علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
آراء و تحليلات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

إسرائيل بعد الانتخابات.. دولة بلا أغلبية، ونتنياهو بلا تفويض حاسم

المعضلة الأعمق أن إسرائيل تواجه سؤالًا لم تحسمه القوة العسكرية: كيف يمكن تحويل السيطرة الأمنية إلى ترتيب سياسي مستقر؟

مشاركة:
حجم الخط:

المنطقة رهينة المجهول 

من مأزق تشكيل الحكومة إلى مستقبل غزة والضفة ولبنان وإيران: هل تعيد صناديق الاقتراع إنتاج الحروب بأدوات سياسية جديدة؟
لم تكن الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في السابع والعشرين من أكتوبر مجرد مواجهة بين بنيامين نتنياهو ومنافسه غادي آيزنكوت، بل كانت اختبارًا أعمق لدولة خرجت من سنوات استثنائية من الحروب والانقسامات، لتكتشف أن التفوق العسكري لا يمنح بالضرورة استقرارًا سياسيًا، وأن استعادة زمام المبادرة في ساحات القتال لا تعني استعادة الثقة داخل المجتمع.

وبينما تتواصل عمليات فرز الأصوات صباح الخميس، تبدو إسرائيل أمام مفارقة كاشفة: معسكر نتنياهو يتقدم دون أن يمتلك أغلبية الحكم، والمعارضة تمتلك فرصة حسابية لتغييره دون أن تتوافر بالضرورة الإرادة السياسية أو التوافق اللازم لاستثمارها، فيما تقف المنطقة أمام نتائج قد تحدد طبيعة القرارات الإسرائيلية المقبلة في أكثر جبهاتها اشتعالًا.

أزمة الـ61 مقعدًا.. لماذا لا تكفي الصدارة لحكم إسرائيل؟

تشير النتائج الأولية، بعد فرز نحو 90% من الأصوات، إلى حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 لمعسكر آيزنكوت، و19 للأحزاب العربية، في كنيست يحتاج أي ائتلاف حاكم فيه إلى 61 مقعدًا على الأقل.

لكن القراءة السياسية لهذه الأرقام تكشف ما هو أبعد من التعادل البرلماني.

فنتنياهو، رغم خسارة معسكره أغلبيته السابقة، احتفظ بكتلة سياسية متماسكة نسبيًا، بينما تعاني المعارضة تناقضًا بنيويًا بين رغبتها في إبعاده عن السلطة ورفض بعض مكوناتها الاعتماد على الأحزاب العربية لتحقيق ذلك.
وهنا تتجلى إحدى أعمق أزمات النظام السياسي الإسرائيلي: قد توجد أغلبية برلمانية تستطيع الاعتراض على استمرار رئيس الوزراء، دون أن تتحول إلى أغلبية تستطيع الاتفاق على بديله أو برنامجه.

ولذلك فإن الأزمة ليست فقط أزمة مقاعد، وإنما أزمة تعريف سياسي لمن يُسمح له بالمشاركة في صناعة السلطة، وما إذا كانت المواطنة المتساوية قادرة على تجاوز حدود الاصطفافات القومية والأيديولوجية.

نتنياهو.. البقاء السياسي ليس انتصارًا استراتيجيًا

نجاح نتنياهو في الاحتفاظ بموقع متقدم، رغم الانتقادات المتعلقة بإخفاقات السابع من أكتوبر 2023 وتداعيات الحرب، يكشف استمرار قدرة خطاب الأمن والهوية والخوف من التهديدات الخارجية على تعبئة قطاعات واسعة من الناخبين.

غير أن هذه القدرة لا تعني حصوله على تفويض مفتوح، خصوصًا مع تقلص مقاعد معسكره وحاجته إلى شركاء جدد.

والأخطر أن أي حكومة تتشكل من تحالفات متناقضة قد تجد نفسها مضطرة إلى إدارة السياسة الخارجية وفق حسابات بقائها الداخلي؛ فقرار يتعلق بغزة أو الاستيطان أو إيران قد يصبح موضوعًا للمساومة بين الأحزاب، لا مجرد تقدير استراتيجي للمؤسسات الأمنية.

وفي المقابل، يمكن لحكومة وحدة واسعة أن تمنح القرار السياسي قدرة أكبر على المناورة، لكنها قد تفضي أيضًا إلى توافق أوسع على التشدد الأمني دون توافق مماثل على التسوية السياسية.

الأحزاب العربية.. من الهامش الانتخابي إلى معضلة الهوية

تمثل القفزة المتوقعة للأحزاب العربية إلى 19 مقعدًا تطورًا بالغ الدلالة؛ فهي لا تمنح المواطنين العرب حضورًا برلمانيًا أوسع فحسب، بل تكشف تناقضًا أساسيًا بين وزنهم الانتخابي وحدود قبولهم شركاء في الحكم.

فإذا كانت أصواتهم تستطيع حسابيًا إنهاء حكم نتنياهو، فإن رفض قوى معارضة الاستناد إليها يطرح تساؤلًا حول العلاقة بين الديمقراطية والهوية القومية في إسرائيل.

وهنا يصبح مأزق آيزنكوت أعمق من افتقاره إلى المقاعد؛ إذ يحتاج إلى توافق بين قوى تختلف حول العرب، والدين، والتجنيد، والقضية الفلسطينية. وقد حملت الساعات الأخيرة تقارير عن ابتعاد أفيغدور ليبرمان عن شركائه، وتفضيله أن يتجه آيزنكوت إلى حكومة وحدة، بينما دعا يائير غولان إلى التعاون مع الأحزاب العربية.

وهي مواقف تعكس صراعًا داخل المعارضة حول حدود التحالف المقبول، وليس مجرد خلاف على توزيع الحقائب.

غزة.. تغيير الوجوه لا يعني تغيير العقيدة

في غزة تظهر المسافة بين تغيير الحكومة وتغيير الاستراتيجية. فالتنافس بين نتنياهو وآيزنكوت لا يعني بالضرورة اختلافًا جذريًا بشأن مستقبل حماس أو الدولة الفلسطينية، إذ يشترك الاثنان في رفض قيام دولة فلسطينية ضمن مواقفهما المعلنة، مع اختلافات محتملة في أسلوب إدارة الحرب والتفاوض.

المعضلة الأعمق أن إسرائيل تواجه سؤالًا لم تحسمه القوة العسكرية: كيف يمكن تحويل السيطرة الأمنية إلى ترتيب سياسي مستقر؟

فاستمرار العمليات دون تصور قابل للتطبيق للحكم وإعادة الإعمار يحمل مخاطر تجدد العنف، بينما تتطلب أي تسوية معالجة قضايا الأمن والحقوق الفلسطينية والمساعدات والضمانات الدولية.

لذلك سيكون المعيار الحقيقي للحكومة المقبلة ليس عدد عملياتها العسكرية، بل قدرتها على تقديم إجابة سياسية عن اليوم التالي للحرب.

الضفة الغربية الجبهة التي تختبر معنى التسوية

في الضفة الغربية يتجاوز الصراع مسألة التوتر الأمني إلى مستقبل الأرض والسلطة والسيادة. فاستمرار التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين يضع أي حكومة إسرائيلية أمام اختبار مباشر لقدرتها على ضبط التطورات الميدانية، ومدى استعدادها للموازنة بين مطالب الأحزاب اليمينية والالتزامات الدولية.

وقد تعهد آيزنكوت باتخاذ موقف أكثر تشددًا تجاه عنف المستوطنين، لكن ذلك لا يساوي تلقائيًا تبني تسوية نهائية مع الفلسطينيين.

ومن هنا فإن أي تحول محتمل ينبغي قياسه بالسياسات الفعلية المتعلقة بالاستيطان والحماية المدنية، وليس بتغير أسماء الوزراء وحده.

لبنان وإيران.. هل تصبح الجبهات الخارجية رهائن للائتلاف؟

في لبنان، تتعلق الحسابات الإسرائيلية بأمن الحدود ومستقبل الترتيبات العسكرية مع حزب الله، بينما تتصل المواجهة مع إيران بموازين الردع والقدرات العسكرية والبرنامج النووي.

وهذه ملفات تتجاوز عمر أي حكومة، لكنها تتأثر بطبيعة الائتلاف الحاكم وبمقدار ما يتمتع به من استقرار وقدرة على اتخاذ قرارات مكلفة.

ولا يصح افتراض أن حكومة ضعيفة ستختار التصعيد لتجاوز مأزقها، أو أن حكومة وحدة ستتبنى التهدئة بالضرورة؛ فكلا الاحتمالين يتوقف على تطورات الميدان ومواقف واشنطن والمؤسسات الأمنية.

غير أن استمرار الغموض السياسي يضيف عنصرًا جديدًا من عدم اليقين إلى منطقة تعاني أصلًا هشاشة ترتيبات الردع والتسوية.

واشنطن والقاهرة.. الانتخابات تتحول إلى اختبار إقليمي

بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية، تأتي الأزمة الانتخابية في وقت تحتاج فيه إلى شريك إسرائيلي قادر على تنفيذ التفاهمات، لا مجرد الموافقة المبدئية عليها.

وقد أشارت رويترز إلى أن الانسداد السياسي يعقّد حسابات الرئيس دونالد ترامب بشأن غزة وإيران، فضلًا عن التحديات المرتبطة بصورة إسرائيل داخل الولايات المتحدة.

أما القاهرة، فإن جوهر المسألة يتمثل في استمرار التنسيق الأمني، ومنع تجدد نزوح الفلسطينيين، وضمان وصول المساعدات، وتهيئة ظروف إعادة إعمار غزة.

ولذلك لا تقاس أهمية النتائج لمصر بهوية رئيس الوزراء وحدها، بل بمقدار ما تسمح به التوازنات الحكومية من التزامات عملية قابلة للتنفيذ، وبمدى قدرة الوساطة المصرية على التعامل مع أي تحول في القرار الإسرائيلي.

الساعات الأخيرة.. الفرز مستمر والتسويات تبدأ قبل إعلان النتائج

حتى صباح الخميس 29 أكتوبر، استمر فرز أصوات المظاريف المزدوجة، مع بقاء معسكر نتنياهو عند نحو 53 مقعدًا ومعسكر المعارضة عند 48، وفق تحديثات تجاوز فيها الفرز 90%.

وكان الرئيس إسحاق هرتسوغ قد حذر من العودة إلى انتخابات جديدة، فيما تتوقع التقارير إعلان النتائج الرسمية في الرابع من نوفمبر، بعد استكمال الإجراءات الانتخابية.

وهكذا تتشكل ثلاثة مسارات سياسية ينبغي متابعتها: ائتلاف موسع يجمع خصومًا سابقين، أو ترتيب برلماني يعتمد على دعم الأحزاب العربية، أو استمرار الانسداد وصولًا إلى انتخابات أخرى.

ولكل مسار تكلفة داخلية وانعكاسات مختلفة على حرية القرار الحكومي، دون أن تكون نتيجة أي منها محسومة حتى الآن.

ما بعد الصناديق.. أزمة أعمق من اسم الحاكم

تكشف انتخابات أكتوبر حقيقة تتجاوز نتنياهو وآيزنكوت: إسرائيل تواجه أزمة في التوفيق بين مجتمع منقسم حول الهوية والمؤسسات والتجنيد والمساءلة، وسياسات أمنية تتشابك آثارها مع مستقبل المنطقة بأسرها.

ولا يكفي تشكيل حكومة لإنهاء تلك الأزمة، لأن السؤال الأكثر جوهرية يتعلق بالاتجاه الذي ستسلكه الدولة، وبما إذا كانت ستنتقل من إدارة الصراعات بالقوة إلى البحث عن ترتيبات سياسية قابلة للاستمرار.

شارك المقال:

التعليقات مغلقة على هذا المقال.