مقالات
د. أيمن خالد
د. أيمن خالد

باحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي

د. أيمن خالد يكتب: الكماشة الأمريكية لخنق التنين الصيني

إنها حرب “هندسة جيو-نفطية” تسعى من خلالها القوى الكبرى إلى إعادة صياغة خرائط الطاقة العالمية وربط المصالح الإقليمية بموازين القوة الاقتصادية والعسكرية في آن واحد

مشاركة:
حجم الخط:

عروق النفط في هرمز 

إذا أردت معرفة المحرك الحقيقي للبارود في الخليج، فاترك لغة السياسة واقرأ دفاتر الحسابات الباردة في أسواق النفط العالمية.

فخلف قنابل الدخان الإعلامية التي تصاعدت من جزيرتي قشم وسيريك، ووراء الرشقات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي عبرت سماء المنطقة خلال الأيام الماضية، تبرز المعادلات الحقيقية التي تحكم المشهد.

فالملف النووي، وشعارات حماية الملاحة الدولية، والحديث عن الشرعية القانونية، ليست سوى عناوين ظاهرة في أزمة أكثر تعقيداً.

أما في العمق، فتدور معركة جيو-اقتصادية كبرى تتعلق بالطاقة، وسلاسل الإمداد، وإعادة توزيع النفوذ في النظام الدولي.

إنها حرب “هندسة جيو-نفطية” تسعى من خلالها القوى الكبرى إلى إعادة صياغة خرائط الطاقة العالمية وربط المصالح الإقليمية بموازين القوة الاقتصادية والعسكرية في آن واحد.

تراجع حاد في أسعار النفط العالمية

تحليل: هل تستخدم أمريكا النفط الروسي للضغط على الصين؟

سيكولوجيا الخوف: من فنزويلا إلى طهران والخليج

تسير السياسة الأمريكية المعاصرة وفق إستراتيجية تتجاوز حدود الإدارات المتعاقبة، وتأخذ في كل مرة شكل الجغرافيا التي تتحرك فوقها.

وتقوم هذه المقاربة على إدارة المخاطر وتعظيم أثرها السياسي والاقتصادي، فمن فنزويلا التي تمتلك أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، وصولاً إلى إيران، تبدو معادلة الطاقة حاضرة بقوة في حسابات الصراع الدولي.

ومع كل تصعيد أمني أو تهديد للممرات البحرية، تتجه دول المنطقة نحو تعزيز إنفاقها الدفاعي.

وقد جاء الإعلان الأمريكي الأخير عن صفقة منظومات مضادة للمسيّرات لصالح الكويت، بقيمة تقارب ملياري دولار، مثالاً واضحاً على كيفية تداخل الأمن والطاقة والاقتصاد في معادلة واحدة.

وبذلك تتحول مياه الخليج تدريجياً إلى مساحة تتقاطع فيها اعتبارات الردع العسكري مع المصالح التجارية والصناعية الكبرى.

عيون موسكو تفكك المشهد

لم تكن تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة “روسنفت” الروسية، إيغور سيتشين، خلال منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الأخير، مجرد تعليق عابر على تطورات المنطقة.

فالرجل، الذي يعد أحد أبرز الفاعلين في قطاع الطاقة الروسي، رأى أن شركات الطاقة الأمريكية تمثل أحد أبرز المستفيدين من استمرار التوترات في مضيق هرمز، مشيراً إلى أن ما يجري قد يؤدي إلى إعادة تشكيل قواعد سوق الطاقة العالمية بصورة تمنح المنتج الأمريكي مزايا إضافية في المنافسة الدولية.

وسواء اتُفق مع هذا التقدير أو اختلف معه، فإنه يكشف حجم الترابط بين التوترات الأمنية في الخليج وبين معادلات الطاقة وأسعار النفط في الأسواق العالمية.

الأرقام الباردة: من المستفيد الأكبر؟

تشير بيانات مؤسسات متخصصة، من بينها Rystad Energy وBruegel، إلى أن الولايات المتحدة أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أكبر المنتجين والمصدرين للنفط عالمياً.

وبناءً على ذلك، فإن ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن اضطرابات الإمداد العالمية قد ينعكس إيجاباً على قطاع الطاقة الأمريكي من خلال زيادة الإيرادات والأرباح والاستثمارات.

وفي المقابل، تتحمل الاقتصادات الصناعية الكبرى المستوردة للطاقة كلفة أعلى نتيجة أي اضطراب طويل الأمد في مضيق هرمز أو سلاسل التوريد المرتبطة به.

كماشة هرمز: الضغط على الصين عبر الطاقة

على الضفة الأخرى من المعادلة، تبدو الصين الأكثر حساسية تجاه أي اضطراب طويل الأمد في حركة النفط عبر الخليج.

فالاقتصاد الصيني يعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة القادمة من المنطقة، فيما يمر جزء كبير منها عبر مضيق هرمز، الأمر الذي يجعل أمن هذا الممر البحري جزءاً من الأمن الاقتصادي الصيني نفسه.

ومن هنا تبرز أهمية المضيق ليس فقط باعتباره ممراً للطاقة، بل كأداة ضغط جيوسياسية مؤثرة في المنافسة الإستراتيجية بين واشنطن وبكين خلال العقود المقبلة.

من قشم إلى الأصول المجمدة

تكشف التطورات الأخيرة عن تزامن واضح بين التحركات العسكرية والتحركات القانونية والمالية.

ففي الوقت الذي استهدفت فيه الضربات الأمريكية مواقع إيرانية في قشم وسيريك، برزت تقارير تتحدث عن دراسة آليات قانونية تتعلق بالأصول الإيرانية المجمدة والتعويضات المحتملة المرتبطة بالتوترات الإقليمية.

ويعكس هذا التزامن طبيعة الصراع الحديث الذي لم يعد يقتصر على الميدان العسكري، بل يمتد إلى النظام المالي العالمي والعقوبات والأدوات القانونية العابرة للحدود.

الواقعية السياسية: من المقذوفات إلى طاولة الشروط

في نهاية المطاف، تتراجع الضوضاء الإعلامية لتبقى الوقائع الصلبة وحدها حاضرة.

فالقدرات العسكرية، مهما بلغ تأثيرها، لا تعمل بمعزل عن الاقتصاد والسياسة والقانون. وما نشهده اليوم هو انتقال تدريجي من مرحلة تبادل الرسائل العسكرية إلى مرحلة الضغوط المالية والتفاوضية الأكثر تعقيداً.

وفي هذا السياق، جاء تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشبكة “فوكس نيوز” بقوله: “لقد أطلقتم صواريخكم وهذا يكفي” ليعكس رغبة واضحة في احتواء الجانب العسكري من المواجهة، مع إبقاء أدوات الضغط الأخرى فاعلة ومفتوحة.

وعليه، فإن جوهر الصراع لا يكمن فقط في الرشقات الصاروخية أو التحركات العسكرية الآنية، بل في المعركة الأوسع حول الطاقة والنفوذ وسلاسل الإمداد العالمية. ففوق عروق النفط الممتدة عبر مضيق هرمز، تُرسم اليوم خطوط تنافس دولي قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد بكثير من حدود الخليج، لتطال موازين القوة في الاقتصاد والسياسة العالميين.

شارك المقال: