تقارير
سالم رخا
سالم رخا

كاتب صحفي

تقرير: العمل في مصر بين النص والواقع

تقرير لجنة الخبراء لعام 2026 الصادر عن منظمة العمل الدولية لا يكتفي برصد هذه المسافة، بل يكشف كيف تتسع، وكيف تتحول من فجوة يمكن تجاوزها إلى نمط يتكرر في أكثر من ملف

مشاركة:
حجم الخط:

تقرير  : سالم أبو رخا 

حين تتسع الفجوة بين النصوص والواقع

في سوق العمل، لا تُقاس القوانين بما تَعِد به، بل بما تتركه في حياة الناس من أثر.

قد تبدو النصوص متماسكة، مكتوبة بعناية، مليئة بضمانات تحظر التمييز وتحمي الحقوق، لكن ما إن تخرج من صفحاتها إلى الواقع، حتى تبدأ في فقدان وضوحها تدريجيًا.

هنا، في المسافة بين الورق والحياة، تتشكل الحكاية الحقيقية

تقرير لجنة الخبراء لعام 2026 الصادر عن منظمة العمل الدولية لا يكتفي برصد هذه المسافة، بل يكشف كيف تتسع، وكيف تتحول من فجوة يمكن تجاوزها إلى نمط يتكرر في أكثر من ملف، من التنظيم النقابي إلى عمالة الأطفال وصولًا إلى العمل الإجباري، حيث تبدو المشكلة أقل ارتباطًا بغياب القوانين، وأكثر ارتباطًا بقدرتها على أن تُمارس فعليًا.

في ملف التنظيم النقابي، تبدو الصورة للوهلة الأولى مطمئنة، فالقانون الجديد يتضمن نصوصًا تحظر التمييز النقابي وتجرّم الفصل بسبب النشاط النقابي، ويمنح العاملين حق اللجوء إلى القضاء والتعويض.

لكن هذه الصورة لا تكتمل دون النظر إلى ما يحدث بعد صدور النص

فإجراءات تسجيل النقابات المستقلة، كما يرصد التقرير، لا تزال بطيئة ومعقدة، وهو ما يحرمها عمليًا من اكتساب الشخصية الاعتبارية في الوقت المناسب، ويجعل وجودها القانوني معلقًا، لا هي غائبة تمامًا ولا قادرة على العمل بحرية.

في هذا السياق، لا يعود الحق في التنظيم مسألة قانونية خالصة، بل يصبح مشروطًا بإجراءات قد تطول، أو تتعثر، أو تُفرغ النص من مضمونه.

سامح حسنين يكتب: جزيرة إبستين والخطيئة المقدسة

الانتحار صرخة مجتمع (6) ماذا حدث لنفسية المصريين؟

سالم أبو رخا يكتب: “سعار” الهجوم الخليجي على مصر

غياب البيانات حول شكاوى العمال 

يضاف إلى ذلك غياب بيانات واضحة حول عدد الشكاوى وسرعة الفصل فيها، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى فعالية الحماية التي يفترض أن توفرها النصوص، إذ لا يكفي أن يكون الحق موجودًا على الورق، إذا لم يكن قابلًا للاستخدام في الوقت المناسب.

ويمتد هذا الغموض إلى المفاوضة الجماعية، حيث لا تزال قواعد تمثيل النقابات داخل المنشآت غير واضحة بشكل كافٍ، خاصة في حالات تعدد التنظيمات.

في هذه الحالة، يصبح السؤال ليس فقط عن وجود الحق في التفاوض، بل عن من يملك هذا الحق فعليًا، وكيف يمكن ممارسته دون أن يتحول إلى نزاع جديد.

معاناة العمال في مقابل الإجور (أرشيف)
معاناة العمال في مقابل الإجور (أرشيف)

مع غياب إجابة واضحة، قد يجد العمال أنفسهم أمام حق نظري لا يترجم إلى قدرة حقيقية على التفاوض.

هذا الغموض لا يقف عند حدود النصوص، بل ينعكس كذلك على مؤسسات يفترض أن تدير الحوار الاجتماعي، مثل المجلس الأعلى للتشاور، الذي يشير التقرير إلى أن تشكيله تم في بعض جوانبه دون تشاور واسع، ما يضعف من فكرة التمثيل ويثير تساؤلات حول مدى استقلالية هذا الإطار وقدرته على التعبير عن مختلف الأطراف.

وفي ملف عمالة الأطفال، تتخذ الفجوة شكلًا أكثر وضوحًا

فهناك خطة وطنية ممتدة، وبرامج للتوعية والتدريب، وجهود معلنة لمكافحة الظاهرة، لكن الأرقام التي يعرضها التقرير تقدم صورة مختلفة، حيث يبلغ عدد الأطفال العاملين نحو 4.2 مليون طفل، من بينهم 3.7 مليون في أعمال خطرة.

هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الظاهرة، بل تشير إلى محدودية أثر السياسات الحالية، خاصة في ظل استمرار بعض الثغرات التشريعية، مثل السماح بعمل الأطفال في سن مبكرة، إلى جانب نقص البيانات الدقيقة حول الانتهاكات والعقوبات.

في هذه الحالة، لا تبدو المشكلة في غياب الجهد، بل في قدرته على تحقيق نتائج ملموسة، وفي الفجوة بين ما يُخطط له وما يتحقق فعليًا على الأرض.

معاناة مستمرة من بداية يوم العمل حتى نهايته (أرشيف)
معاناة مستمرة من بداية يوم العمل حتى نهايته (أرشيف)

العمل الإجباري وطبيعة السياق 

أما في ما يتعلق بالعمل الإجباري، فيطرح التقرير مسألة أكثر تعقيدًا، تتعلق بطبيعة السياق الذي يتم فيه العمل، لا فقط بطبيعته أو مقابله المادي.

فبينما تؤكد الجهات الرسمية أن العمل داخل مراكز الإصلاح والتأهيل يتم بشكل اختياري وبمقابل، يشدد التقرير على أن معيار التوافق مع الاتفاقيات الدولية يرتبط بالسياق الذي يُفرض فيه العمل، محذرًا من أن استخدامه كعقوبة في قضايا تتعلق بالتعبير عن الرأي أو المواقف السياسية قد يضعه في نطاق العمل الإجباري، حتى وإن تم في إطار قانوني.

حدود السلطة وحدود الحق 

هنا، لا يتعلق الأمر فقط بتوصيف قانوني، بل بفكرة أوسع عن حدود السلطة وحدود الحق، وعن الخط الفاصل بين التنظيم والعقوبة.
في كل هذه الملفات، يتكرر النمط نفسه بصورة لافتة: نصوص قانونية تتقدم، يقابلها تطبيق يواجه صعوبات، وآليات تحتاج إلى تفعيل، وبيانات لا تزال غير كافية لقياس الفعالية.

هذه الفجوة لا تعني بالضرورة غياب الإرادة، لكنها تكشف عن تحديات أعمق تتعلق ببنية المؤسسات، وقدرتها على تنفيذ القوانين، وضمان وصولها إلى من يفترض أن تحميهم.

قدرة القوانين على الصمود خارج النص 

ومع تكرار هذا النمط، لا يعود السؤال متعلقًا بمدى تطور النصوص، بل بقدرتها على الصمود خارج صفحاتها، في واقع تتداخل فيه القواعد مع الإجراءات، والحقوق مع الممارسة اليومية.

في النهاية، لا يقدم التقرير إجابات نهائية بقدر ما يعيد صياغة السؤال من جديد: هل يكفي أن تُكتب القوانين بشكل جيد حتى تتحقق العدالة؟

أم أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد ذلك، حين تتحول هذه القوانين إلى اختبار يومي في حياة ملايين العاملين، حيث لا يكون ا

شارك المقال: