أكده زكي نجيب محمود من أن المعرفة لا قيمة لها ما لم تتحول إلى سلوك عملي، ومع ما طرحه حسن حنفي بشأن الفجوة بين الفكر والواقع.
وعليه، فإن استعادة القراءة لا تكون بإحيائها خطابًا، بل بإعادتها وظيفة
لا بد أن تعود وسيطًا بين المعرفة والقرار، وأداة في الإنتاج، وشرطًا في التعليم، وضمانًا في العدالة.
أي أن تُدمج من جديد في البنية التي يُنتج بها المجتمع فعله، بحيث تصبح ضرورة لا خيارًا.
عندها فقط، لا تعود القراءة مطلبًا، بل نتيجة طبيعية لمسار لا يعمل بدونها.
لم تعد القراءة تسبق الفعل
بل جاءت بعد أن فقد الفعل معناه.






