عبد العظيم حماد : ذكريات لم تكتب من قبل مع الأستاذ هيكل
مجرد تنويه الصحيفة عن موافقة الأستاذ علي الكتابة فيها فإن الوسط الصحفي كله أصيب بالذهول والوجوم ،مما لم أر مثلهما إلا في صبيحة اليوم التالي لزلزال عام ١٩٩٢ ، وصبيحة إعلان نتيجة انتخابات برلمان ٢٠١٠ التي مهدت لثورة يناير ٢٠١١

بقلم: الكاتب الكبير
عبد العظيم حماد
تأخرت صلتي المباشرة وغير المباشرة بالأستاذ هيكل حتي أواخر ثمانينيات القرن الماضي ، وكنت قد بدأت احتراف الصحافة في العام الذي ترك فيه الأستاذ رئاسة تحرير الأهرام والصحافة المصرية كلها ، أي عام ١٩٧٤ ٠
ونبدأ بالصلة غير المباشرة ،وكانت من خلال الصديق الكبير، والأخ الأكبر المرحوم الأستاذ عبد الوهاب مطاوع ، الذي تكرم وطلب مشاركتي في وضع أسئلة لمقابلة صحفية سيجريها مع هيكل لمجلة الشباب ، فاقترحت عليه أن يقنع الأستاذ بالحديث بالتفصيل عن نفسه لأول مرة تقريبا ،بما أن الأجيال الجديدة لا تعرف عنه إلا كتاباته ، وأدواره أو خلافاته السياسية ، في حين أن جميع نظرائه كتبوا ، ومازالوا يكتبون الكثير عن أنفسهم ، إن صدقا وإن كذبا ، كما أن بعض هؤلاء يكتبون عنه ما يسئ إليه، وإلي عائلته افتراء وانتقاما ، وأضفت أن البعض يظن أن هيكل هذا كائن فضائي ، (وربما شيطاني ) ،كما يصوره بعض خصومه ، ، وفي هذه النقطة أتذكر – بأثر رجعي – أننا لم نصدق زملاءنا بقسم الآثار الإسلامية بكلية الآداب، الداخلين معنا الي جامعة القاهرة عام ١٩٦٨ عندما كانوا يقولون إن زوجة الأستاذ هيكل تزاملهم في الدراسة ، حتي رأينا بأعيننا السيدة هدايت تيمور ،وهي تغادر المبني في سيارتها الصغيرة من طراز فولكس فاجن ، وتقودها بنفسها ، وأكدت لنا المعلومة المرحومةً الدكتورة سعاد ماهر أستاذتها ، و كانت تكتب بابا يوميا حول مساجد مصر التاريخية بالأهرام ،في شهر رمضان من كل عام ٠
ونعود إلي حديث الأستاذ لمجلة الشباب ، إذ أنه اقتنع بعد تردد بأهمية ،بل بضرورة الحديث عن نفسه ، وكان سبب تردده – كما أخبرني عبد الوهاب مطاوع – هو اعتقاده بأن الصحفي ليس له حق شغل القراء بحياته وسيرته الذاتية ، أو مذكراته ، وأن كتابة السيرة هي من حق الأديب ، أما المذكرات فهي من حق وواجب السياسي ٠
وأما صلتي المباشرة بالأستاذ فقد جاءت عن طريق المرحوم الدكتور عبد الوهاب المسيري ، الذي جاورته في السكني بمنزله بعض الوقت ، و كان رحمه الله قد تكرم باستشارتي في التحضيرات الأولي للطبعة الجديدة من الموسوعة الصهيونية ، موضحا عدم ارتياحه لها ، وكان رأيي أن الكثير من المادة التي أعدها الباحثون المشاركون وقتها هي مادة صحفية ،ولا تناسب طبيعة الأعمال الموسوعية ، و اقترحت بدلا من ذلك نماذج محددة للكتابة الموسوعية حول المداخل المقترحة ، وقد فاجأني الدكتور المسيري بعد أسبوع بأن الأستاذ هيكل يريد أن يراني ، بعد أن حكي له ما قلته ، وأضاف إليه تقديمي غيابيا بأنني “صحفي عنده في الأهرام “!!!
دار الحديث في اللقاء الأول والذي -كنت متهيبا منه بطبيعة الحال – حول خلفياتي الدراسية والمهنية ، ثم عن التاريخ السياسي المصري ، ولم يعجبه رأيي حين قلت إن من أبرز سلبيات نظام يوليو ١٩٥٢ عقيدة عدم الخضوع لضغط الرأي العام والالتفاف عليه تخوفا من الظهور بمظهر الضعف ، وقال – معقبا – إن الرأي العام في مصر لم يستطع بعد ثورة ١٩١٩ تغيير علاقات القوة داخل معادلة السلطة ، إلا في عام ١٩٣٥ ، عندما أجبرت ثورة الطلبة القصر والأحزاب علي تشكيل الجبهة الوطنية للتفاوض مع الاحتلال ، مما أدي إلي معاهدة ١٩٣٦
بالطبع تكررت اللقاءات والاتصالات بعد ذلك كثيرا ، وفي كل مرة كان إعجابي يزيد بشخصية الرجل والإنسان قبل الكاتب الفذ ، فهو لم يستعمل قط لفظا جارحا أو نابيا ضد أي من خصومه برغم عدم تورّعهم هم أنفسهم عن ذلك معه ، ومع غيره ، ومع بعضهم البعض ، ولم يكن يقبل أن يقال في حضرته لفظ غير مهذب ، حتي ولو كان ضد هؤلاء الخصوم ، وذلك احتراما لنفسه أولا وقبل كل شيء ، لكنه كان عندما يرد إذا رأي ضرورة الرد ، فإنه يكون ساحقا ماحقا ودون فحش ، فقد رد ذات مرة علي كاتب دأب علي مهاجمته كذبا ، وبعد أن فند هذه الأكاذيب بالوثائق بقوله “إنني ليس لدي أحقاد قديمة أو جديدة أتلوي من تقلصاتها” ، كما كتب تحت عنوان “ رد علي شبح من الماضي “ موجها الحديث إلي المرحوم الرئيس الأسبق محمد نجيب ، بعد أن اتهمه بأنه – أي الأستاذ هيكل – عميل للمخابرات الأمريكية، لمجرد أنه كتب مقالا لصحيفة واشنطن بوست ذات مرة ، وفي المرتين كسب الأستاذ الجولة ٠
كما أنه لم يتخل عن سلوك الجنتلمان ، ولا عن قيم الانضباط في العمل قط ، حتي حين لا ينُتظر هذا منه ، ومن ذلك أن زميلي وصديقي عبد الله عبد السلام أبلغني -عندما كان يعمل في مجلة الكتب وجهات نظر – أن الأستاذ أشاد كثيرا بمقال لي في المجلة ،فاتصلت بمكتبه لأشكره ، ولكنه كان مسافرا ، فطلبت إبلاغه شكري ، ونسيت الموضوع إلي أن كنت أقود سيارتي ذات صباح في طريق سفري الي المصيف مع الأسرة ، فإذا بجرس (الموبايل ) يرن ، وكان مع ابنتي ( يمني )ذات السنوات العشر وقتها ، التي ردت علي الطالب ،لتعطيني الهاتف وهي تقول :”أونكل هيكل عاوز يكلمك “، بالطبع أوقفت السيارة ،ونزلت منها لا تلقي منه شكره علي اتصالي به للشكر ٠! وبالمناسبة لازلنا إلي اليوم نداعب يمني بهذا الموقف كلما جاءت سيرة الأستاذ هيكل في أية مناسبة عامة أو خاصة ٠
وبالطبع أيضا لايزال في الجعبة الكثير مما لم يكتب من قبل عن الأستاذ ،هيكل لكنني أختتم بحادث كتابته في أخبار اليوم عام ١٩٨٦ ، إذ بمجرد تنويه الصحيفة عن موافقة الأستاذ علي الكتابة فيها فإن الوسط الصحفي كله أصيب بالذهول والوجوم ،مما لم أر مثلهما إلا في صبيحة اليوم التالي لزلزال عام ١٩٩٢ ، وصبيحة إعلان نتيجة انتخابات برلمان ٢٠١٠ التي مهدت لثورة يناير ٢٠١١ ، وعلي سبيل المثال فقد اجتمع مجلس تحرير الأهرام لبحث كيفية صمود الأهرام في السوق في مواجهة هذا الزلزال المهني ، وكان الرأي هو طلب نشر مقال الأستاذ في كل الصحف في نفس اليوم ضمانا لعدالة المنافسة ، وما إن أعلن عن توقفه عن الكتابة وقتها بطلب من الرئيس حسني مبارك شخصيا حتي اعتدل الجميع مرة أخري علي كراسيهم ، وعادوا من جديد (ملو هدومهم ) كرؤساء تحرير وكتاب كبار ، وكان ذلك أقوي وأبلغ رد علي أكذوبة الكاتب الأوحد الذي صنعته علاقته بجمال عبد الناصر ، إذ كما يقال فإن لسان الحال أبلغ من لسان المقال.





