مقالات
د. أيمن خالد
د. أيمن خالد

باحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي

د. أيمن خالد يكتب: مالي على حافة الانهيار

لم تعد الأزمة في مالي شأناً داخلياً يمكن احتواؤه ضمن معادلات الأمن التقليدي، بل تحولت إلى نقطة ارتكاز لإعادة تشكيل التوازنات في إقليم الساحل الإفريقي

مشاركة:
حجم الخط:

هندسة الفوضى في الساحل

لم تعد الأزمة في مالي شأناً داخلياً يمكن احتواؤه ضمن معادلات الأمن التقليدي، بل تحولت إلى نقطة ارتكاز لإعادة تشكيل التوازنات في إقليم الساحل الإفريقي.

فالتطورات المتسارعة، من انهيار الشمال إلى اهتزاز مركز القرار في باماكو، تكشف عن نموذج مركّب لإدارة الفوضى، تتقاطع فيه العوامل المحلية مع حسابات القوى الكبرى.

1. تفكك الدولة: من الانكشاف الأمني إلى انهيار السيادة

لم يعد توصيف الوضع في مالي مقتصراً على “ضعف الدولة”، بل تجاوز ذلك إلى تفكك السيادة.

فسقوط كيدال وانهيار السيطرة على الشمال، بالتوازي مع اختراقات أمنية داخل العاصمة، يعكس انتقال الدولة من حالة العجز إلى حالة فقدان الوظيفة.

إن الدولة هنا لم تسقط رسمياً، لكنها فقدت قدرتها على فرض النظام، وهو أخطر أشكال الانهيار في علم السياسة.

2. ضرب القيادة: غياب الرأس وتسارع الانهيار

تشير المعطيات إلى مقتل وزير الدفاع، وغموض مصير رئيس المجلس العسكري أسيمي غويتا، ما يعني أن الأزمة لم تعد ميدانية فقط، بل أصبحت أزمة قيادة.

غياب مركز القرار يُفقد النظام القدرة على إعادة التموضع، ويحوّل الانهيار من حدث قابل للاحتواء إلى مسار متسارع يصعب وقفه.

3. الانسحاب الروسي: لحظة انكشاف استراتيجي

يشكل تراجع الحضور المرتبط بـ روسيا نقطة تحول حاسمة. فالانسحاب المفاجئ من الشمال لم يخلق فراغاً فقط، بل كشف هشاشة الرهان على البدائل الأمنية.

هذا التطور يضع موسكو في موقع الدفاع، ويؤكد دخولها في مسار استنزاف غير متكافئ داخل بيئة معادية ومعقدة.

4. تحالف الضرورة: تزاوج الأيديولوجيا والهوية

التنسيق بين تنظيم القاعدة ومكونات من الطوارق يمثل تحوّلاً نوعياً في طبيعة الصراع.

فهذا التحالف لا يعكس فقط تقاطع مصالح، بل يؤسس لـنموذج هجين من السلطة يجمع بين الامتداد الاجتماعي المحلي والقدرة القتالية العابرة للحدود، ما يعقّد أي مواجهة تقليدية معه.

5. باماكو المشلولة: حين تبقى الدولة بلا وظيفة

الوضع داخل باماكو، في ظل حصار الوقود وتوقف الخدمات، يجسد ما يمكن تسميته بـ”شلل الدولة”.

فالمؤسسات قائمة شكلياً، لكنها عاجزة عن أداء وظائفها، وهو نمط غالباً ما يسبق إما انهياراً كاملاً أو إعادة تشكيل السلطة عبر تدخل خارجي.

6. الصمت الدولي: إدارة الأزمة لا حلّها

في الوقت الذي تعبّر فيه الأمم المتحدة عن القلق، تكتفي الولايات المتحدة بالمراقبة، مع توظيف سردية “فشل البدائل الروسية”.

هذا السلوك لا يعكس حياداً، بل يشير إلى إدارة محسوبة للأزمة، حيث يُترك مسار الأحداث ليُنتج نتائج تخدم إعادة توزيع النفوذ دون تدخل مباشر.

7. ارتدادات إقليمية: الساحل على أعتاب التدويل

لم تعد الأزمة محصورة داخل حدود مالي، بل امتدت تداعياتها إلى الجزائر وموريتانيا، اللتين دخلتا حالة استنفار.

هذا الامتداد ينذر بتحول مالي إلى بؤرة عدم استقرار إقليمي، مع احتمالات تصاعد الهجرة والتهديدات العابرة للحدود، ما يفتح الباب أمام تدويل الأزمة.

8. استشراف المشهد: مالي كنقطة إعادة تشكيل جيوسياسي

إذا استمر المسار الحالي، فإن مالي مرشحة لأن تتحول إلى:

* ساحة استنزاف للقوى الدولية
* منصة تهديد إقليمي ممتد
* حاجز يعطل مشاريع الطاقة والتكامل الاقتصادي

وبذلك، يصبح الانهيار ليس نهاية الأزمة، بل بداية لمرحلة جديدة عنوانها:

إعادة هندسة الإقليم عبر الفوضى الموجّهة

إن ما يحدث في مالي يتجاوز حدود الدولة، ليشكل اختباراً لنمط جديد من إدارة الصراعات، حيث تُستخدم الفوضى كأداة استراتيجية لإعادة توزيع النفوذ. وبين انهيار الداخل وصمت الخارج، تتبلور معالم مشهد إقليمي جديد، ستكون تداعياته أوسع بكثير من حدود الساحل الإفريقي.

شارك المقال: