الاغتيالات بالكاميرا وغلمان الحرب النفسية
حين يظهر شخص فى قامة على لاريجانى أو فى مركز أمنى حساس كرئيس المخابرات في بث مباشر، أو تصوير في موقع مفتوح، فإن المسألة لا تنتهي بإغلاق الكاميرا.

نهاية الحروب التقليدية
لم يعد العالم مثلما كان،وانتهت حقبة الحروب التقليدية التى تُخاض بالدبابات والطائرات والسفن والبوارج وحدها ، فقد أصبح القتال يدار أيضا عبر تتبع الشاشات، والإشارات، والبيانات التي يتركها الإنسان دون أن يدرك.
البث المباشر والواقع التقني
فالبث المباشر لم يصبح مجرد لحظة إعلامية عابرة، لانه يتحول إلى مدخل لتحليل معقد يمكن أن يُبنى عليه تتبع أو استهداف لشخصيات مؤثرة وقادة ميدانيون أو تجمع أمنى .
وهو مايفسر اغتيال شخصيات مهمة فى ايران عقب تصوير وبث مباشر من أماكن عامة نهارا،
فالواقع التقني رغم خطورته ليس عصيًا على الفهم أو المواجهة.
جاسوس في مركز أمني حساس
فحين يظهر شخص فى قامة على لاريجانى أو فى مركز أمنى حساس كرئيس المخابرات في بث مباشر، أو تصوير في موقع مفتوح، فإن المسألة لا تنتهي بإغلاق الكاميرا.
فما يبقى بعد ذلك هو ما يُعرف بـ”الأثر الرقمي” وهى طبقات من الإشارات والبيانات التي يمكن تحليلها لاستخلاص دلالات عن المكان أو الهوية أو حتى نمط وخرائط الحركة والتنقل ،
فالفيديو والبث المباشر ليس مجرد محتوى مرئي، بل خريطة مكتملة تمثل مبنى في الخلفية، لافتة شارع، شكل تضاريس، زاوية ظل.
كل هذه التفاصيل تتحول فى يد محللى البيانات إلى مفاتيح لتحديد المكان والبصمات الشخصية،وتحليلها و مقارنتها بخرائط وصور الأقمار الصناعية، .
فالعمليات المعقدة خاصة في سياق حرب الاغتيالات الحالية تعتمد عادة على القدرات التقنية العالية،
ثم العامل الأخطر دوما وهو الوقوع فى هفوات الإهمال الأمني،و الظهور غير المحسوب، الثقة الزائدة في البيئة المحيطة، حيث يتم التتبع والملاحقة بأجهزة المراقبة والتكنولوجيا، واحيانا بواسطة اشخاص قد لا يكون معهم سوى موبايل حديث.
حرب نفسية ممنهجة
ورغم المرارة التى تتركها حوادث الاغتيال المتكررة فإن الأخطر منها، هو تلك الطبقة غير المرئية من الحرب التى تليها ، وهى الحرب النفسية الممنهجة.
فالملاحظ انه بالتوازي مع ازدياد العمليات الميدانية والاغتيالات الجبانة، فانه يجري بالتوازى مع ارتكابها ضخ سرديات مكثفة تُروّج لفكرة أن كل شيء مخترق، وأن الخيانة سائدة، وأن المؤسسات بيعت بالكامل، وأن لا جدوى من أي احتراز او حرص أو مقاومة.
هذه السرديات التى تروجها أذرع الاعداء، لا تعمل أبدا على تفسير ما يحدث، بل على تزييفه والترويع به، والتلاعب بوعى وعقول الناس ، لدفعهم تدريجيًا إلى الاستسلام النفسي قبل أي شيء آخر.
تروويج فكرة الجاسوس في كل مكان
وهنا يصبح الترويج المفرط لفكرة “الجاسوس في كل مكان” جزءًا من المعركة نفسها، لا وصفًا موضوعيًا لها. إذ يتم تضخيم دور العنصر البشري الخائن إلى حدٍّ يُلغى معه أي نقاش حول التقدم التكنولوجي، أو سبل مواجهته، أو حتى تقليل آثاره. وهو ماينتج عنه بيئة خانعة ومجتمع مخترق مشلول، يشك في نفسه أكثر مما يفهم عدوه، ويستسهل تفسير كل شيء بالخيانة بدل التحليل.
من هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط في تكنولوجيا الأعداء، بل في فهمها، وفي توخى الحرص والحذر، كذلك رفض الاستسلام للروايات التي تسوق لنا. فالتكنولوجيا يمكن تقليل مخاطرها، والتعامل معها بوعي وانضباط، أما الهزيمة النفسية إذا ترسخت لا يمكن إصلاحها ،






