مقالات
علي الأفريقي
علي الأفريقي

كابب وباحث في الشؤون الإفريقية

علي الإفريقي يواصل: هل كانت السودان جزءا من مصر؟

فوجئ السودانيون بعودة الجيش المصري طبقا لمعاهدة ابرمت في لندن بين مصر وبريطانيا من دون إشراكهم في المفاوضات أو أخذ رأيهم رغم احتواء المعاهدة على بنود تمس شؤون بلادهم.

مشاركة:
حجم الخط:

اشتعال الحركة الوطنية في السودان

دخل السودان مرحلة جديدة في تاريخه فمنذ حملة “محمد علي باشا” عام 1820 ثم الثورة المهدية التي انهت الحكم المصري التركي.

ثم عودة مصر ثانية للسودان عام 1899بحملة عسكرية مصرية بريطانية، وابرام اتفاقية الحكم الثنائي المصري البريطاني، ثم ثورة 1924 واعقبها طرد بريطانيا للجيش والموظفين المصريين.

ثم فترة خمول اتسمت بسيطرة بريطانية كاملة مع تراجع سياسي للسودانيين، جاء عام 1936 والذي فوجئ خلاله السودانيون بعودة الجيش المصري طبقا لمعاهدة ابرمت في لندن بين مصر وبريطانيا من دون إشراكهم في المفاوضات أو أخذ رأيهم رغم احتواء المعاهدة على بنود تمس شؤون بلادهم.
أدى هذا التجاهل إلى شعورهم بالمرارة، ورغم أن زعماء القبائل التقليديين لم يولوا أهمية لمسألة عدم استشارتهم.
الا أن النخبة السودانية المثقفة أبدت استياءها من تجاهل بريطانيا ومصر للسودانيين وعدم دعوتهم للمشاركة.
ولهذا يرى المؤرخون أن معاهدة 1936 وضعت الحركة الوطنية السودانية لأول مرة على المسرح السياسي، لانها استثارت المشاعر الوطنية الكامنة.

وهكذا بدأ أعضاء جمعية خريجي كلية غوردون يعبرون عن تذمرهم، ليتوصلوا في النهاية إلى أنهم يفتقرون كسودانيين إلى هيئة سياسية تعبر عنهم في القضايا المتعلقة ببلادهم.

بالتالي رأوا ضرورة إنشاء كيان يتولى الدفاع عن مطالبهم الوطنية، فاستلهموا تجربة حزب المؤتمر الهندي واقترحوا تأسيس مؤتمر وطني للسودانيين.

عليه انعقد في مدينة “أم درمان” الاجتماع التاريخي لمؤتمر الخريجين في 12 فبراير 1938 برئاسة “إسماعيل الأزهري”، وبحضور ألف ومائة وثمانين خريجا.

وفي هذا المؤتمر برزت أسماء زعماء دينيين وشخصيات سودانية سيصبح لهم، منذ ذلك التاريخ، دورا محوريا في تشكيل مستقبل السودان السياسي.

علي الأفريقي يفند: هل كان السودان جزءًا من مصر؟ (1)

علي الأفريقي يواصل: هل كانت السودان جزءا من مصر؟

علي الأفريقي يبحث: هل كانت السودان جزءا من مصر؟ (6)

هل كانت السودان جزءا من مصر؟ (8)

تأسيس مؤتمر الخريجين العام

في عام 1938 بادرت النخبة المثقفة بتأسيس “مؤتمر الخريجين” كممثل “للأمة السودانية” وللحصول على الموافقة الرسمية.
أعلنوا أن أهدافه خيرية، تركز على تطوير التعليم وخدمة المجتمع، غير أن هدفهم الحقيقي كان تحويله إلى منبر سياسي يطالب باستقلال السودان.

مؤتمر الخريجين السودان 1926
مؤتمر الخريجين السودان 1938

وقد نجح “المؤتمر” في استقطاب المتعلمين وموظفي الحكومة والطلاب والتجار والنساء، لدرجة ان الزعيمين الدينيين الكبيرين، “علي الميرغني” زعيم طائفة الختمية، ومنافسه “عبدالرحمن المهدي” زعيم الطائفة المهدية (الأنصار)، حرصا على الانضمام إليه مع أتباعهما.

رحبت بريطانيا بقيام المؤتمر، خاصة وأن ليس من أعضائه من شارك في ثورة 1924، كما رأت فيه فرصة لإشعال التنافس على زعامة السودان بين طائفتي الختمية والأنصار، بما يتماشي مع سياستها الاستعمارية القائمة على مبدأ «فرق تسد»

أما مصر، فلم تبدِ في البداية حماسا للمؤتمر، بسبب عدم موالاة بعض أعضائه لفكرة وحدة وادي النيل.
إلا أن هذا الموقف تغير عقب الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء المصري “علي ماهر باشا” إلى السودان في فبراير 1940.
وهي أول زيارة في التاريخ لرئيس وزراء مصري، وخلالها التقى بأعضاء المؤتمر، الذين رحبوا به وأقاموا له حفل شاي.

علي ماهر رئيس وزراء مصر في السودان 1940
علي ماهر رئيس وزراء مصر في السودان 1940

وألقى سكرتير المؤتمر “إسماعيل الأزهري” كلمة أشاد فيها بعمق الروابط بين البلدين الشقيقين.

معربا عن تطلعهم إلى توثيق العلاقات مع مصر والحصول على دعم مالي لتنفيذ المشروعات الاجتماعية والخيرية.

ومضت الأمور في بدايتها على نحو إيجابي، غير أن المؤتمر سرعان ما وقع فريسة للصراعات الطائفية والعداوات بين أتباع الختمية والأنصار، فقد احتدم التنافس على الفوز برئاسة المؤتمر، والصراع حول مستقبل السودان.

إذ كان “عبدالرحمن المهدي” زعيم الأنصار يعارض الوحدة مع مصر ويرفع شعار «السودان للسودانيين»

في حين كان “علي الميرغني” زعيم الختمية يؤيد سياسة “إسماعيل الأزهري” الذي هواه مع مصر ويدعو إلى وحدة وادي النيل..

المذكرة التاريخية

مر نشاط مؤتمر الخريجين الذي تأسس في السودان عام 1938، بمرحلتين، ففي مرحلته الأولى التزم بالأهداف المعلنة له، والتي اقتصرت على العمل الاجتماعي والخيري وتطوير التعليم.

لكن كشف عن أهدافه السياسية بعد أربع سنوات، مستغلا مشاركة قوة دفاع السودان في الحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء، الذين أعلنوا أن انتصارهم في الحرب سيقابله منح شعوب مستعمراتهم حق تقرير المصير.

لذا بعث المؤتمر في أبريل عام 1942 بمذكرته التاريخية الشهيرة، التي تحدت الحكم الثنائي المصري البريطاني.

المذكرة التاريخية للمؤتمر صورة تعبيرية
المذكرة التاريخية للمؤتمر صورة تعبيرية


حيث طالبت المذكرة بمنح السودانيين حق المشاركة في الحكم، وتولي الوظائف المهمة، وتأسيس هيئة تشريعية من السودانيين تتولى إقرار القوانين، غير أن أخطر ما ورد في المذكرة هذه الفقرة:

صاحب المعالي حاكم السودان: “يتشرف مؤتمر الخريجين بأن يرفع لمعاليكم، بصفتكم ممثلًا لحكومتي صاحبي الجلالة الملك جورج السادس ملك بريطانيا العظمى، والملك فاروق الأول ملك مصر.
هذه المذكرة التي تعبر عن مطالب الشعب السوداني: نطالب بإصدار تصريح مشترك، في أقرب فرصة ممكنة، من الحكومتين الإنجليزية والمصرية، يمنح السودان، بكامل حدوده الجغرافية، حق تقرير مصيره السياسي.
وإحاطة هذا الحق بضمانات تكفل للسودانيين إمكانية تكييف الروابط الطبيعية مع مصر، باتفاق خاص بين الشعبين المصري والسوداني”

جورج السادس ملك بريطانيا 1938
جورج السادس ملك بريطانيا 1940

غير أن بريطانيا رفضت، بعجرفة وفظاظة استلام هذه المذكرة، واعتبرت أن التقدم بمثل هذه المطالب السياسية يعد وقاحة، لكونها تمس مباشرة اتفاقية الحكم الثنائي لعام 1899،  ومعاهدة عام 1936 بين مصر وبريطانيا.

وقالت أن مؤتمر الخريجين لا يملك الحق في التحدث باسم الشعب السوداني، وأبلغت قادته بأن المذكرة مردودة عليهم، وهددت بسحب اعتراف الحكومة بالمؤتمر.

 أدى هذا الرد البريطاني المتعجرف إلى إشعال شرارة معركة كبيرة، سواء بين مؤتمر الخريجين والسلطات البريطانية، أو داخل المؤتمر نفسه، حيث اشتدت الخلافات بين أعضائه وانقسموا حول كيفية التعامل مع بريطانيا..

المراجع:

السودان الشمال والجنوب والثورة – حسام الحملاوي.
-كتاب (معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية خلال ثلاثين عاما)- الإخوان الجمهوريون.
– كتاب (تاريخ الحركة الوطنية في السودان) – البروفسور محمد عمر بشير – الدار السودانية للكتب.
 كتاب (الادارة البريطانية والحركة الوطنية في السودان) – دكتور جعفر علي بخيت- المطبوعات العربية للتاليف والترجمة – الخرطوم – السودان.
كتاب (السودان من الحكم البريطاني الي فجر الاستقلال)- السير جيمس روبرتسون – الحاكم البريطاني لنيجيريا.
– كتاب (تاريخ السودان الحديث) – روبرت .او. كولينز – سنتا بربارا – لندن – جامعة كامبردج.

 

شارك المقال: